مقالات و محاضرات

 

 

لهذه الأسباب أنا متفائل إزاء مستقبل العراق

 

نـزار حيدر

 

 

نـزار حيدر لـ(المنتدى الرسالي)البحريني:

أدناه، نص الحوار الذي أجراه (المنتدى الرسالي) البحريني مع مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن، أجري الحوار في (7 كانون الثاني) المنصرم 

توطئة

الحمد لله، وصلى الله على رسوله وآله المنتجبين الطاهرين.

في البدء، اسمحوا لي، أيها الإخوة الأعزاء، أن أتقدم بوافر الشكر والتقدير لكم ولكل المشاركين والمشاركات في هذا المنتدى، لإتاحتكم لي هذه الفرصة الثمينة، لأطل من خلالها على إخوتي وأخواتي في مملكة البحرين، على وجه التحديد، وعلى كل رواد المنتدى بشكل عام.

السؤال الأول:

الأستاذ نــــزار حيدر، مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن؛ لا يخفى على أحد تاريخك الطويل في ساحات الجهاد، والإخوة الرساليون، سواء في العراق أو البحرين أو الجزيرة العربية، يحملون ذكريات كثيرة معك عن تلك الأيام.فهل تتفضل وتذكر لنا شيئا منها؟.

الجواب:

لست ممن يتحدث عن نفسه، فلقد أوكلت هذه المهمة للآخرين، ولكن، إن كان ولا بد، فاسمحوا لي أن أتحدث بالمجمل عن تلك المرحلة من التاريخ.

فبالنسبة لي، تعتبر تلك المرحلة، بدايات التأسيس والتشكل الفكري والثقافي، بل وحتى السياسي.

إنها المرحلة التي أسست للمستقبل، الذي اعتبره الآن الامتداد الحقيقي والطبيعي لها، فلولا تلك المرحلة، لما كان الحاضر الحالي بكل تفاصيله، لأن المرء ابن ماضيه، كما تقول الحكمة، إذ لا يقدر الإنسان، أي إنسان، أن ينفصل عن ماضيه، إلا من أجل تطوير مستقبله، فإذا كان ماضي المرء سيئا، فبامكانه أن يستفيد منه لتطوير ذاته نحو الأفضل، وإذا كان ماضيه حسنا، فعليه أن يوظفه على أحسن حال من أجل أن يبني عليه مستقبلا مشرقا، المهم أن لا يفكر بالانسلاخ عن الماضي، بقدر ما يجتهد من أجل توظيفه لمستقبل أفضل، لأنه لا يقدر على الانسلاخ أبدا، فماضي المرء وحاضره ومستقبله، مراحل ثلاث مترابطة.

أما الذكريات بهذا الصدد، فهي كثيرة لا يسع المجال لذكرها هنا، على أمل أن أوفق لكتابة جوانب منها، علها تكون تجارب خير للأجيال الجديدة من الرساليين والعاملين في مجال البناء الحضاري الذي ينشده المخلصون لأمتهم وشعوبهم. 

السؤال الثاني:

ما هو تقييمك لمحاكمة طاغية العراق؟ وهل ترى أن المحكمة، والقاضي على وجه الخصوص، متساهلة مع الطاغية وأعوانه المجرمين؟.

الجواب: 

قد يكون القاضي السابق السيد رزكار أحمد أمين، حاول بطريقته الهادئة في إدارة المحكمة، أن يعطي صورة جديدة لما عليه القضاء العراقي ما بعد نظام الطاغية الذليل، ولقد فعل خيرا ونجح نجاحا باهرا في إيصال الرسالة إلى من يهمه الأمر من الأنظمة والحكام العرب على وجه التحديد، الذين يقودون أنظمة شمولية ليس للقضاء الحر والمستقل أي معنى، وان كنت أشك في أنه، أو أي أحد غيره، سيترك الأثر المطلوب في تبليغ مثل هذه الرسالة الحضارية عميقة المعنى والمحتوى والمغزى، لأن(من شب على شئ، شاب عليه) كما تقول الحكمة المعروفة، إذ من غير الممكن أن تستوعب مثل هذه الأنظمة هذا النوع من الرسائل، إلا أن القاضي عمل الذي عليه، ونجح في التفريق بين صورتين متناقضتين للقضاء العراقي، الأول الذي كان سائدا في عهد الطاغية الذليل، والذي كان يقوم على أساس أن الحاكم الأوحد هو القانون وهو القضاء وهو الدستور، وهو، بكلمة أخرى، الخصم والحكم.

أما الصورة الثانية، التي نأمل أن تتكرس قواعدها وأصولها في العراق الجديد، فتقوم على أساس القضاء العادل المستقل الذي لا تتدخل فيه السلطة، لا من قريب ولا من بعيد، يسمع للشهود ويدون أدلتهم، كما يستمع إلى المتهم ويسجل إفاداته، ويعطي للطرفين وقتا متساويا للرد والاستفسار والنقاش والسؤال، ويتعامل مع المتهم والمشتكي بقدر متساوي من العدالة والإنصاف.

إلا أن الشئ المهم الذي يجب أن نشير إليه هنا، هو أن هذه الطريقة جاءت، للأسف الشديد، على حساب مشاعر ضحايا النظام البائد، خاصة الأمهات والأرامل والأبناء الذين فقدوا أعز أحبتهم في عهد الطاغية الذليل، إما بالقتل أو بالاغتيال أو في المقابر الجماعية، أو في الإذابة في أحواض الأسيد، أو بأية طريقة شنيعة أخرى، كان يستخدمها النظام البائد لتصفية خصومه.

ولهذا السبب، اعتبر الكثير من العراقيين، أن المحكمة ليست أكثر من مسرحية هزيلة تلاعبت بمشاعر الضحايا إلى درجة القرف، ولذلك شهدنا خروج الكثير من العراقيين في تظاهرات في العديد من محافظات العراق تطالب بتغيير نمط وطريقة إدارة المحكمة، كما أبدى كثيرون اعتراضهم على ذلك، وقد عبروا عن ذلك بكتاباتهم وأحاديثهم وتصريحاتهم، التي ملأت الشاشة الصغيرة ومواقع الانترنيت، بل أن الكثير، حتى من المسؤولين العراقيين، أبدوا استغرابهم من طريقة إدارة المحكمة من قبل القاضي السابق، الذي اعتبروه أنه كان متساهلا مع الطاغية وأعوانه المجرمين، إلى درجة كبيرة.

وربما لهذا السبب، تم تغيير القاضي ليحل محله آخر أكثر شدة وصرامة مع المجرمين الذين يمثلون في هذه المحكمة، كطريق للانصياع إلى موقف الشارع العراقي الغاضب.

وبكلمة، فأنا أعتقد بأنه لا يجوز التساهل مع الطاغية وأزلامه إلى هذه الدرجة، ولا بد أن تتسارع خطى المحكمة للوصول، في أسرع وقت ممكن، إلى يوم النطق بالحكم، لينال الطاغوت وزبانيته جزاءهم العادل لما اقترفوه بحق العراق وشعبه ودول الجوار وشعوبها، فالطاغية الذليل صدام حسين أصبح بحكم التاريخ، ولذلك لا يجوز أن ننشغل به أكثر من الزمن الذي استغرقته المحكمة لحد الآن، كما لا يجوز الاستمرار في التلاعب بمشاعر العراقيين مدة أطول، تحت مسميات عدالة القضاء وحرية الدفاع وإدارة المحكمة ضمن المواصفات الدولية وما إلى ذلك، فلماذا لا يحاكم، غير الطاغية، بهذه المواصفات، إلا أن يبيت البعض خطة مدروسة ليفلت بها الطاغية من حكم الإعدام المحقق الذي يجب أن يكون من نصيبه، ليس على جرائمه التي ارتكبها طوال (35) عاما من حكمه الأسود، وإنما لجريمة واحدة فقط من جرائمه، ولك أن تختار أية واحدة منها لتجد أن الحكم بالإعدام، هو الجزاء الأوفى لها.  

السؤال الثالث: 

ما هي توقعاتك حول مستقبل العراق بعد تشكيل الحكومة الجديدة المرتقبة؟. 

الجواب:

العراق إلى خير بإذن الله، وان تشكيل الحكومة العراقية الجديدة سيكرس الواقع الجديد الذي بدأ يشهده هذا البلد منذ سقوط الصنم ولحد الآن.

فعلى الرغم من كل الظروف القاسية التي تمر بالعراق وشعبه، وبالرغم من كل التحديات التي يواجهها، وعلى رأسها تحدي العنف والإرهاب الذي تغذيه أجهزة مخابرات دولية وإقليمية، لتخريب العملية السياسية القائمة على أساس الشراكة الحقيقية في السلطة بين مختلف مكونات الشعب العراقي، خاصة الأغلبية(الشيعة) وأكبر الأقليات(الكرد) هتين الشريحتين اللتين ظلتا تحت خط القمع والتهميش في ظل أنظمة (الأقلية) الطائفية والعنصرية التي تعاقبت على الحكم في العراق، مع كل ذلك، إلا أن المستقبل الذي ينتظره العراقيون يبشر بكل خير، لحضور عناصره ومقوماته، التي يمكن تلخيصها بما يلي؛

أولا؛ الحضور الفاعل للشعب العراقي الذي آلا على نفسه أن لا يترك الساحة السياسية من الآن فصاعدا لحفنة من اللصوص والمنتفعين الذين يبيعون ويشترون بمصالحه ومصالح البلاد.

ولقد تجلى هذا الإصرار على الحضور ثلاث مرات حتى الآن، المرة الأولى في الانتخابات التشريعية الأولى التي جرت في الخامس عشر من كانون الثاني عام 2005، والثانية في الاستفتاء على الدستور في الخامس عشر من تشرين الأول عام 2005 كذلك، والثالثة في الخامس عشر من كانون الأول المنصرم.

فلقد أبدى العراقيون إصرارا غريبا على الحضور عند صندوق الاقتراع، بالرغم من كل التحديات والتهديد بالقتل والموت، لعلمهم بأن الحضور في الساحة السياسية والشأن العام، هو أقصر الطرق وأفضلها وأسلمها لصيانة التضحيات والإنجازات من عبث العابثين وسرقة اللصوص وتجار السياسة، وهذا ما كان، فلقد كان لهذا الحضور دورا مفصليا في تثبيت حقوق وتكريس حقائق، ما كان يمكن أن يتحدث عنها العراقيون لولا هذا الإصرار على الحضور الفاعل.

الثاني؛ المرجعية الدينية التي ثبت بالتجربة بأنها صمام الأمان لحفظ وصيانة منجزات الشعب الذي ضحى من أجلها بالغالي والنفيس.

إن الدور الأبوي الذي تلعبه اليوم المرجعية الدينية، وعلى رأسها المرجع السيستاني وبقية المرجعيات المتنورة المتصدية للشأن العام، بمثابة عنصر الاطمئنان إزاء المخاطر التي تواجه تجربة العراقيين الجديدة، فالرقابة التي تمارسها المرجعية الدينية على الساحة، والرؤى الثاقبة التي تغذي بها العملية السياسية، والترشيد الذي تمارس دوره لكل ما يتعلق بالشأن العام، والتدخل في اللحظة الحرجة لتحقيق الصالح العام وتثبيت الحقوق، كلما شعرت بالمخاطر تحدق بالعملية الديمقراطية، والنصيحة والمشورة التي تقدمها لكل الزوار من دون تمييز أو استثناء، إن كل ذلك، وغيره، مؤشرات على أن العراق يسير بالاتجاه الصحيح ونحو الأفضل، وان كانت الخطوات بطيئة، إلا أن الحكمة تقول (خير للإنسان يكون كالسلحفاة في الطريق الصحيح، من أن يكون غزالا في الطريق الخطأ).

الثالث؛ هو التعددية السياسية التي ستحول دون تكرار تجارب الأنظمة الشمولية، التي تقوم على قاعدة نظام الحزب القائد والقائد الأوحد والحزب الواحد، التي تنتهي عادة إلى الاستبداد والديكتاتورية.

إن مما يطمئن على عدم تكرار مثل تلك التجارب السيئة، هو هذا النوع من التعددية السياسية الحقيقية التي يجب أن يحترمها الجميع ويحرص على استمرارها، فهي المعبر الحقيقي عن غياب ظاهرة الاستحواذ وسياسة الإقصاء، وان الذين يعتبرون هذه التعددية دليل تشتت في الآراء وتمزق في الرؤى، فإنهم مخطئون ومغرضون في أغلب الأحيان، لأنهم، وبحجة وحدة الصف والحرص على وحدة الرؤى، يريدون اختزال التعددية في تيار سياسي واحد، أو اختزال الزعامات بزعيم أوحد، سينتهي به المطاف إلى الاستبداد والديكتاتورية شئنا أم أبينا، ومهما كانت هذه الزعامة الواحدة أو تلك مؤمنة ومتقية ووطنية، فالمرء بطبيعته ميال إلى الاستبداد إلا من عصم ربي، ولا يكون ذلك إلا بالتعددية والتنافس السياسي والحزبي الشريف، والى هذا المعنى أشار القرآن الكريم بقوله{إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى} وهل هناك أكبر من غنى الاستفراد بالسلطة  والاستحواذ على الساحة، من دون منافس أو تعددية حقيقية؟.

الرابع؛ إقرار النظام اللامركزي للعراق الجديد، بغض النظر عن المسميات.

إن ذلك، ينهي، والى الأبد، عهد السيطرة المركزية الحديدية على الأطراف، والذي يهمش الدور الشعبي في العملية السياسية لدرجة الإلغاء والإقصاء.

كما أن اللامركزية، تضع حدا للعبة السرقات المسلحة (الانقلابات العسكرية) التي ابتلي بها العراق.

بالإضافة إلى ذلك، فان هذا النوع من الأنظمة السياسية، يغذي روح المسؤولية، والروح الوطنية، عند العراقيين، عندما يشعرون بأنهم مسؤولون عن كل تصرف، فلا يفكروا بتحميل السلطة في المركز، كل المشاكل، والهروب منها. 

السؤال الرابع:

هل ترى من الصواب فتح الحوار مع الإرهابيين والتكفيريين في العراق؟ وما مدى إمكانية تحقيق ذلك؟.

الجواب:

أولا يجب أن نميز بين جنسيات هؤلاء التكفيريين والإرهابيين.

فالأجانب الغرباء (من العرب وغيرهم) الذين وفدوا إلى العراق من الخارج ممن جندتهم المنظمات الإرهابية للقتال ضد العراقيين الأبرياء، هؤلاء لا حوار معهم أبدا.

هؤلاء يجب أن يتركوا العراق فورا ويغادروا على وجه السرعة، ويعودوا إلى بلدانهم، وإذا كانوا يتصورون بأن جرائمهم وأعمالهم الوحشية جهاد ومقاومة فليعودوا إلى بلدانهم وليمارسوها هناك، وليدخلوا الجنة، إن أرادوا، من هناك، إذ أن أغلب هؤلاء قدموا من بلدان تزدحم فيها القوات الأجنبية، إذا كانوا قد جاءوا إلى العراق للقتال ضد القوات الأجنبية، فضلا عن أن أغلب بلدانهم ترفع الأعلام الإسرائيلية فوق أسطح بنايات سفارات إسرائيل، وما عمان والدوحة والقاهرة وغيرها ببعيدة، أو أنها تحكم من قبل أنظمة استبدادية شمولية، ملكية وراثية أو عسكرية، متخلفة لا ترعى في أمتها وشعوبها إلا ولا ذمة، كان حقا على هؤلاء مقاتلتها وإنقاذ بلدانها من شرها وشرورها، فلماذا يأتون إلى العراق لإنجاز مهامهم؟ وبلدانهم وشعوبهم أولى بـ (جهادهم ونضالهم)؟ وأكثر حاجة إليهم، من أجل إنقاذهم من العبودية للطاغوت والفقر والتخلف والأمية؟.

على هؤلاء أن يتركوا العراق وأهله، فالعراقيون لم يطلبوا من أحد أن يقاتل بالنيابة عنهم، أو أن يأتي إلى العراق ليعطيهم دروسا في الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى أو في سبيل نصرة الوطن وعزته.

لقد تعرض العراق الحديث للغزو الأجنبي مرتين، قبل ذلك، لم يطلب فيها العراقيون أية مساعدة أو دروس أو استشارة من أحد في المقاومة ضد المحتل، بل إنهم، في كل مرة، اعتمدوا على الله تعالى وعلى أنفسهم لطرد المحتل وتحقيق الاستقلال للبلاد.

كما أنهم يعرفون جيدا كيف يقاومون الأنظمة الاستبدادية، فلعلهم من أكثر الشعوب تعرضا للأنظمة الشمولية والاستبدادية، وأن تاريخهم يزخر بالتجارب والدروس في هذا الصدد، ما يمكن أن يكون نموذجا يحتذى، تتعلم منه شعوب العالم، التي تتعرض للقمع والاضطهاد في ظل أنظمة مستبدة، دروسا وتجارب.

أما الإرهابيين والتكفيريين من العراقيين، فإذا كان الهدف من الحوار معهم هو لإلقاء سلاحهم أولا وقبل كل شئ، ومن ثم لتقديم زعماءهم للقضاء العادل لينالوا جزاءهم الطبيعي على ما اقترفوه من جرائم وحشية مروعة ضد الشعب العراقي الصابر، فذلك أمر مستحسن، وقد يكون واجبا، بشرط أن تأخذ الحكومة العراقية الجديدة على عاتقها هذا الأمر وهذه المسؤولية، وليس القوات متعددة الجنسيات أو الاميركان أبدا، لأن حوار هؤلاء معهم عادة ما يكون في اطارصفقة سياسية، دائما ما تكون ضد مصالح العراقيين، أما حوار الحكومة العراقية، فبينها وبين زعماءهم القضاء العادل، وبينها وبين المغرر بهم، من الذين غسلت أدمغتهم بالفتاوى الطائفية الحاقدة، قد يكون العفو والصفح، تصدره الحكومة قرارات محدودة الأمد، أحد الحلول الممكنة والمعقولة، ليلقي أمثال هؤلاء سلاحهم ويعودوا إلى صف الشعب، نادمين على ما فعلوا، مصممين على عدم العودة إلى ماضيهم الأسود أبدا، ليبدأوا حياتهم من جديد، عناصر ايجابية فاعلة، توظف جهدها لبناء الوطن، بدل القتل والذبح والتدمير.

أما أي نوع من الحوار مع كل أنواع هؤلاء وأمثالهم، من أجل مكافأتهم على جرائمهم، فتلك هي الخيانة بعينها، والتي لا يجوز لأحد أن يتورط بها أبدا، لأن ذلك سيشجع الإرهابيين على مواصلة أعمالهم الوحشية، على أمل أن تحاورهم الحكومة يوما ما، فيقايضوا السلاح بمنصب أو موقع في السلطة، وكل ذلك لا يصب في مصلحة العراق والعراقيين والعملية السياسية الجديدة، أبدا. 

السؤال الخامس: 

هل تستطيع الحكومة العراقية، بعد انسحاب الاحتلال، أن تفرض الأمن والسيطرة على الأراضي العراقية، كدولة مستقلة وحرة وقادرة؟. 

الجواب:

بالتأكيد، بل أن السبب الرئيسي لفشل الاميركيين في فرض الأمن في العراق، إنما هو لعدم تسليم الملف الأمني للحكومات العراقية التي تعاقبت على السلطة منذ سقوط الصنم.

شخصيا، أشك في أن الاميركان جادون في التعامل مع الملف الأمني بصدق، بل أن هناك من يتهمهم بأنهم وراء الكثير من الأعمال الإرهابية التي يشهدها العراق، ليس بالضرورة بشكل مباشر، وإنما من خلال طرق ووسائل وأساليب عديدة، لحاجة في أنفسهم.

فعندما يرفضون تحديد مصادر الإرهاب، ولا يقبلون الكشف عنها بشكل حقيقي وواقعي، فان ذلك يعتبر بمثابة التستر على الإرهاب، وبعبارة أخرى تحريض عليه.

كما أن إصرار الاميركيين على تدريب القوات العراقية الجديدة في الأردن تحديدا، وليس في أي بلد آخر، يعتبر كذلك تحريضا على الإرهاب، بعد أن ثبت استشراء الفساد المالي والإداري وتغلغل الإرهابيين في مجموعات المتدربين، لحظة انطلاقتهم للعودة إلى العراق، لاستلام مهامهم الأمنية.

كذلك، فان تورط الاميركان في صفقات الفساد المالي والإداري، كصفقات السلاح المشبوهة في زمن الحكومة السابقة، وبالتالي تسرب أموال هذه الصفقات إلى الإرهابيين، يعد بمثابة تحريض على القتل، وهكذا.

وبقراءة سريعة للخط البياني للملف الأمني، وما رافقه من تدخل سافر من قبل الاميركان في كل تفاصيله، يتضح لنا جليا بأن الحل الأنسب لهذه المعضلة الشائكة، هو أن يسلم الملف بالكامل للحكومة العراقية القادمة، من دون تدخل أي طرف خارجي، أما أن يبقى جهاز المخابرات العراقي(الجديد) يدار من واشنطن، ويبقى العاملون فيه يتقاضون رواتبهم من ميزانية تحددها أجهزة معينة في واشنطن، من دون أن يكون للحكومة العراقية أي دخل في ذلك، فان كل ذلك لا يساعد على إنجاح مهام الحكومة العراقية في بسط الأمن واستتبابه بالصورة المطلوبة، والتي يجب أن تكون عليه الحالة الأمنية.

كذلك، فان اللقاءات والحوارات السرية التي يعقدها الاميركان، بين الفينة والأخرى، مع مجموعات العنف والإرهاب، من دون علم، فضلا عن موافقة، الحكومة العراقية أو أي من الأجهزة الأمنية العراقية، فان ذلك، كذلك، يعقد من مهام الحكومة العراقية على هذا الصعيد، ويزيد من تعقيد الملف، وهذا ما نراه ويلمسه العراقيون يوما بعد آخر. 

السؤال السادس:

علقت، قبل فترة، على تصريحات وزير الخارجية السعودي الخطيرة.

والآن، وبعد وضوح الرؤية، وبخاصة بعد تدخل الجامعة العربية ومؤتمر القاهرة، ما هو تعليقكم؟. 

الجواب:

في الحقيقة، كانت ولا تزال الرؤية واضحة عندنا، نحن العراقيين، والتي يمكن تلخيصها بكلمة وهي؛ إن أي تدخل من قبل الأنظمة العربية، وجامعتهم العتيدة، في الشأن العراقي، هو ليس لصالح العراقيين أبدا، وان تصريحات الوزير السعودي المشار إليها في السؤال، كانت تقف وراءها بواعث طائفية واضحة، فلأول مرة يتحدث هذا الوزير ويبدي مخاوفه من تهميش طائفة معينة في العراق(السنة تحديدا) وهو الذي لم يتحدث بهذه اللهجة طوال (35) عاما، هي مدة حكم الطاغية صدام، والتي ظلت خلالها الأغلبية من الشعب العراقي(الشيعة) وأكبر الأقليات(الكرد) يتعرضون للتهميش السياسي والاضطهاد المذهبي والقومي، بأقسى وأشد أنواعه، تمثل في الإقصاء السياسي والقتل والذبح والتصفيات والتهجير والمقابر الجماعية والأنفال وحلبجة وغيرها الكثير من الجرائم التي يندى لها تاريخ البشرية والعرب(على وجه التحديد) لأنها ارتكبت باسم العروبة والقومية العربية.

كما تمثلت في بعض جوانبها، بالتدمير المنظم للاقتصاد الشيعي، من خلال عمليات التهجير لكبار تجارهم وأثريائهم، أو قتلهم وإعدامهم، بعد تجريدهم من كل ما يملكون، والاستيلاء على أموالهم المنقولة وغير المنقولة، والقتل المستمر للمرجعيات الدينية التي تمثل عصب الفكر والثقافة، إلى جانب التدمير المنظم للمؤسسات الثقافية والفكرية لهم، والتي تقف على رأسها الحوزات والمدارس الدينية.

فأين كان هذا الوزير يوم ذاك؟ وهو الذي أقصى شيعة المملكة العربية السعودية من وزارته على مدى ثلاثين عاما، فلم يعين منهم سفيرا أو وكيلا لوزير أو مديرا عاما أو حتى موظفا عاديا في وزارة الخارجية، التي لا زال يقف على رأسها طوال هذه المدة المديدة من الزمن، ثم يأتي ليتحدث عن ما أسماه وقتها بمحاولات تهيش السنة في العراق؟.

أما تهميش نظامه للمرأة فحدث عنه ولا حرج، إذ يكفي أن نتذكر بأن المرأة في ظل حكم نظام هذا الوزير محرومة من الإحساس بآدميتها، فلا يحق لها أن تتدخل في الشأن العام بأي شكل من الأشكال، وكفى بذلك تهميشا وقمعا لهذا الكائن الذي هو نصف المجتمع، أي، بعبارة أخرى، أن نصف المجتمع السعودي مشلول ومصاب بالكساح، فلماذا لا ينتقد الوزير كل ذلك، ثم يأتي ليتحدث عما أسماه بمحاولات تهميش السنة في العراق الجديد؟.

أوليس من الأولى به، أن ينتبه إلى الواقع السياسي المزري لبلاده، ليعمل على إصلاحه، بدلا من أن يتدخل في الشأن العراقي، ويحاول، بتصريحاته الطائفية، أن يثير النعرات الطائفية بين أبناء البلد الواحد؟ وهو الذي يعرف، قبل غيره، مدى حساسية الظرف الذي يمر به العراقيون، والذين يحتاجون اليوم، وأكثر من أي يوم مضى، إلى البلسم الذي يضمد الجراح التي ورثها العراقيون من النظام البائد، بسبب سياساته المجنونة التي كانت السبب وراء كل الذي يمر به العراق اليوم، بل والمنطقة؟. 

السؤال السابع:

ما هو رأي الأستاذ نزار حيدر بالفيدرالية بالمفهوم السياسي؟ وبالمفهوم الشيعي العراقي؟. 

الجواب:

الفيدرالية، بالمعنى السياسي، هي النظام اللامركزي، وهي نقيض النظام المركزي الذي يحكم البلاد من المركز، من دون أن يعطي للأطراف أية سلطة حقيقية.

وان أول من طرح فكرة النظام الفيدرالي للعراق، هم الكرد بسبب ما عانوه من ظلم مركب على يد الأنظمة المركزية التي تعاقبت على الحكم في بغداد.

الأغلبية من العراقيين(وأقصد الشيعة) من جانبهم، درسوا المشروع فوجدوا فيه من الايجابيات ما يمكن أن يكون حلا لمشاكل العراق التي سببها الحقيقي، نوع النظام المركزي الحديدي الذي تحكم بواسطته أنظمة الحكم العراق، وبسببه دخل العراق في دوامة لعبة السرقات المسلحة(الانقلابات العسكرية).

فالنظام الفيدرالي يمكن أن يكون مشروع حكم ينقذ العراق من ظاهرة الأنظمة الشمولية الاستبدادية، كما أنه يمكن أن يكون صمام أمان يقف بوجه لعبة الانقلابات العسكرية.

وعلى الرغم من اختلاف الموقف الشيعي من نوع الفيدرالية، إلا أن الأغلبية تقريبا متفقة على أصل الموضوع، أي ضرورة تغيير نوع النظام السياسي في العراق الجديد من النظام المركزي الذي يسيطر على كل شئ، حتى في أقصى بلدة في أقصى الشمال أو الجنوب، إلى النظام اللامركزي الذي يمنح الأطراف فسحة كبيرة من الإدارة.

لقد كتبت عن الفيدرالية، مقالا مفصلا، أتمنى على من يريد أن يتوسع في الإطلاع على هذا الموضوع، وكجواب على هذا السؤال، أن يطالع هذا المقال، وهو بعنوان{العراق..الفيدرالي}.

السؤال الثامن:

كونك مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن، هل لك أن تعرفنا على أهداف هذا المركز؟ ومن هم القائمين عليه؟. 

الجواب:

مركز الإعلام العراقي في واشنطن، هو مؤسسة إعلامية طوعية وغير نفعية، وهي مؤسسة غير حكومية، ينشط فيها عدد من العراقيين الخبراء في مجال السياسة والإعلام والبحث والتحليل والتخطيط، وهي تسعى لتكون جسرا ينقل الصورة الحقيقية للعراق الجديد إلى الخارج، فيما تسعى، من جانب آخر، إلى نقل تصورات العالم عن العراق الجديد إلى العراقيين في الداخل، وخاصة المعنيين من مرجعيات وقادة سياسيين وزعماء أحزاب وقادة مؤسسات المجتمع المدني.

وبرأيي، فان المركز نجح لدرجة كبيرة في تحقيق هذه الأهداف، وان كانت دون مستوى الطموح، إذ لا زلنا نعتقد بأن المهام أكبر والمسؤوليات جسام، وأن أمامنا الكثير الكثير الذي يجب أن نعمله من أجل صالح العراق والعراقيين، وهم يسعون لبناء نظام سياسي جديد، قائم على أسس الحرية والكرامة والتعددية السياسية والشراكة الحقيقية بين مختلف مكونات المجتمع العراقي، وكذلك، قائم على أساس التداول السلمي للسلطة، من خلال التنافس عند عتبة صندوق الاقتراع، الذي يجب أن يكون المفصل دائما وأبدا.

السؤال التاسع: 

ما رأيك بإعادة تأهيل البعثيين للرجوع إلى ممارسة الحياة العامة في عراق ما بعد الطاغية؟.

الجواب:

إذا كان المقصود من الحياة العامة، هو الشأن السياسي العام، فأنا ضد فكرة إعادة تأهيلهم الآن، جملة وتفصيلا، فلقد أثبتت السنوات الثلاث الأخيرة التي تلت سقوط الصنم، بأن البعثي لا يمكن أن ينسلخ عن ماضيه بسهولة أبدا، ولذلك نرى أن البعثيين السابقين يحنون للعودة إلى الماضي، وأنهم يعبرون عن هذه الرغبة بكل الطرق والوسائل، المشروعة منها وغير المشروعة، فبالقتل والذبح والسيارات الملغومة والأحزمة الناسفة، يعبرون عن هذه الرغبة، كما أنهم يعبرون عنها، أحيانا، بالحديث المنمق تحت مسمى الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي وما إلى ذلك.

طبعا، من أجل أن ننصف البعثيين السابقين، علينا أن لا نطلق الصفة جزافا، فكلنا يعرف بأن أعداد كبيرة من العراقيين والعراقيات انخرطوا في صفوف حزب البعث المنحل لأسباب قاهرة، إما من أجل طلب لقمة العيش، أو من أجل اقتناص فرصة دراسية أو شغل وظيفة معينة، أو ما أشبه، فكلنا يعرف بأن شرط الحياة في ظل نظام الطاغية الذليل صدام حسين كان الانتماء إلى حزب البعث الحاكم، الذي أمسك بتلابيب الحياة، وفرصها بالمطلق.

ولكننا عندما نتحدث عن البعثيين الذين نرفض تأهيلهم للحياة العامة(الشأن السياسي العام) هم اؤلئك المسؤولين والقادة في الحزب المنحل، إلى جانب البعثيين الذين يرفضون التخلي عن انتمائهم الحزبي، صغيرا كان أو كبيرا، أما المجرمين منهم، فبينهم وبيننا القضاء العادل الذي يجب أن ينزل بحقهم أقسى عقوبة، جراء ما اقترفته أياديهم الآثمة بحق العراقيين.

نقطة مهمة يجب أن لا نغفل عنها، وهي، أن كل بعثي يحال بينه وبين العودة إلى الحياة العامة، يجب أن يصرف له راتب تقاعدي يحفظ كرامة أهله وأبناءه، إذ لا يجوز أن يؤخذ الأبناء بجريرة وذنب الآباء أبدا، فليس ذلك من الإنصاف الذي أمرنا به في شئ، ولقد قال رسول الله (ص){من لا إنصاف له، لا دين له} ولذلك يجب أن نتعامل مع هؤلاء بكامل الإنصاف، فلا يجوز أن يحرم أبناءهم وعوائلهم(البريئة) من أية فرصة، تعليمية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية.

إن علينا أن نقدم نموذجا جديدا في التعامل مع الآخرين، بغض النظر عن ماضيهم، وإذا كان الإنصاف والحق يقضي بحرمانهم من التأهيل في الحياة العامة، فهذا لا يعني أن نتعسف، فنحرمهم من حق الحياة، أو نحرم أبناءهم منها، أبدا.

السؤال العاشر:

هل أن المعارضة العراقية، سابقا، وبعد توليها لزمام السلطة في العراق، طبقت شعاراتها ووعودها التي كانت تقطعها على نفسها في ذلك الزمن؟. 

الجواب:

حتى الآن، فان من الصعب أن نحكم عليها بشئ، لأن ظروف العراق لا زالت غير مستقرة، وأن المعارضة(سابقا) ليست وحدها التي تحكم في العراق، لنحكم ما إذا كانت قد وفت بوعودها والتزمت بتطبيق شعاراتها التي رفعتها أيام النضال السلبي أم لا؟ ففي الواقع العراقي اليوم أكثر من طرف يؤثر على سير العملية السياسية، فهناك القوات متعددة الجنسيات، كما أن هناك التداخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب الأثر الذي تتركه جماعات العنف والإرهاب على الواقع العراقي.

انه واقع متشابك، لا يسمح لنا أن نحكم على أي طرف (معارض في السابق) بإنصاف، وعلينا أن ننتظر بعض الوقت لنتمكن من تقييم المسارات، وتحديد المسافة بين الشعار والواقع.

ولكن بالمجمل، فأنا أعتقد بأن جل الأطراف تسعى بجد وإخلاص إلى أن تكون صادقة مع نفسها ومع الشعارات التي كانت ترفعها، ووفية للأهداف التي كانت تدعو لها وتتبناها، من دون أن يعني ذلك أن السلطة وإغراءاتها، لم تترك أثرها وبصماتها على جوانب من مساراتها وممارساتها.

الذي نأمله، هو أن يقترب الجميع، يوما بعد آخر، من واقعه الذي يجب أن يتشبع بواقع المواطن العراقي الذي ضحى بكل شئ من أجل هذا اليوم الخال من الطاغية ونظامه، وبالتالي فان المواطن هو ولي نعمة السلطة ورجالاتها، ولذلك يجب أن يكون الجميع أوفياء له، من خلال السهر على مصالحه وطموحاته المشروعة، لتحقيق حريته وكرامته، في حياة سعيدة وآمنة. 

السؤال الحادي عشر:

بعد أن عشت معارضا أكثر سني عمرك، ما رأيك بالمعارضة الحالية للحكومة العراقية الجديدة بعد سقوط الطاغية؟. 

الجواب:

حتى الآن لم أجد، شخصيا، معارضة بالمعنى الحقيقي والواقعي للكلمة، فالذي أراه هو مجموعات من العنف والإرهاب، وزمر من القتلة واللصوص.

أنا أفهم المعارضة، على أنها قيم ومبادئ وأهداف نبيلة ووسائل مشروعة وقيادة واضحة، وان كل ذلك لم نجده في كل ما نراه اليوم في العراق.

فالذين يتلفعون بشعارات المقاومة والجهاد ضد المحتل، ليسوا سوى قتلة ومجرمين، عنصريين وطائفيين في أغلب الأحيان، فأية مقاومة هذه التي تقتل المواطن البرئ لثنيه عن الوصول إلى صندوق الاقتراع للإدلاء بصوته والمشاركة في العملية السياسية؟.

يقولون إن كل خطوة سياسية في ظل الاحتلال باطلة، وان كل ما بني على باطل فهو باطل، ولكن، لماذا تسري هذه القاعدة في العراق فقط دون غيره من البلدان التي تتشابه ظروفها معه؟.

لماذا يعترف الجميع بنتائج الانتخابات الفلسطينية التي تجري في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ويصفق لها حتى السلفيون المتشددون، أو على الأقل يسكتوا عنها ويدعوا الفائرين يفكرون بكامل حريتهم، وهي التي أفرزت، مؤخرا، فوز (الإسلاميين الراديكاليين){أعداء الشيطان الأكبر سابقا، وصديقه المستقبلي، والعراب الجديد للتطبيع مع إسرائيل، والمسوق(الشرعي) للمشروع الصهيوني في العالم العربي والإسلامي، من خلال توظيف(تاريخ المقاومة) و(الشرعية الدينية)}؟ أو يقبلون ولا يعترضون على نتائج الانتخابات الأفغانية التي تجري في ظل الاحتلال الاميركي؟.

ألا يعني ذلك، أن هؤلاء القتلة يتعاملون بطائفية مقيتة مع الأحداث في العراق، لشعورهم بتنامي دور الأغلبية (الشيعة) وأكبر الأقليات(الكرد) في الحياة السياسية الجديدة؟. 

السؤال الثاني عشر:

كيف تفسر الموقف العربي من قضية العراق، قبل سقوط الصنم وبعده؟.

وهل تتوجس خيفة من دخول الجامعة العربية الأخير على خط العملية السياسية في العراق؟ أم أن ذلك من مصلحة العراقيين؟.

الجواب:

كان الموقف العربي من قضية العراق، ولا يزال، ينطلق من مستويين كلاهما خطأ؛ الأول؛ هو المستوى القومي العنصري، وهذا بالتأكيد لا ينفع مع حالة كالعراق، الذي يتشكل من شرائح اجتماعية متنوعة، ومن اثنيات متعددة، ولذلك ظلم الموقف العربي، الكرد والتركمان والآشوريين وبقية الاثنيات، لدرجة كبيرة.

الثاني؛ هو المستوى الطائفي، الذي لا ينفع، هو الآخر، في حالة كالعراق الذي يشكل الشيعة الأغلبية، ولذلك ظلم الموقف العربي شيعة العراق كثيرا، وهو الذي لا زال، للأسف الشديد، يصر على أن يتعامل بطائفية مع قضية العراق من دون أن يتعلم من تجربته المرة.

أخشى أن يستمر الموقف العربي في خطئه، وعندها فسوف يفشل في التعامل الايجابي مع العراقيين، ما يزيد الهوة عمقا واتساعا بينه وبينهم.

إن على الموقف العربي، أن يعيد النظر بطريقة تعامله مع قضية العراق، فيكون أكثر ايجابية مع العملية السياسية وأكثر انفتاحا على نتائج الانتخابات الأخيرة، وعليه أن يتعامل مع الأمر الواقع الذي أفرزه صندوق الاقتراع مؤخرا.

عليه أن لا يظل أسير الماضي، كما أن عليه أن لا يحبس نفسه في شرنقة العقدة من الأغلبية، من أجل أن ينفتح عليها ويتعامل معها كواقع اجتماعي حقيقي لا يمكن التغافل عنه أو تجاوزه، أبدا.

وأنا شخصيا، لا أخشى كثيرا من الموقف العربي إزاء الواقع العراقي الجديد، بعد أن تحول هذا الواقع إلى قوة تستعصي على الهضم أو الكسر أو الالتفاف عليها.

لست خائفا من الموقف العربي على قضية العراق، والذي لا زال سيئا، وبالرغم من كل الضغوط التي يمارسها لثني العراقيين من التمتع بالاستحقاقات الانتخابية، لأنني أثق بمن تصدى للعملية السياسية، وفاز بثقة العراقيين في الانتخابات الأخيرة.

كما أنني أثق كثيرا بالعراقيين الذين صمموا على أن يعضوا على النواجذ، ليحولوا دون نزو اللصوص على حقوقهم أو سرقة تضحياتهم.

إن على الموقف العربي أن يتأكد بأن زمن الطاغية قد ولى من غير رجعة، كما أن عهد نظام الأقلية قد ذهب مع الريح، ومن غير الممكن أن يعود يحكم العراق مرة أخرى، ولذلك عليه أن يبني مواقفه من قضية العراق على هذه الحقائق، حتى لا يعيش الخيال فيكرر أخطاءه يوما بعد آخر، وله في تجربته مع اجتماع القاهرة، الذي فشل في نهاية المطاف بسبب خطأ في الحسابات، تجربة وعبرة.

لقد بذل الموقف العربي في اجتماع القاهرة جهودا(جبارة) من أجل إعادة تأهيل البعثيين والقتلة والإرهابيين والطائفيين، ولقد كاد أن ينجح في تحقيق غايته هذه، لولا الموقف العراقي الصارم الذي أفشل الجهد العربي المشبوه، وحال دون نجاح المساعي التي بذلتها الجامعة العربية، وشخص الأمين العام، المعروفة بحنينها إلى نظام الطاغية الذليل، لكثرة ما كانت تستفيد منه(سياسيا وإعلاميا وماديا) إلى جانب ما بذلته عدد من الأنظمة الطائفية، منها أنظمة مصر والأردن والسعودية.

السؤال الثالث عشر: 

ما هي وصيتك للشباب الرسالي في البحرين؟ وكيف يمكننا الاستفادة من مرحلة الشباب؟.

الجواب:

مرحلة الشباب، هي المرحلة الفاصلة بين اللعب والجد، بين الطفولة غير المسؤولة والرجولة المسؤولة عن كل شئ، إنها الفترة الزمنية التي تتبلور فيها شخصية الإنسان، ويصنع الرجل بها كيانه، بعد أن يكون قد قضى عهد الطفولة البريئة.

من هنا، فان من الواجب على الشباب في البحرين، أن يستغل هذه المرحلة من أجل؛ أولا؛ بناء الذات القوية الواعية القادرة على استيعاب تحديات الزمن، والتفكير السليم وتحمل المسؤوليات.

ثانيا؛ المطالعة المركزة، لبناء الشخصية المثقفة، العارفة بزمانها، التي لا تتأثر بالوارد من الأفكار الغريبة والثقافات المستوردة المشبوهة، فتميل مع كل ريح، وبالتالي، لبناء الشخصية التي لا تهجم عليها اللوابس، كما يصفها قول المعصوم{العارف بزمانه، لا تهجم عليه اللوابس}.

إن من المهم جدا، أن يستغل الشباب هذه الفرصة من العمر في المطالعة المفيدة وعلى مختلف الأصعدة {السياسية والإعلامية والإدارية والاقتصادية والتاريخية والاجتماعية، وقبل كل ذلك الثقافة الدينية} بالإضافة إلى قراءة تجارب الآخرين ومذكرات القادة والساسة والعظماء، ففيها من التجارب الإنسانية الثرة، ما يغني الإنسان على صعيد التجربة، وفي الحديث الشريف{السعيد من اتعض بتجارب غيره} وليتذكر الشباب دائما وصية المعصوم عليه السلام{اغتنم خمسا قبل خمس…وشبابك قبل هرمك} فإذا كبر الإنسان، ندم على ما فرط في أيام شبابه، ولكن{ولات حين مندم} إذ هل يمكن إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، لنعيد الكرة بطريقة أفضل؟ هيهات ذلك.

ثالثا؛ طلب العلم والحصول على أعلى الشهادات الجامعية العلمية والتخصصية، فالبلدان لا تبنيها الشعارات أو الناس الجهلة والأميون، وإنما تبنيها الكفاءات والتخصصات العلمية والعلماء الحاذقون.

رابعا؛ المشاركة الدائمة في الشأن العام، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ليكون للشباب دور مباشر في بناء الوطن، وليساهموا في حل مشاكله، ومواجهة التحديات الكبيرة التي تعترض طريقه، خاصة تحديات البطالة والفساد الاجتماعي، وتحدي الجنس والمخدرات وغيرها.

خامسا؛ دراسة فنون الإدارة، ليتعلم الشباب منذ نعومة أظفارهم، كيف يديرون حياتهم بشكل متوازن، لا يأخذ أي جانب منها من حصة الجانب الآخر، في الاهتمام، فإذا نجح الشاب في إدارة حياته الخاصة فانه سينجح في إدارة عائلته ومحيطه، وبالتالي مجتمعه وبلده. إن التوازن في إدارة الحياة أمر مهم جدا، يجب أن يتعلم الشباب فنونه، خاصة في هذه المرحلة من العمر، ليتعودوا على نظم حياتهم، والنظام في ممارساتهم وأعمالهم وبرامجهم اليومية، وبذلك فإنهم سوف يكسبون الزمن ولا يفرطون بالطاقات، التي تهدر عادة، إلى جانب الزمن، بسبب الفوضى في الحياة وعدم انتظام أمور الإنسان.

لقد أوصانا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بذلك في وصيته بقوله{ونظم أمركم} والذي يبدأ بالحياة الشخصية للإنسان فصاعدا، فبالنظام لا يفرط الإنسان بوقته ولا يهدر طاقاته، ولذلك نرى، مثلا، أن المرء الذي ينظم وقته ينتج أكثر ويكسب وقتا إضافيا، أما المهمل الذي يمر عليه اليوم بالفوضى العارمة، فتراه يقطع الوقت ويهدر الزمن، من دون أن ينتج شيئا أو ينجز أمرا.

أسأل الله تعالى التوفيق والسداد للجميع، فهو حسبنا ونعم الوكيل.

الأول من آذار2006