تسديد ثمن الاستعمار الايطالي لليبيا في مسرحية هزلية

فرانسوا سودان

 

 

 

خمسة بلايين دولار وتمثال فينوس من غير رأس هما ثمن 32 عاماً من القمع والاحتلال الايطاليين: هذا ما سددته ايطاليا لليبيا لقاء ما صنعه الايطاليون بالمستعمرة السابقة. وهذا ضرب من الجنون وتفاهة معاً، وتاريخي ووضئيل. وهو خدمة بائسة تسدى الى ضحايا زمن التعاسة الاستعماري وليس المقصود بالتنديد الاعتذارات التي تقدم بها سيلفيو برلوسكوني الى معمر القذافي ففي أثناء عقد من الزمن، من 1922 الى شنق عمر المختار، شيخ الطريقة السنوسية، على الملأ، عصف العنف الفاشيستي بليبيا وكان بينيتو موسوليني يحلم بضم ليبيا الى ايطاليا، على نحو ما صنعت فرنسا بالجزائر وتولى الجنرالان الايطاليان، ديبونو وغراتسياني، قرينا الجنرال الفرنسي بوجو في الجزائر، ترويع الأهالي, فأعدموا أعداداً غفيرة، ورموا الناس بالرصاص وظهورهم الى الجنود الايطاليين، وملأوا المعتقلات بالمعتقلين، وصادروا الممتلكات فقتل نحو مئة ألف ليبي، هم سبع السكان يومها تقريباً وعلى هذا، فإعلان الندامة باسم الدولة الايطالية واجب لا ينكر. ومبدأ التعويض المالي وجهاً من وجوه طي صفحة الماضي الثقيل، مقبول وسبق اقراره في أحوال أخرى تشبه العلاقة الايطالية - الليبية وفي ثمانينات القرن العشرين، منحت اليابان الصين أو أقرضتها ما يساوي 30 بليون دولار تعويضاً عن اجتياح وتدمير مدنها الكبيرة وقتل مئات الآلاف من المدنيين بين 1930 و 1945.

وسددت ألمانيا، على ما هو معروف، منذ نهاية الحرب الثانية، 20 بليون دولار تعويضات متفرقة الى دولة اسرائيل، والى ضحايا المحرقة أو أسرهم. وفي ضوء السوابق، يفضح اتفاق الرئيس الايطالي و «القائد» الليبي الصمت الفرنسي المطبق ففرنسا هي البلد الوحيد الذي تجرؤ سلطاته الرسمية على الاشادة بما تسميه «وجوهاً ايجابية» للاستعمار ولا ريب في أن السلطات الفرنسية تخشى الأخذ بالسابقة الايطالية، وحملها على اجتهاد يؤخذ به فحروب الاحتلال، وقمع حروب الاستقلال في الجزائر والمغرب وتونس والكاميرون ومدغشقر والهند الصينية، خلفت من المآسي والدماء والآلام ما يبدو الاستعمار الايطالي قياساً عليها هامشاً صغيراً وعابراً واذا أعمل المعيار البيرلوسكوني في احتساب الخسائر والتعويضات فالأرجح ألا تقتصر الفاتورة الفرنسية على 5 بلايين دولار، وأن تبلغ 50 بليوناً أو أكثر وليس لنيكولا ساركوزي ومستشاره وكاتب خطبه هنري غوينو (وهو كاتب خطبة دكار في «الانسان الافريقي»، أن يقلقا، فلن يكون ثمة اجتهاد إيطالي فالاتفاق الإيطالي - الليبي يقتصر على حيلة طبخها رئيس الوزراء الذي ما أن يصافحك حتى يحدوك ذلك على التأكد من سلامة أصابعك العشر، والقائد الهاجس أبداً بوقع أفعاله الإعلامي ولا يعلم أحد ما يحصل حقيقة بين سداد الأقساط وبين الاستثمارات في غضون الـ 25 سنة التي يستغرقها الوفاء بالعهود ولم يغفل بيرلسكوني القول ان من مترتبات «الصفقة» حصول إيطاليا على كمية أكبر من النفط، وعلى غاز من نوعية أفضل، والحؤول دون انطلاق المهاجرين من الساحل الليبي.

وهذا الضرب من التعويض تنتفع منه إيطاليا فوق ما تنتفع ليبيا. وهو يستحق قطعاً ان يعلن بيرلوسكوني، والفاجعة على وجهه، «ألم الشعب الايطالي جراء حوادث الماضي» والشطر القليل من الاستثمارات الايطالية الذي قد يكون بمنزلة هبة إنما يعطي على أسوأ الوجوه، المساعدة أو الريع، وهما ما اعتاده الليبيون للأسف، ولا يغير حالهم والشعوب التي رزحت تحت الاستعمار، وسامها العنف والمصادرة، تحتاج فعلاً الى العدالة، والى الاستثمار والتنمية والانتاج، والى الإقرار بتاريخها وكرامتها. ولكن المساعدة الريعية وغير المنتجة مدمرة. وقبل يومين من استقباله سيلفيو بيرلسكوني، توج معمر القذافي «ملك ملوك» القارة وتوجّه رؤساء وشيوخ تقليديون جمعوا من جهات أفريقيا الأربع، وحملوا الى العاصمة الليبية وبعد يومين، أعلن الرجل في خطبة شبه هاذية تصفية الادارة الليبية، وعودة الرأسمالية، وتوزيع عوائد النفط ولا يوال «القائد»، المترجح بين نشوة الهوية و «روسوية» - رخيصة وسلطان واحد كلياني ومتقلب، يدوخ من يتظاهرون باتباعه، لأنهم يحتسبون من تظاهرهم مصلحة. والامر الثابت الوحيد في المسرحية الايطالية الهازلة على شاطئ سرت هو ان فينوس الممشوقة القوام عادت الى الشاطئ الذي خسرت رأسها عليه.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: عن «جون أفريك» الافريقية الفرنسية - daralhayat.com