في العراق : مليون معاق..من ينصفهم ؟

 

رضا الظاهــــر

 

 

الملايين الذين أودت بحياتهم حروب الطاغية الخارجية والداخلية، وممن ضمتهم المقابر الجماعية، وحصدتهم الأسلحة الكيمياوية، وماتوا تحت التعذيب في أقبية الموت السرية، والملايين سواهم من الضحايا، لم يشبعوا نهم الدكتاتور الذي كان لا يغفو إلا على رائحة الدم. وكان لابد، إذن، من ضحايا آخرين، فكان المعاقون، وقد أضيف إليهم نمط جديد، "صدّامي الابتكار"، ضم أولئك الذين بُترت أياديهم أو قُطعت ألسنتهم أو آذانهم، حيث كان "القائد الضرورة" وجلاوزته يتسلون بتشويه البشر وكان هؤلاء المعاقون وعوائلهم يتطلعون، إثر سقوط الدكتاتورية، الى من ينصفهم في العراق "الجديد". غير أن هذه المعضلة الاجتماعية والانسانية المزمنة تفاقمت. فحرب "التحرير" وما أدت إليه من انفلات في الارهاب والعنف، أضافت المزيد الى هذه المعضلة، حيث زاد عدد المعاقين بأكثر من 30 في المائة ومما يلفت الانتباه أنه ليست هناك إحصائيات دقيقة لعدد المعاقين. وتعود أسباب ذلك الى افتقار مجتمعنا الى ثقافة الاحصاء، وضعف اهتمام الجهات المعنية بذلك، فضلاً عن عزلة المعاقين وانكفائهم. غير أن تقارير الأمم المتحدة تشير الى وجود أكثر من مليون معاق جسدياً، هذا باستثناء عدد غير معروف من المعاقين نفسياً ومما يزيد الأمر تعقيداً أن هناك ما يقرب من أربعة آلاف حقل للألغام في مناطق مختلفة من البلاد تحتوي على ما يقرب من 25 مليون لغم غير منفجر، مما يعني أن في العراق 25 في المائة من الألغام غير المنفجرة في العالم. وجعل إسقاط ما لا يقل عن 55 مليون قنبلة عنقودية في الحربين الأخيرتين العراق من أكثر البلدان تلوثاً بهذه المخلفات في العالم.

أما معاناة المعاقين فمروعة حقاً. فقد اضطر ألوف منهم الى اتخاذ التسول مهنة بسبب العوز، وإهمال الدولة والمؤسسات التي كانوا يعملون فيها، وافتقارهم الى الرعاية الأسرية، ناهيكم عن عدم وجود جمعيات خاصة تتمتع بامكانيات مادية وبشرية كافية لرعايتهم. وهؤلاء المعاقون، الذين نجد كثيراً منهم عند إشارات المرور وفي الأماكن المزدحمة، يفتقرون الى أبسط الحقوق، حيث لا تتوفر الكراسي المطلوبة لمن فقدوا أطرافهم السفلى، وراح مشهدهم، وهم يتحركون على الأرض زحفاً وبأزياء بالية، يرسم خطوط المآسي ويواجه المعاقون، الذين يعاني كثير منهم اضطرابات نفسية، التهميش والازدراء والتمييز، والنظرة الدونية من المجتمع والدولة، فضلاً عن أشكال مختلفة من الاستغلال، بينها استغلال بعض عوائلهم التي تستخدمهم في التسول. ناهيكم عن غياب القوانين التي تساهم في حماية حقوقهم وتسهم في دمجهم في المجتمع وتشير تقارير الى أن عدد المعاقين من النساء والأطفال يصل الى 40 في المائة.

وتواجه النساء المعاقات معاناة مضاعفة. فهؤلاء النساء المعزولات محرومات من فرص التعليم والعمل، والحق في الرعاية الصحية والتنقل، وإعادة التأهيل والمشاركة في الحياة الاجتماعية ومن بين الحقائق التي تبعث على الاحباط أن ترغَم مؤسسات دولية معنية بالقضايا الانسانية والرعاية الصحية على مغادرة العراق لأسباب أمنية. فقد اضطرت منظمة "أطباء بلا حدود"، على سبيل المثال، الى ترك العراق عام 2004 ومما يزيد الأمر إحباطاً اضطرار ألوف من الأطباء العراقيين الى الرحيل عن بلدهم جراء أعمال القتل والعنف والتهديد والابتزاز، وهو ما أسهم في تفاقم تدهور الوضع الصحي في البلاد ومما يبعث على الأسى والسخط أن تكشف تقارير عن أن بعض المنظمات المهتمة بشؤون المعاقين راحت تتاجر بمعاناتهم. ويتحدث معنيون عن وجود فساد إداري، مشيرين الى أن منظمات دولية رصدت أموالاً لمشاريع تأهيل ورعاية المعاقين، ولا يُعرَف، في ظل غياب الشفافية، كيف جرى التعامل بها.

إن أمام الجهات المعنية وضع سياسة وخطط واقعية، وتحديد آلية فاعلة واتخاذ إجراءات عملية في مجال معالجة أوضاع المعاقين وضمان حقوقهم بقانون ينص على مسؤولية الحكومة والجهات المعنية تجاههم ويحدد حقوقهم وسبل تحقيقها، على نحو يتوافق مع المعاهدات الدولية لحماية حقوق المعاقين ولعل من بين الاجراءات الملحة التي ينبغي على الجهات المعنية القيام بها الحد من سلوك التقليل من قيمة المعاق والتعامل معه بأساليب تعمق عزلته وتعوق اندماجه في المجتمع كشخص منتج. ويتطلب هذا، من بين أمور أخرى، السعي الى إشاعة ثقافة النظرة الانسانية تجاه المعاقين وسائر ذوي الاحتياجات الخاصة. كما يتطلب الأمر وضع خطة عاجلة لازالة الألغام، فضلاً عن معالجة البيئة الملوثة جراء استخدام الأسلحة، وبينها الكيمياوية والبيولوجية، ومخلفات الحروب الأخرى من غير المنطقي أن يزعم بـ "الديمقراطية" بلد زادت ميزانيته السنوية على 50 مليار دولار، وفيه مليون معاق وثلاثة ملايين أرملة وخمسة ملايين يتيم، وسط معاناة قل نظيرها، حيث تخيب الآمال أمام أنظارهم وتضيق آفاق الحلول.المعاقون، هؤلاء، معضلة أخرى من معضلات بلاد الرافدين التي ينشغل عنها أهل الحكم بقضايا "أعظم".. ولابد أن يسمع المعنيون نداء من ألقت بهم أهوال الحروب والاستبداد والعنف في دروب الآلام.. فهم ينتظرون من يمد إليهم يداً لانقاذهم وعوائلهم من المحنة..

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر:sautalomal.com