روسيا والغرب .. الحرب الباردة أم المهادنة ؟

 

جديون راتشمان

 

 

في أيار (مايو) هذا العام قام أحد المعاونين المقربين للرئيس ميخائيل ساكاشفيلي، رئيس جورجيا، بزيارة لي في لندن. كان يشتكي من الاستفزازات الروسية. قال إذا قامت الطائرات الحربية الروسية بانتهاك المجال الجوي الجورجي مرة أخرى، فإن الجورجيين سيطلقون عليها النار ويسقطونها. وأضاف أن الحكومة الجورجية أبلغت الولايات المتحدة بنواياها وحصلت منها على الموافقة على ذلك.

وقتها سجلت الحوار الذي دار معه في مدونتي على الإنترنت ("الحرب في جورجيا"، 16 أيار (مايو)) وكتبت: "أعتقد أن إسقاط طائرة حربية روسية سيكون أغبى تصرف يمكنهم القيام به. فهو يعطي روسيا المبرر الذي تريده على وجه التحديد لشن عمليات حربية ضد جورجيا"وبينما أنا استذكر ذلك الحوار الآن، لا أقصد أن أؤيد الاتهام الذي أطلقه فلاديمير بوتين، رئيس الوزراء الروسي، بأن الحرب في جورجيا إنما هي استفزاز تقف وراءه الولايات المتحدة ومن يدري ما هي المحادثات التي جرت بين تبليسي وواشنطن وموسكو في الأشهر الثلاثة التي تلت ذلك، قبل دخول الجورجيين في الجيب الانفصالي؛ أوسيتيا الجنوبية؟ فلا يوجد شك كبير في أن الروس كانوا ينصبون شراكهم للجورجيين - وكانوا يستعدون للحرب على قدم وساق لكن الأمر الذي كان واضحاً هو أن جورجيا كانت تراهن رهاناً كبيراً على علاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة - وكان رهاناً خاسراً. تبليسي، العاصمة الجورجية، هي المدينة الوحيدة التي زرتها ووجدت فيها شارعا يحمل اسم الرئيس جورج بوش (رغم أنه قيل لي إن هناك شارعا آخر في ألبانيا). ومع ذلك - عندما اندلع القتال - كان شارع جورج بوش شارعاً لم يؤد إلى أي جهة.

زيارة ديك شيني، نائب الرئيس الأمريكي، في الأسبوع الماضي كانت تعويضاً ضئيلاً لجورجيا عن الدمار الذي أحدثه الجيش الروسي، فضلا عن فقدانها لكل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية على المدى البعيد، واستمرار وجود القوات الروسية في بقية أنحاء جورجيا.السياسة الغربية تجاه كل من جورجيا وروسيا الآن تعاني من التخبط والمهمة تتمثل في إيجاد طريق وسط بين بديلين كلاهما غير جاذب: حرب باردة جديدة في جانب، أو التخلي عن دول مثل جورجيا وأوكرانيا لتصبح ضمن "منطقة النفوذ" الروسي، في جانب آخر.كل من الخيارين القبيحين يخضع لنقاش جاد. في الأسبوع الماضي كتب سير كريستوفر ميار - وهو دبلوماسي بريطاني سابق لدى واشنطن – في صحيفة "التايمز" مؤيداً تطبيق قوانين مؤتمر فيينا عام 1815 على أوروبا الحديثة، التي يجب أن "تقوم مرة أخرى على مناطق النفوذ" وحث الناتو على "وجوب التخلي عن الحماقات الاستفزازية المتمثلة في فتح المجال للجورجيين للانضمام إلى الحلف، أو الأسوأ من ذلك، انضمام الأوكرانيين إلى الحلف".

لكن هناك اعتراضات عملية وأخلاقية فيما يتعلق بالإقرار بـ "منطقة نفوذ" لروسيا. فإذ أفلتت روسيا من العقاب على غزوها جورجيا، فلماذا لا تحاول تكتيكاً مماثلاً في أنحاء أخرى من الاتحاد السوفياتي السابق؟ فهناك أقليات كبيرة بحاجة إلى "الحماية" في أوكرانيا ودول البلطيق وما هو مدى امتداد منطقة النفوذ التي تريدها روسيا؟ المجال السوفياتي السابق وصل إلى نصف الطريق في ألمانيا.

الولايات المتحدة وأوروبا يجب أن تشعرا بالتقزز أخلاقياً كونهما أدارتا ظهريهما لدول تتطلع إلى الغرب من أجل مستقبل أكثر إشراقاً من ذلك الذي قدمته لهم روسيا الحديثة إن منح - عضوية الناتو لأوكرانيا وجورجيا سياسة اتفق عليها الحزبان في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر - وأقرتها حملة الانتخابات الرئاسية لكل من جون ماكين وباراك أوباما. لكن محاولة حماية الجورجيين والأوكرانيين من احتضان غير مرغوب من قبل الأم التي أساءت إليهما، وهي روسيا، يجب ألا تشتمل على ضمانات عسكرية من هذا القبيل. عضوية الناتو تعني أن الأمريكيين والغربيين الأوروبيين ملتزمين بالحرب من أجل حماية جورجيا، أو أوكرانيا في حال وقوع هجوم روسي. لكن ذلك الالتزام يفتقر إلى الصدقية. ولهذا السبب من المشكوك فيه جداً أن يقر الكونجرس الأمريكي انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الناتو لذا، الغرب يحتاج إلى إيجاد سبل أخرى لحماية الحرية السياسية في الدول الجديدة التي تضع روسيا بصرها عليها. وعندما غزت القوات الروسية جورجيا احتجت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، وقالت إن الأمور تغيرت منذ غزا الاتحاد السوفياتي تشيكوسلوفاكيا عام 1968 وقد أصابت في ذلك. عام 1968 توغل الروس بدباباتهم في براغ. وهذه المرة امتنعوا عن إسقاط حكومة ساكاشفيلي بالقوة في جورجيا.

كان هدفهم بدلاً من ذلك إحداث تغيير في النظام بوسائل أخرى: تحطيم اقتصاد جورجيا وإذلال رئيسها. وهدف الغرب على المدى القصير ينبغي أن يكون حرمان الروس من جني ثمار هذا النصر، على الرغم من ضرورة عدم الخلط بين بقاء الديمقراطية الجورجية واستقلالها والبقاء السياسي لساكاشفيلي. المعونات الأمريكية الطارئة لجورجيا (التي بلغت قيمتها مليار دولار) تعتبر بداية جيدة. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يدلي بدلوه. وعليه أن يشجع على إمكانية انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي إن عدم حماس الحكومة الروسية لاحتلال تبليسي يظهر أن حوارا لا يزال مستمراً في موسكو حول مدى الازدراء الذي يمكن أن تتحمله البلاد من المجتمع الدولي. علماً أن ما قيمته نصف تريليون من قيمة سوق المال في موسكو إمَّحت عقب غزو جورجيا إن الأثرياء من النخبة المرتبطة بالكرملين يودون الإبقاء على الامتيازات التي يتمتعون بها من حسابات في سويسرا، ومنازل في لندن، ومستودعات في البلدان المجاورة وليس من الصعب جدا أن نشير إلى توافر فرصة لخيار يمكن عمله. فالتشديد على تأشيرات الدخول لرجال الأعمال الروس سيكون إشارة جيدة.إن الجدل حول السياسة الخارجية الروسية بدأ للتو في موسكو. وينبغي أن يكون هدف الغرب ليس فقط الحفاظ على الديمقراطية والاستقلال في جورجيا وأوكرانيا، وإنما المحافظة على الأمل بأن تدير روسيا أيضاً ظهرها للحكم الاستبدادي.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt.com