أميركا تؤكد ان لا عداوة دائمة لها لكن هل لها أصدقاء دائمون؟

 

عادل مالك

 

 

 

الذكرى السابعة للحادي عشر من أيلول (سبتمبر) مرت باهتة غلب عليها استمرار كابوس الخوف من تنامي الحركات الإرهابية والعودة الى المربع الأول الى «الأفغنة» مع قرار الرئيس جورج دبليو بوش بإرسال المزيد من القوات الأميركية الى أفغانستان من العراق وسط معلومات تتحدث عن استعادة «طالبان» والتوابع لمزيد من الحركية التدميرية واعادة استنفار الخلايا النائمة وفيما يستعد الرئيس بوش لمغادرة البيت الأبيض يطرح من جديد الوعد الذي قطعه على نفسه باعتقال أسامة بن لادن وإخضاعه للمحاكمة، ولم يكن هذا التعهد هو الوحيد الذي عرضه ولم يتمكن من الوفاء بوعده خلال فترة الولايتين وهو يتصرف وكأنه باقٍ في البيت الأبيض لولاية ثالثة مستحيلة. وهكذا تفعل وزيرة خارجيته الآنسة كوندوليزا رايس والتي أصابت الكثير بالخيبة من مواقعها وسياستها ، كما بحث في ما يتصل بقلة الخبرة في منطقة الشرق الأوسط وآخر إنجازات الإدارة الأميرية الحالية قيام رايس بزيارات الى دول المغرب العربي، وكانت محطتها الأولى ليبيا واللقاء التاريخي مع العقيد معمر القذافي وهي التي افتتحت زيارتها بالقول «لم أتوقع في حياتي أن أقوم بهذه الزيارة»، بعد خمسة وخمسين عاماً من القطيعة حيث قام ناظر الخارجية الأميركية في حين ون فوستر دالاس. وبدا العقيد القذافي وكأنه آتٍ من كوكباً آخر، فاستبدل هندامه المعروف بآخر أبيض اللون ومرتدياً الوشاح الأفريقي وهو حرص على استقبال رايس والوفد المرافق بوضع يده على صدره وأصر على أن يكون اللقاء في المبنى الذي قصفته الطائرات الأميركية العام 1986، وسارع الى مخاطبة الوزيرة باسم الدلع «ليزا» التي تزامن موعد زيارتها خلال شهر رمضان المبارك فشاركت في بعض طقوسه حيث تناولنا أكثر من مرة الإفطار والسحور في أكثر في بلد مغاربي. وحاولت رايس تبرير قيامها بزيارة ليبيا بالقول: «هل رأيتم أن أميركا لا عداوة دائمة لها»!

والرد الطبيعي على هذا الطرح يمكن أن يكون بالتساؤل التالي: إذا كانت الولايات المتحدة تعتقد أن لا عداوة دائمة لها مع أحد فهل لها أصدقاء دائمين؟ وفي حفل الإفطار الذي أقامته الوزيرة رايس في مقر وزارة الخارجية في واشنطن وكانت تودع المدعوين بعبارة «رمضان مبارك» بالعربية لقد تأخرت الآنسة رايس في التقرب من العرب، وهي المغادرة بعد ثلاثة شهور، هذا ما ينطبق على السياسة الأميركية المتخبطة طوال فترة حكم الرئيس جورج بوش والتي اتصفها موقفها بالانحياز الواضح للمواقف الإسرائيلية. وفي ما يتعلق بالوعد الذي قطعه أيضاً على نفسه في أن دولة فلسطينية ستقوم قبل نهاية العام الحالي ورحيله عن البيت الأبيض فلا يبدو أن هذا الأمر بات ممكناً، وبدل قيام دولة فلسطينية جنباً الى جنب مع «جولة يهودية» كما يصر الرئيس بوش على التسمية ستقوم دولتان فلسطينيتان: «دولة حماس» ودولة «عباس».

هذا على الجبهة الفلسطينية، أما على الجبهة العراقية فبدا إعلان الرئيس الأميركي عن خفض عديد القوات الأميركية في العراق خلال الثلاثة شهور المقبلة، موقفاً هزيلاً، وبدا وكأنه أعلن يتزامن مع الانتخابات الرئاسية التي تعيشها الولايات المتحدة بدرجة عالية فالمنافسة بين ممثل التغيير باراك أوباما الديموقراطي وجون ماكين الجمهوري، على أن عدد الجنود الذي سيتم سحبهم من العراق سيتم نقلهم الى أفغانستان وسط معلومات جدية عن استعادة «طالبان» لزخمها النضالي التدميري لتلتقي «العرقنة» مع الأفغنة في

علامات الإخفاق البارزة لـ «المدرسة البوشية» في التفكير، ولعل المطلوب في هذه الفترة العثور على اجابة منطقية وواقعية وبراغماتية للسؤال المحوري .من ينقذ أميركا من نفسها ومن أخطائها، والحد من الأضرار والخسائر لمن راهن على التوجهات الأميركية في المنطقة! وان كانت الولايات المتحدة بإمكانها استيعاب نتائج الممارسات الخاطئة لإدارتها، فمن يُنقذ الصغار من نزوات ونزعات وتخبط المصالح وتعارضها ممن اختاروا «اللعب» مع الكبار وفي نفس السياق يمكن الإشارة الى الكثير من الدراسات التي أعدتها مجموعة كبيرة من الباحثين والدارسين الأميركيين وهي تصب كلها تحت العنوان العريض التالي:

متى يحين سقوط الإمبراطورية الأميركية؟ ومن سيملأ الفراغ؟

وهنا تندرج المتابعة المطلوبة للفصل الجديد من فصول الحرب الباردة في طبعتها المنقحة والمزيدة للعام 2008، حيث نشهد الخلاف الأميركي - الروسي الناشئ عن أحداث جورجيا وتطورات حرب القوقاز. وتبدو صورة الموقف على الشكل التالي: يعمل الثنائي الروسي ميدفديف بوتن على استعادة مجد صانع «للإمبراطورية الروسية»، فيظهر الموقف أكثر فأكثر الى تحول الخلاف بين الشرق الروسي والغرب الأميركي والأوروبي من الحرب الكلامية الى سجال أكثر سخونة. ولأن الغرب لا يملك موقفاً واضحاً لحسم التطورات الحالية بين واشنطن وموسكو جراء تداعيات الأزمة الجورجية، فهو يلجأ الى التهديد بفرض عقوبات، مع تحريك لبعض القطع الحربية في المياه القريبة من البحر الأسود وإذا ما تم الربط بين مجموعة قرائن ومؤشرات لاتضح بأن المسرح الدولي مقبل على تطورات مهمة تخرج علاقات «العملاقين» من حالة الركود والاسترخاء التي شهدها في السنوات الأخيرة الى عودة الصراع على المصالح والنفوذ بين قوات أطلسية ماضية في التمدد الأفقي باتجاه بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، واستنفار الكثير من القطع البحرية الروسية ويسعى «عراب المرحلة» الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للعب دور وسطي بين حلفائه وأبرزهم الرئيس بوش، والجانب الروسي حيث تم الاتفاق المبني بينه وبين الرئيس الروسي ميدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين على إمكانية سحبه القوات الروسية أو بعضها من جورجياً تفادياً للمزيد من التصعيد. لن مساعي التهدئة تصطدم بإصرار روسي على الدفاع عن عقر الدار الروسي بوجه «اغراءات» الغرب لبعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، وفي هذا السياق ينتظر أن يعبر الموقف الروسي عن نفسه وعن نهجه في الفترة المقبلة مع استعادة أدوار له في بعض النزاعات الإقليمية القائمة حالياً، ويأتي في طليعة هذه القضايا أزمة الملف النووي الإيراني وجديد هذا الملف قول موسكو: «ان السلطات الروسية ستتخذ مجموعة من الخطوات من أجل تشغيل مفاعل بوشهر النووي في ايران، وان هذه الخطوات ستصل الى نقطة اللاعودة بحلول شهر شباب (فبراير) المقبل، وعندها، يضيف الناطق الروسي، «لن يكون بالإمكان وقف علبة تشغيل المفاعل».

ومثل هذه المواقف من شأنها أن تزيد مسألة التعاطي مع الملف النووي الإيراني المزيد من التعقيد، ووضع ادارة الرئيس جورج بوش في حالة من الإرباك في غمرة خوض الانتخابات الرئاسية من جهة، والبلبلة السياسية القائمة في اسرائيل. وهناك الإخفاق الكبير في حرب تموز (يوليو) 2006 وملفات الفساد والرشوة وبالنظر الى الموقف المتصلب الأميركي القائل بعدم السماح لإيران بأي ثمن أن يتطور برنامجها النووي واصرار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على تحدي العالم بأسره والمضي في «المشروع النووي» واضعاً أميركا والغرب أمام التحدي الكبير، إما تكون المواجهة العسكرية مع ما تحمله من تداعيات بالغة الخطورة على المنطقة بكاملها، وإما الرضوخ والهروب من مضاعفات الملف البالغ التعقيد.

وفي سجال الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن دخل أو أُدخل «حزب الله» في السياق، إذ رد المسؤولون الروس على نائب الرئيس ديك تشيني واتهام روسيا بانتهاك الديموقراطية وتعريضها لمستقبل السلام والحرية بتصديرها الأسلحة الى كل من سورية وايران، قال رئيس الوزراء فلاديمير بوتين ان بلاده لا ترى ما يدعو الى الاعتذار لأحد إيماناً في موسكو بأنها على حق ومحذراً في الوقت نفسه من مغبة فرض عقوبات على روسيا، ومؤكداً وجود كميات كبيرة من الأسلحة في أسواق العالم بما يعني «ان شراء الأسلحة أمر متاح لكل من شاء». وفي المحصلة النهائية يتضح ان مجموعة من التحركات والسياسات تشير بوضوح الى اعادة تظهير الثنائية الدولية بعد سقوط مبدأ القطبية الأحادية ويبقى على دول المنطقة الصغير منها والكبير تحديد المواقف من التطورات الدولية حتى لا تباغتها الأحداث كما جرت العادة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat.com