مقالات و محاضرات

 

 

مـهاجـمة ولفوفيتزفـي البنك الدولي...والحرب على الفساد المالي

 

سابستيان مالابي

 

نشر المصدر المذكور بعنوان : البنك الدولي... والحرب على الفساد المالي وفيمايلي نصه :

خلال التسعة أشهر الماضية من مباشرته لمنصبه الجديد بصفته رئيساً للبنك الدولي, لم يفلح وولفوفيتز في صنع مانشيتات الصحف والأخبار الرئيسية في مختلف وسائل الإعلام إلا نتيجة لردود الأفعال الساخطة الغاضبة التي أثارها لدى موظفيه. فعلى إثر توليه لرئاسة هذه المؤسسة, امتدت أيدي "المحافظين الجدد" لتمسك بتلابيبها وتفرض هيمنتها الكاملة عليها. وهكذا يمكن القول إنه تم اختطاف البنك الدولي كله, بواسطة أحد رجالات بوش وأفراد إدارته. وعلى رغم أن" جيمس وولفينسون" الرئيس السابق للبنك الدولي, لم يخف نواياه القائلة بإحداث انقلاب تام في المؤسسة برمتها, لدى تسلمه زمام إدارتها عام 1995, فإن تولي وولفوفيتز لها لم يثر ذاك القدر من الضجيج والصخب. ولكن بالطبع هناك سمعة وولفوفيتز وارتباط اسمه بكونه مهندساً للحرب الأميركية على العراق, وهي سمعة تصبغ بألوانها القبيحة الكالحة كل الأشياء كما نعلم.

وبين هذا وذاك, تخفي ردود الفعل الغاضبة لموظفي المؤسسة, جوانب أخرى مهمة فتطغى عليها تاركة إياها تحت سطح الانفعالات والغضب. ففي خلال الأشهر القليلة الماضية, برزت مؤشرات جيدة على بدء التفكير الجاد في ظاهرة الفساد المالي. أما اليوم فقد تراكم الكثير من الأدلة والشواهد الواضحة على هذا التفكير, مما جعل التغيير أمراً واجباً.

أول هذه المؤشرات أن البنك الدولي دأب عادة على تفادي أي حديث عن الفساد, على خلفية الاعتقاد بضرورة بقاء البنك بعيداً عن السياسة وخارج حلبتها. ولكن لم يكن ذلك الموقف إلا زيفاً ونفاقاً. فقد ظل البنك الدولي ولمدة ليست بالقصيرة, يصف ويفصل للمدينين الكيفية التي يهيكلون بها ميزانياتهم –وهذا من صميم العمل السياسي ولبه بالطبع- إلى جانب أنه من المستحيل أصلاً أن تتفادى مهمة البنك ودوره التطرق إلى الفساد. ثم بدأت الأمور تتخذ منحى آخر مع وصول وولفينسون إلى منصب الرئاسة, بكل ما أطلقه من لغة نارية مهد بها إلى دوره الجديد في إدارة المؤسسة. فكان أول ما فعله إثر وصوله, الدعوة لاستئصال ما أسماه بـ"سرطان الفساد" في عام 1996. ليس ذلك فحسب, بل شرع الخبير الاقتصادي الأول للبنك – جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد- بإلقاء محاضرات هاجم خلالها ضيق ومحدودية مفهوم التنمية الذي يتبناه البنك, مع الدعوة والتبشير في ذات الوقت بضرورة مركزية السياسات.

غير أن الكلام والخطابية شيء, والفعل شيء آخر مختلف جداً. ففي ظل رئاسة وولفينسون للمؤسسة, استطاع البنك الدولي تطوير "مؤشر للفساد" بالغ الدقة والتطور, هو الذي تستخدمه الحكومة الأميركية اليوم وتعول عليه في تحديدها للدول التي تستحق تلقي مساعدات مالية أكبر, اعتماداً على جودة ونزاهة واستقامة أدائها. كما عمد البنك الدولي إلى إنشاء وحدة خاصة برصد الفساد والانحرافات في تنفيذ المشروعات المصرفية. غير أن المشكلة هي أن تلك الوحدة لم تخصص لها الاعتمادات المالية اللازمة, ولا العدد الكافي من الموظفين, الأمر الذي قعد بأدائها ودورها. ثم إن البنك نفسه لم يأخذ كثيراً بحديث رئيسه وولفينسون عن "سرطان الفساد", وإلا لكان قد مضى فعلياً إلى تقليص قائمة المدينين الفاسدين على نحو منتظم وجدي. وبدلاً من ذلك, فما كفت التبريرات والمعاذير يوماً, بما يفتح الطريق دائماً أمام تواصل القروض والمساعدات. وهكذا يستمر الفساد, وتستمر القروض المقدمة للفاسدين من البنك الدولي!

والذي حدث بعد تسلم وولفوفيتز لزمام الأمور في المؤسسة هو الانقلاب المنشود بالفعل. فوفقاً للتقارير المعلنة وغير المعلنة عن جملة من القرارات الخشنة الحاسمة التي اتخذها, دشن وولفوفيتز حملة شعواء على "سرطان الفساد" الذي شخّصه سلفه السابق وولفينسون. ومن بين ما تناقلته التقارير, اتخاذ البنك الدولي قراراً بوقف مبلغ 800 مليون دولار عبارة عن قروض مقدمة لتمويل مشروعات صحية في الهند. ولا شك أن هذا مبلغ كبير جداً, إلى جانب حقيقة أن الهند نفسها تعد من أكبر عملاء البنك الدولي. كما تتسم الهند بتواتر اقتراضها من المؤسسة الدولية, وبجودة سجل أدائها المالي والاقتصادي, وبصرامة تعاملها مع من يتولون إدارة المشروعات التنموية فيها, في حال ممارستهم للفساد أو الانحراف. لكن ومع ذلك, فقد شاع أن للساسة الهنود يداً خفية تمتد إلى أموال المشروعات الصحية, مما دعا وولفوفيتز إلى حجز ذلك القرض والحيلولة دون وصوله إلى الحكومة الهندية.

وفي الوقت ذاته أقدم البنك على تجميد قروض مخصصة لتشاد, التي وعدت بإنفاق عائداتها النفطية على مشروعات الحد من معدلات الفقر بين مواطنيها. وعلى الرغم من أن تشاد تعد دولة إفريقية صغيرة, فإن القرض المخصص لها كان كبيراً, وكان القصد منه التصدي لـ "نقمة النفط" وإنفاق عائداته على المشروعات التنموية. ولكن تطلب الأمر قدراً من الشجاعة للإعلان عن أن "نقمة النفط" لا تزال تراوح مكانها. كما أقدم البنك على إلغاء 14 عقداً من عقود إنشاء الطرق مع بنجلاديش, بسبب مناقصات وصفها البنك بأنها فاسدة. وعلى أثر هذا الإجراء تم فصل اثنين من المسؤولين الحكوميين من منصبيهما, في حين يمضي وولفوفيتز للتخطيط لمنع الشركات الخاصة من إبرام أي عقود مستقبلية مع البنك الدولي. يشار ضمن ذلك إلى أن البنك جمد خمسة قروض مخصصة لكينيا بسبب الفساد أيضاً, على الرغم من أنه واصل تمويله لمشروع يهدف إلى تحسين كينيا لإدارتها المالية. كما شملت الإجراءات ذاتها, تجميد قرض مخصص لتمويل مشروع يهدف إلى تحسين أجور العاملين الفقراء في الأرجنتين, قيل إن جزءاً من أمواله استغلت في تمويل الحملة الانتخابية للحزب الحاكم في عام 2003. وهكذا تمضي الحرب على الفساد المالي بقيادة وولفوفيتز.

*كاتب أميركي متخصص في الشؤون الاقتصادية

وكل ذلك بحسب سابستيان مالابي في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -7-3-2006