موقع العرب في صراع القوقاز

 

 محمد السماك

 

 

تبدو مدينة "غوري" الجورجية بعد انسحاب القوات الروسية منها، أشبه بمدينة أشباح: دمار وخراب في كل مكان، وبقايا متاريس تخلّت عنها القوات الجورجية بعد أن مُنيت بهزيمة ساحقة. هذه المدينة هي مسقط رأس جوزيف ستالين أحد أبرز وأهم الشخصيات التي حكمت الاتحاد السوفييتي السابق. كان ستالين بالنسبة للروس أهم من بطرس الأول مؤسِّس روسيا الحديثة، وأهم من بسمارك بالنسبة للألمان. فقد وصلت حدود روسيا في عهده إلى أبعد مما وصلت إليه في عهد القياصرة الكبار. ويذكر الأميركيون أنه عندما احتلت قوات ستالين العاصمة الألمانية برلين في نهاية الحرب العالمية الثانية، أوفدت واشنطن الدبلوماسي المخضرم أفريل هاريمان إلى موسكو لتهنئته بهذا الإنجاز العظيم. فردّ ستالين على التهنئة بقوله: "ولكن الأسكندر الأول وصل إلى باريس"!

هذا الرئيس السوفييتي الذي تعتز به جورجيا باعتباره أحد أبنائها، والذي تعتز به روسيا باعتباره أحد كبار قادتها التاريخيين، يرتبط بعلاقة حميمة بطرفي الصراع الحالي: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي. فجدّ الرئيس بوتين كان الطبّاخ الخاص لستالين. وجدّ الرئيس سكاشفيلي (وكان من عائلة أرستقراطية)، وفّر لستالين مخبأً سرياً في بيته عندما كانت الشرطة القيصرية السرية تطارده قبل انتصار الثورة الشيوعية وعلى رغم هذه الظاهرة الستالينية المشتركة بين روسيا وجورجيا، فإن العلاقات بينهما كانت تتراوح بين الزواج القسري والقطيعة. ولعل أول زواج قسري بينهما كان في عام 1772 عندما عقدت الدولتان معاهدة حماية وتعاون مشترك. وحدث أن تورّطت جورجيا في حرب ضد فارس (إيران اليوم) ولكن، خلافاً لتوقعاتها، لم تبادر روسيا إلى نجدتها، ولم تقدم لها أي مساعدة تذكر. فدفعت جورجيا جراء تهوّرها في تلك الحرب ثمناً غالياً جداً، كما دفعته اليوم. وعلى رغم هذه المأساة فقد واجهت العلاقات بين الدولتين حالة مماثلة بعد عقد من الزمن. ففي عام 1783 كان على رأس روسيا الإمبراطورة كاترين الثانية التي اشتهرت بطموحاتها السياسية الكبيرة. وقد عقدت كاترين معاهدة عسكرية مع جورجيا. وبموجب تلك المعاهدة أرسلت روسيا قوات عسكرية إلى جورجيا، الأمر الذي اعتبره الشاه محمد خان محاولة لتغيير ميزان القوى. فانقضّ على جورجيا في محاولة منه لإعادة التوازن إلى المنطقة. وهذه المرة أيضاً لم تحصل جورجيا على الدعم العسكري. فروسيا التي كانت تتوسع شرقاً (باتجاه آسيا الوسطى) وغرباً (باتجاه أوروبا الشرقية) لم تكن في وارد تعريض إمكاناتها العسكرية للاستنزاف أمام عدو إضافي.

كان يفترض أن تشكل هذه الخلفية من خيبات الأمل الجورجية درساً للرئيس سكاشفيلي ليتصرف بأقصى درجات الحذر مع موسكو وهو ما لم يفعله. ثم إن وقائع العلاقات بينهما كانت تفرض المزيد من الحذر، ليس فقط لأن جورجيا قررت الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وهي المجال المطلّ الوحيد لروسيا على البحر الأسود، وبالتالي على المياه الدافئة، ولكن لأنها فوق ذلك، الممر البديل لنفط وغاز بحر قزوين المنافس للنفط والغاز الروسيين في الأسواق الأوروبية. ولكن يبدو أن ذلك كله لم يكن حاضراً في ذهن الرئيس سكاشفيلي عندما اتخذ قراره باقتحام إقليم أوسيتيا الجنوبية عسكرياً.

لعله تصوّر أن حلف شمال الأطلسي سيهبّ لنجدته إذا ما تحركت روسيا عسكرياً ضده. أو لعله كان يمنِّي النفس بأن روسيا لن تقدم على أي خطوة عسكرية ضده خوفاً من ردّ فعل الولايات المتحدة وبقية دول حلف الأطلسي. ولكن حسابات الرئيس سكاشفيلي كانت خاطئة. فلا روسيا أحجمت عن الرد على العمل العسكري المحدود بعمل عسكري واسع، ولا الولايات المتحدة -وتالياً حلف الأطلسي- بادرت إلى نجدة القوات الجورجية المدحورة. بل إن واشنطن حرصت على الإعلان رسمياً أنها نصحت الرئيس الجورجي بعدم التورط بأي عمل عسكري أو حتى بأي إجراء من شأنه أن يستفز الروس. وبدا من خلال هذا الإعلان الذي تردد أكثر من مرة على لسان المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية، وتحديداً على لسان السفير الأميركي في موسكو، وكأن واشنطن تريد أن تقول إنها فوجئت بالإجراء العسكري الجورجي، وأنها ليست مسؤولة عنه، وذلك لتبرير عدم نجدة الحليف الصغير إلا بالحد الأدنى من الكلام الدبلوماسي ومهما يكن من أمر الحسابات الثنائية بين روسيا وجورجيا، فإن الانفجار العسكري بينهما أدى إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات الروسية- الأطلسية. ولعل من المبالغة في تبسيط الأمور إطلاق وصف الحرب الباردة على هذه الصفحة وهو ما لا تريده موسكو، ولا تسعى إليه واشنطن. فالحرب الباردة ليست في مصلحة أي منهما، وهي بالتأكيد ليست في مصلحة النظام العالمي الجديد. غير أن هذا التوصيف له ما يبرره.

غير أنه كان واضحاً أن من أهم أهداف الردّ الروسي العسكري العنيف هو تحذير دول الجوار القريب من مخاطر انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي. ومن الواضح أيضاً أن من أهداف التضامن الأميركي- الأوروبي مع جورجيا تعطيل هذا الإنذار وإفراغه من محتوياته التهديدية. ومن أجل ذلك سرّعت الولايات المتحدة وبولندا التوقيع على اتفاق إقامة شبكة الصواريخ، ومن أجل ذلك أيضاً ناشدت أوكرانيا حلف الأطلسي الإسراع في إقرار قبول طلب انضمامها إلى الحلف. على أن الأمر لا يقتصر على منطقة القوقاز وحدها، بل يتعداها، ولقد تعداها بالفعل إلى الشرق الأوسط فالضغط الأميركي على إيران على خلفية برنامجها النووي تراجع وبسرعة على أمل من واشنطن بأن يساعد ذلك على تجنّب دفع إيران إلى الأحضان الروسية. وفي هذا الوقت بالذات تعمل روسيا على خطب ودّ إيران على خلفية التصدي لحملة الإدانات والعقوبات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ضدها. ويبدو أن الأمرين معاً تسبّبا في قيام وضع جديد تشعر معه إيران ربما أكثر من أي وقت مضى منذ بداية أزمة الملف النووي بأنها قادرة على تمرير تطلعاتها كقوة سياسية- عسكرية كبيرة في المنطقة، وخاصة في الخليج العربي أما الدول العربية فإنها لم تجد لنفسها موقعاً في مساحة التنافس الروسي- الغربي، ولعلها لم تبحث بعد عن هذا الموقع. صحيح أن التنافس الدولي الجديد لم يصل بعد إلى مرحلة الحرب الباردة، وأنه قد لا يصل إلى هذه المرحلة، ولكنه تنافس مرشح للتصاعد. ومن شأن هذا التطور أن يدفع كثيراً من الدول إلى وضع تضطر معه إما إلى الانحياز إلى أحد المعسكرين والمراهنة على ثمار هذا الانحياز، وإما إلى الانكفاء على ذاتها والمراهنة على ثمار اللاانحياز واحتمال التعرّض لإمكانية الانسحاق تحت عجلات الصراع. وفي الأساس لا تستطيع لا إيران ولا الدول العربية أن تنأى بنفسها عن هذا الصراع أياً كان الشكل الذي يتخذه، بارداً كان أم ساخناً، فالصراع يتعلق أساساً بالطاقة: النفط والغاز، وبخريطة الأنابيب التي تنقلهما من منطقة بحر قزوين إلى أوروبا. فالحرص الغربي على ضمان أمن وسلامة استمرار تدفق الطاقة كان أحد الأسباب وراء توسيع حلف شمال الأطلسي شرقاً ليشمل جورجيا (وأوكرانيا) باعتبارها ممراً لخط الأنابيب. فبدلاً من الاعتماد على خط الأنابيب الذي يمرّ عبر الأراضي الروسية مما يزيد من اعتماد الغرب على روسيا، كان التوجه إلى اعتماد الخط الذي يمرّ عبر جورجيا، الأمر الذي تطلّب بالضرورة العمل على فك ارتباط جورجيا بروسيا ووضعها تحت المظلة الأطلسية.

كذلك، فإن هذا التوجه كان السبب وراء تجنّب مدّ خط للأنابيب عبر إيران إلى الخليج العربي، مع أن تكلفة بنائه أقل. ولكن نظراً لعدم ثقة الغرب بالنظام السياسي في إيران، فضّل اعتماد الخط عبر جورجيا. الأمر الذي يعيد إلى الأذهان خلفية الصراعات الفارسية- الجيورجية ودور روسيا السلبي فيها. وهناك الآن خطان للأنابيب، الأول ينطلق من باكو -أذربيجان عبر الأراضي الروسية إلى ميناء نوفروسيك على البحر الأسود ومنه إلى أوروبا. أما الثاني فينطلق من باكو أيضاً عبر الأراضي الجورجية إلى سوبا على البحر الأسود، ويتفرع منه خط أساسي يمرّ عبر تركيا حتى مرفأ جيهان على البحر المتوسط.. ومنه إلى أوروبا. ومن هنا فإن الدول العربية، وخاصة دول مجلس التعاون معنية مباشرة بواقع التنافس الحاد بين روسيا والغرب أيّاً كان الشكل الذي قد يتخذه هذا التنافس في المستقبل. ولذلك فإن من الطبيعي أن يكون هذا الأمر أحد أهم المواضيع التي ستفرض ذاتها على مؤتمر قمة المجلس الذي سيعقد في سلطنة عُمان.

وكل ذلك حسب المصدر المذكور ودون تعليق.

المصدر:alittihad.ae