رسائل من القوقاز الى الأحادية القطبية

 

د. عبدالله خليفة الشايجي 

 

 

هل نحن حقاً على أعتاب نظام عالمي ينهي الأحادية القطبية، ويعيد أجواء الحرب الباردة بما فيها من حروب بالوكالة وفصول جديدة ربما بدأت تتشكل على أنقاض النظام العالمي السابق؟ في عام 1990 في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وهزيمة الشيوعية واحتلال صدام حسين للكويت، أطلق الرئيس جورج بوش الأب مصطلح "النظام العالمي الجديد"، أو اللانظام العالمي، ذلك المصطلح الذي بقي لعقدين هو السمة التي صبغت فترة ما بعد الحرب الباردة وسيطرة القطب الواحد، أو بعبارة أخرى انتصار الولايات المتحدة والغرب و"الناتو"، على الاتحاد السوفييتي السابق وهزيمته - كما يقول مسؤولو "الناتو"- دون إطلاق رصاصة واحدة.

ويتذكر كثيرون ذلك الآن في ظل المعطيات المصاحبة لحرب روسيا في القوقاز رداً على التصرف الطائش لميخائيل سكاشفيلي ومغامرة حساباته الخاطئة في تحدي الدب الروسي الذي كان ينتظر أصلاً فرصة كتلك للانتقام من عقدين متواليين من التهميش والتجاهل والصلف الغربي وللتذكير فقد علّق الرئيس بوش الأب في تقديمه لما سماه حينها "النظام العالمي الجديد" بأن الكلمة العليا فيه ستكون للقانون والعدالة وبما يمنع تفشي قانون الغاب، كما وصفه بأنه "نظام يعترف بالمسؤوليات المشتركة المبنية على أساس الحرية والعدالة. عالم يحترم فيه القوي حقوق الضعيف".

ولكننا الآن بتنا نعرف جميعاً - للمفارقة- أن ذلك "النظام العالمي الجديد" قد تم التعدي فيه من قبل القوي على الضعيف، عندما احتلت أميركا العراق وأفغانستان، وعندما دمرت إسرائيل لبنان في حروبها المتعددة، وعندما دمرت روسيا الشيشان في حربين، ولم يطلق أحد على تلك العمليات صفة "عدوان" أو "احتلال"، بل صنفت كحرب دفاع وحرب تحرير، وحرب حماية للمصالح. وتم خوض حروب عديدة من طرف الغرب -بقيادة واشنطن أو بقيادة "الناتو"- دون شرعية دولية أو تفويض من مجلس الأمن وأيضاً تكرر ذلك عندما غزت القوات الروسية جورجيا في القوقاز مؤخراً تحت ذريعة حماية الروس في إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وأكثر من ذلك بعد أن اعترفت روسيا باستقلال الإقليمين وكان موقف الغرب معارضاً بشدة، نسي أنه شجع ودعم استقلال كوسوفو في تحدٍّ لروسيا وحليفتها صربيا.

وكان أقصى ما بأيدي الغرب للرد على التهديد بفرض عقوبات على روسيا، وهي دولة ذات عضوية دائمة و"فيتو" في مجلس الأمن، وأيضاً عضو في منظمة الدول الصناعية الكبرى والحال أن حرب روسيا في جورجيا تحمل العديد من الرسائل، وأولاها انتهاء حقبة النظام العالمي الذي ظهر بعد الحرب الباردة أي أن موسكو أرسلت رسالة واضحة مؤداها عودتها القوية للمسرح الدولي، ورفضها للوصاية الأميركية- الغربية على حدائقها الخلفية، وحساسيتها المتنامية من ملفات كدور "الناتو" والدرع الصاروخية وأنظمة الرادار في جمهورية التشيك وبولندا، وسوى ذلك أما الرسالة الثانية لحرب القوقاز، فهي خطأ كل من يظن أن الحرب أشعل فتيلها الرئيس الجورجي بحساباته الخاطئة وأنه هو من أعطى روسيا المسوغ لشنها، بل هي حرب كانت موسكو تهدف من ورائها أصلاً لإثبات علو كعبها، وللإعلان عن انتهاء زمن الضعف والعودة إلى نظام الندية أو حتى التعددية القطبية أما الرسالة الثالثة، فهي أن روسيا تريد أن تؤكد أن زمن الضعف والهوان الاقتصادي الروسي قد ولى، وخاصة أنها خفضت ديونها إلى النصف مما خلّصها من وصاية المنظمات الدولية وبالأخص صندوق النقد الدولي. كما زادت عوائد روسيا من النفط والغاز من 50 مليار دولار إلى 200 مليار دولار عام 2007، ليتوافر لها مزيج من القوة الناعمة والقوة الصلبة معاً. وتحول روسيا الاقتصادي الهائل الآن يوفر لها طاقة وفيرة توظف لخدمة القوة العسكرية الروسية والرسالة الروسية الرابعة، لا لبس فيها، وهي موجهة بالأساس إلى حلفاء أميركا في القوقاز والبلطيق ومؤداها أنه لا جدوى من اعتمادكم على واشنطن المتمددة في العراق وأفغانستان، والتي فقدت للتوِّ حليفاً في باكستان، وتهدد إيران بمواجهة عسكرية، ما يجعلها تعجز عن حمايتكم.

وأن أولويات واشنطن عموماً تبقى في الشرق الأوسط وليس في القوقاز وأن انضمامكم لحلف شمال الأطلسي لن يجديكم نفعاً، بل قد يزيد من مأزقكم الأمني والحاصل أن روسيا استفادت من لحظة التراجع الأميركية ووظفتها بنجاح لإعلان عودتها إلى المسرح الدولي، دون أن تخشى من تداعيات حرب باردة جديدة كما يقول الرئيس مدفيديف. وهي إذ تبدو واثقة من نفسها ومتحدية فإنما تفعل ذلك لعلمها بعجز واشنطن وأوروبا و"الناتو" على تغيير ديناميكية الأحداث.

وأيضاً لعلمها بحاجة واشنطن إلى موسكو في ملفات إيران وأفغانستان والحرب على الإرهاب، أكثر من حاجة موسكو لواشنطن. وأخيراً لعلمها بغياب الإجماع الأوروبي، وحاجة أوروبا المتزايدة للنفط والغاز الروسيين وفي كل الأحوال تبقى هنالك العديد من الأسئلة مطروحة: هل ستشكل فعلاً تطورات ما قبل وما بعد حرب القوقاز لنظام عالمي جديد يكون الوريث للنظام أو اللانظام العالمي السابق؟ وما هو مستقبل المواجهات الجديدة واحتمال العودة لحروب جانبية - أو بالوكالة - بين الطرفين؟ وماذا عن قضايانا في المنطقة وكيف ستتأثر سلباً أو إيجاباً من مواجهات القوقاز وتداعياتها؟ سنجيب عن تلك الأسئلة في المقالة القادمة، إن شاء الله.

وكل ذلك حسب المصدر المذكور ودون تعليق.

المصدر:alittihad.ae