المساءلة والمحاسبة

 

محمد الباهلي 

 

 

في عام 2007 عقدت المنظمة العربية لمكافحة الفساد ندوة بعنوان "المساءلة والمحاسبة: تشريعاتها وآلياتها في الأقطار العربية"، شارك فيها نخبة كبيرة من المفكرين والباحثين والمهتمين بالشأن العام. وأهمية هذه الندوة أنها انطلقت من نقطة محورية هي غياب المساءلة والمحاسبة في مجتمعاتنا العربية، وتأثير ذلك في توسع دائرة الفساد. وكان لغياب المساءلة والمحاسبة في هذه المجتمعات، دور مؤثر في عرقلة نمو مفهوم الوطنية، أي غيرة المواطن على مصالح وطنه كما يغار على مصالحه الشخصية، ومن هذا الثقب تسربت أمراض خطيرة تضر الوطن والمواطن، أهمها الفساد والزبونية واللامسؤولية.

دعوني أقول إنه رغم أن موضوع المساءلة والمحاسبة في موروثنا الإسلامي، يعد من الموضوعات الأساسية التي يفترض أن تكون أساس العمل الإسلامي الصحيح، لكن تفعيل هذا الأمر لم يتم بصورة صحيحة، بل إنه عانى من إشكاليات عديدة وأصبح حبراً على ورق، خاصة عندما لا يتوافق مع أهواء الإرادة السياسية في مرحلة من تاريخ مجتمعاتنا الإسلامية، حتى بعد أن أصبحت الدول العربية والإسلامية دولاً مستوردة لكل شيء بما في ذلك نظمها الدستورية والقانونية والاقتصادية والتربوية والإدارية والثقافية... لكنها لم تستورد فاعلية موضوع المساءلة والمحاسبة وأساليب تطبيقه. لذلك نجد في هذه الدول مسؤولاً صغيراً في دائرة هامشية، يغادر وظيفته وهو يملك ثروة طائلة دون أن يسأله أحد كيف تكونت لديه هذه الثروة؟ حتى موضوع الخلط بين تولي المسؤولية وممارسة التجارة

نجده بدرجات متفاوتة بين بلد عربي وآخر، حيث يدخل العديد من أصحاب المناصب العليا ميدان التجارة بنفوذهم كمنافسين لأصحاب المهنة، خاصة بعد أن أصبحوا في مأمن من المحاسبة والمساءلة. وهذا الأمر لعب دوراً مؤثراً وخطيراً في تفشي صور الفساد والإفساد وفي دول الخليج العربية، حين دخلت الشركات المساهمة التي تأسست برأسمال المواطنين إلى حيز التنفيذ، لم يتم تطبيق المعايير القانونية،حيث أصبح لرئيس مجلس الإدارة والأعضاء مناصب أخرى عديدة في الحكومة، ولهم صلاتهم التجارية الواسعة، فسادت سياسة المنافع والمصالح المشتركة، ودخل البعض في مشاريع خاسرة، وحول البعض الآخر أسرار الشركة إلى بند لخدمة المصلحة الخاصة لرئيس مجلس الإدارة وأعضائه، لذلك ليس مستغرباً أن يخترق الفساد بعض هذه الشركات، والتي تم الكشف عنها أخيراً.

في التعليم أيضاً هناك إشكالية الاستيراد، حيث تم استيراد النظم التعليمية والمناهج والتجارب الجاهزة، كما تم اعتماد أسهل الحلول في الجامعات والمدارس (شراء العلم)، ولم نجتهد في إيجاد فكر تربوي محلي نابع من البيئة المحلية، لأن هذا الأمر يتطلب جهداً ووقتاً وإبداعاً. هذا الاستسهال في موضوع العلم والتعليم فتح الباب واسعاً لاستسهال حالة الفساد في التعليم، واستسهال الحصول على الشهادة العلمية دون جهد بالتحايل أو الغش والتزوير وشراء الألقاب العلمية...حتى الإعجاب بالخبير الأجنبي وتسليمه أموراً كثيرة في مؤسساتنا له دور أساسي في اتساع دائرة الفساد، لأن المشكلة ليست في الخبير الأجنبي بل في الازدواجية التي يكرسها وجود هذا الخبير، طريقة تفكيره التي يتعامل بها، في الأسلوب "النفعي" الذي يخدم مصالح دولته حتى ولو كان ذلك تحت بند الإصلاح.

إن مواجهة الفساد، وبجانب ما ذكرناه في مقالنا السابق، تحتاج إلى قيم مثالية جديدة، وإلى تعزيز القيم الأخلاقية، وإعادة ترميم الضمير الاجتماعي وهضم مفهوم المصلحة العامة، وحسن المواطنة، وبعد النظر في طرح الأفكار والمشاريع، وتخليص الذهن العربي من عقلية الغنيمة، وتبني استراتيجية واضحة وصريحة تعمل لتفعيل أجهزة الرقابة المالية والإدارية، وأيضاً وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والتقويم المستمر لنظم المراقبة الداخلية، خاصة فيما يتصل بالمشاريع التنموية، وتعزيز دور وسائل الإعلام في فضح الفساد لكونها أداة فعالة في عملية المحاسبة والمساءلة.

وكل ذلك حسب المصدر المذكور ودون تعليق.

المصدر:alittihad.ae