طرد روسيا من مجموعة الثماني لن يحل أي مشكلة. علينا أن نربطها بالنظام الدولي

 

ريتشارد هاس

 

كيف يمكن التعامل مع موسكو

يبدو أن الوضع على الأرض في جورجيا يتجه نحو الهدوء، وهو أمر مختلف عن القول إنه تم التوصل إلى حل المشكلة. فإقليم أوسيتيا الجنوبية المتنازع عليه بات أكثر انفصالا عن جورجيا الآن» وقوات "حفظ السلام الروسية" داخل البلاد اتسع عددها ومواقعها. ويبدو قرار الرئيس الجورجي ميخائيل ساكشفيلي إعادة تأكيد سلطة حكومته على أوسيتيا الجنوبية وكأنه كان قرارا متعجلا: فهو استخف بقوة الرد الروسي، وبالغ في حجم ما يمكن للولايات المتحدة وغيرها أن تفعله من أجله. المرشحان الرئاسيان السيناتور جون ماكين والسيناتور باراك أوباما شجبا السلوك الروسي بشدة ولكن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة ليس بمقدورها فعل الكثير لمساعدة جورجيا والسؤال الحقيقي هو كيف سيتعامل الرئيس الأمريكي المقبل مع روسيا حين يتولى الحكم في يناير المقبل.

إن ذلك لن يكون بالأمر البسيط. فروسيا قد لا تكون قوة عظمى، كما كان الأمر سابقا، ولكن على الرغم من انخفاض عدد سكانها، فإنها مازالت قوة رئيسية، قوة مازالت في وضع يسمح لها بالتأثير في العقود الأولى للقرن الـ21. فروسيا تمتلك ما يقرب من نصف الأسلحة النووية التي يمتلكها العالم كله، وهي أكبر منتج للغاز الطبيعي وثاني أكبر منتج للنفط في العالم، وهي دولة مصدرة رئيسية للأسلحة الحديثة، وتمتلك احتياطيات بالدولارات تصل إلى نحو 300 بليون دولار، وبحكم مقعدها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، فهي في وضع يسمح لها بتسهيل أو تعقيد قدر كبير من السياسة الخارجية الأمريكية وليس على من يجادل في صحة النقطة الأخيرة سوى النظر في قضية إيران، وهي التي ستمثل بلا شك اختبارا رئيسيا في ميدان السياسة الخارجية خلال العامين الأولين من عهد الرئيس الأميركي المقبل فإيران تكاد تصبح قادرة على تخصيب اليورانيوم، وهو العنصر الأساسي لتصنيع سلاح نووي، واسع النطاق والسبيل الوحيد لتجنب هذه الأزمة، عدا القيام بهجوم عسكري يتسم بالمخاطر العالية، هو السبيل الدبلوماسي. فينبغي أن تواجه إيران بتصور واضح للثمن الذي سيكون عليها دفعه إذا ما اختارت مواصلة هذا الطريق. وتصبح الخيارات أمام إيران أوضح إذا كانت روسيا مشاركة في ما يتم عرضه عليها والتهديد به. إن السبيل الأكثر يقينا إلى طهران يمر عبر روسيا.لنأخذ مثلا الأسلحة النووية الموجودة أصلا فمخزونات الأسلحة النووية الروسية والأمريكية لازالت كبيرة بصورة خطرة، كما هي إمكانية استعمالها بصورة عرضية غير مقصودة. إننا نريد الانتقال إلى عالم فيه عدد أقل من الأسلحة النووية في عدد أقل من الأيدي. وتبقى المفاوضات الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا هي السبيل الأفضل والوحيد للوصول إلى هذه النتيجة.

إدارة بوش قالت إنه ما دامت القوات الروسية تحتل أجزاء من جورجيا فإنها لن تعود "إلى سابق عهدها" في علاقاتها مع روسيا. وهذا يعني نوعا من الربط بين القضايا، وهي سياسة مستمدة من سياسات الحرب الباردة، حيث تكون العلاقات الثنائية بمجملها متأثرة بصورة شديدة بالخلاف على قضية معينة، وهي جورجيا في هذه الحال إن هذه استراتيجية مشكوك في سلامتها بالنسبة إلى الولايات المتحدة في وقت نجد فيه أن الكثير من القضايا على أجندتنا يتطلب مشاركة روسية فبدلا من ذلك، ينبغي أن تكون السياسة الأمريكية تجاه روسيا قائمة على أن يتعاون البلدان حيث يستطيعان، وأن يختلفا ويتنافسا ضمن قيود معينة حيث لا مفر من ذلك.

علينا أن نخفض الحواجز أمام انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، لا أن نرفعها. إننا نريد من روسيا أن تتقيد بحكم القانون وأن تكون أكثر شفافية وقابلية للمساءلة فروسيا الأوتوقراطية يرجح لها أكثر أن تتطور إلى كيان أكثر انفتاحا إذا تم دمجها في المؤسسات الحديثة مما لو تركت خارجها وهذا يدفع في اتجاه الإبقاء على روسيا عضوا في مجموعة الثماني، أو، وهو الأفضل، الإبقاء عليها عضوا في مجموعة الثماني الموسعة (التي ستضم الصين والهند والبرازيل).

يجب أن يكون هدف السياسة الخارجية الأمريكية هو حمل روسيا على العمل ضمن القوانين المتفق عليها، لا أن تحاول الالتفاف عليها. إن ما قاله الرئيس ريتشارد نيكسون قبل 40 سنة عن الصين ــ وهو أنه "بالنظر إلى الأمد البعيد، فإننا ببساطة لا نستطيع الإبقاء على الصين خارج الأسرة الدولية إلى الأبد، حيث تبقى هناك تغذي أوهامها وتعمق كراهيتها وتهدد جيرانها" ــ ينطبق بالكامل اليوم على روسيا.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال إن "على الولايات المتحدة أن تختار بين مشروعها الافتراضي في جورجيا وبين شراكتها الأوسع مع روسيا" وهذا أيضا ضرب من ضروب الربط. وهو أمر غير مقبول، ولكن حقيقة أنه كان بوسع لافروف قول هذا إنما تعكس قدر النفوذ الذي تمتلكه موسكو اليوم ومع الوقت، فإن الطريقة الأفضل لفرض الاعتدال على مسلك روسيا تتمثل في خفض الثروة التي تجنيها روسيا من النفط والغاز إن من المرجح أن تكون سياسة روسيا تجاه جورجيا أقل تشددا لو كان سعر برميل النفط 40 دولارا والأسعار ستتحرك في هذا الاتجاه في حال واحدة فقط وهي أن تخفض الولايات المتحدة ما تستهلكه من نفط وغاز وتزيد مما تنتجه من النفط وأنواع الوقود البديلة.

إن سياسة الطاقة هي سياسة أمن قومي لا أقل ولكن هذا سيستغرق سنوات وربما عقودا بحالها ولكن في الوقت ذاته لا ينبغي نسيان جورجيا فالولايات المتحدة تقوم حاليا بتقديم المساعدة الإنسانية لجورجيا ويجب عليها أن تبحث عن طرق أخرى لتعزيز وضع حكومتها إن التفاوض على إخراج القوات الروسية من جورجيا وإحلال قوات حفظ سلام دولية حقيقية محلها هو هدف يستحق العمل على تحقيقه وينبغي أن يظل هدف ضم جورجيا وأوكرانيا إلى كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) على أجندتنا، مع أن قضيتي توقيت وشروط التوسيع الإضافي للمنظمتين يجب أن تكونا خاضعتين للتشاور مع الحلفاء الأوروبيين» ومع روسيا أيضا إن أخذ دواعي القلق الروسية في الحسبان فيما نقوم بتصميم وتطبيق السياسة الخارجية الأميركية ليس استرضاء لأحد. لا، ولا يمنح ذلك موسكو حق الفيتو على ما نريد القيام به.

بل القضية هي أن الولايات المتحدة لا تستطيع وضع السياسات تجاه جورجيا أو أي دولة أخرى في عالم من العزلة إن لدينا طائفة من المصالح، وروسيا، بغض النظر عما إذا كان ذلك أمرا سيئا أم طيبا، هي دولة مهمة للعديد من هذه المصالح. إن تعريف المصالح وتحديد الأولويات هو مقدمة لأي استراتيجية. وينبغي أن يكون للرئيس الـ44. استراتيجية كهذه.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:newsweek