التحديات التي تواجه باكستان بعد برويز مشرّف

 

 

في حين كانت أنظار العالم كلها متجّهةً إلى الأحداث الخطيرة والمؤسفة في جورجيا، التي تبدو وكأنها تنذر بجولة جديدة من المعارك في أوروبا الشرقيّة، وكذلك إلى الألعاب الأولمبيّة في بكين، انزلقت باكستان نحو المزيد من الاضطراب السياسي والضعف والمخاطر.

في 18 آب (أغسطس)، توجّه الرئيس برويز مُشرّف إلى الأمة عبر شاشات التلفزيون وحاول الرئيس الباكستاني في معظم أجزاء خطابه شرح ما قام به خلال ولايته الرئاسيّة بعد تسلّمه زمام الحكم في سنة 1999. ألقى مُشرّف باللوم على مناهضيه السياسيين لتقديم مصالحهم الخاصة على مصلحة باكستان ولرفض دعواته الكثيرة للمصالحة والوحدة. وختم مُشرّف خطابه بإعلان تنحيه عن رئاسة الجمهوريّة.

لسوء الحظّ، يتأرجح تاريخ باكستان منذ القدم بين مراحل من الحكم العسكري وسلسلة من الحكومات الديموقراطيّة غير الفعالة التي اقترنت ممارساتها مراراً بالفساد، ولا يشكّل هذا التطوّر الأخير سوى المحطّة الأحدث في مسار باكستان السياسي المتأرجح.في افتتاحيّتها في 7 آب، لخصّت صحيفة «التايمز» البريطانية جيّداً سبب استنفاد سلطة الرئيس الباكستاني البالغ اليوم من العمر 65 عاماً، وجاء في المقال: «شكّلت إقالته لعدد من القضاة الرفيعي المستوى في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي تحدياً للمبادئ الدستوريّة وقد طغت على مجمل المسائل الأخرى في السياسة الباكستانيّة.

تنحى مُشرّف عن قيادة الجيش في نهاية السنة الماضية لكنّه تأخّر في اتخاذ هذه الخطوة وأساء تقدير العواقب التي ستواجهها سلطته نتيجةً للمزج بين المهمات العسكريّة والمدنيّة وتحدي الدستور وتولّد استياء شعبي في باكستان بسبب ارتفاع أسعار الغذاء التي زادت من صعوبات ظروف العيش على الفقراء».تأجّجت مشاكل باكستان الخطيرة نتيجةً للقرار الذي اتّخذه الائتلاف الحاكم بإدانة الرئيس. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدولة ذات الأهميّة الاستراتيجيّة والتي يبلغ عدد سكانها 164 مليون نسمة، تتمتّع بقوّة نوويّة فعالة ولو صغيرة، وهي حليف رئيسي للولايات المتّحدة في «الحرب على الإرهاب».أوضح الرئيس مُشرّف طوال أسابيع أنه يفضّل الاستقالة بدلاً من مواجهة الإدانة. وكان يتمتّع بقدرة على حل البرلمان، غير أن ذلك كان سيدفع باكستان الى الانزلاق الى المجهول.

سيذكر التاريخ أنه في شهر شباط (فبراير)، فاز «حزب الشعب» الباكستاني في الانتخابات العامة بزعامة آصف علي زرداري زوج بنازير بوتو التي اغتيلت على أيدي مجهولين في 27 كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وجاء في المرتبة الثانية حزب «الرابطة الإسلامية» الباكستاني بقيادة نواز شريف الذي انُتخب مرّتين رئيساً لمجلس الوزراء شأنه شأن بنازير بوتو. وفي 9 آذار (مارس)، توصّل هذان الحزبان إلى صفقة لتقاسم السلطة، لكن بدا وكأنهما لا يتشاطران سوى القليل من وجهات النظر.لا يكنّ نواز شريف الاحترام لمُشرّف الذي أقاله من منصب رئيس مجلس الوزراء وفي 10 أيلول (سبتمبر) 2007، سافر شريف من لندن إلى باكستان ووجّهت إليه تهم فساد جديدة ومن ثمّ غادر إلى المملكة العربية السعوديّة.

بعد الإعلان عن صفقة تقاسم السلطة، صرّح شريف بالقول: «لا أعتقد أننا اعترفنا بوجود مُشرّف، إذ نعتبر ولايته الرئاسيّة غير دستوريّة وغير شرعيّة، ولا نريد أن تذهب التضحيات التي قمنا بها خلال السنوات الثماني الماضية هدراً».بالطبع، لا يزال بعض الأشخاص في باكستان يريدون خضوع مُشرّف للمحاكمة بتهمة خرق الدستور على رغم استقالته، ونواز شريف من بين هؤلاء. وهذا الواقع هو بمثابة معضلة تقليديّة سيتعيّن على الباكستانيين حلّها. نعم، خرق مُشرّف القوانين أثناء ولايته كرئيس للجمهوريّة، غير أنه ستترتب انعكاسات سلبيّة على الملاحقة القانونية لهذه المسألة وعلى تعميق الانقسامات القائمة. وعُلم قبل تنحي مشرّف عن منصبه أن غالبيّة أعضاء البرلمان تؤيّد إدانته.أصبح موقف الجيش ذا أهميّة محوريّة اليوم.

دعمت القيادة العسكريّة مشرّف سابقاً، لكنّ الجنرالات العسكريين شعروا بانزعاج من سلسلة المشاكل التي كانت تعترض طريقه والتي جلب الكثير منها لنفسه، وكذلك من قدرته على فقدان الأصدقاء وكسب الأعداء. وتتمثّل الأولويّة الفوريّة للجيش في الحرص على عدم غرق قائده السابق في الوحل. لذا يسعى القادة العسكريّون إلى إيجاد مخرج سريع وشريف للرئيس الباكستاني السابق.

سعدت المملكة المتّحدة لخبر تنحيّ برويز مُشرّف، ذلك العسكري المتمرّس الذي تحوّل إلى عبء بعد قضائه تسع سنوات في سدّة الرئاسة. لكن ينذر العدد الهائل من المشاكل التي تواجهها باكستان والتي تمّ تهميشها عن باقي المسائل طوال أشهر بالخطر. ويبقى السؤال: من سيتولّى معالجة هذه القضايا؟ ومن سيُنتخب رئيساً جديداً لباكستان بعد اعلان آصف علي زرداري أنه مرشّح، وبعد انهيار الائتلاف الحاكم الذي لعب الدور الاكبر في الإطاحة ببرويز مُشرّف؟

يُقال إن الرئيس بوش أراد بقاء برويز مُشرّف في الحكم نظراً لتصدّي هذا الأخير للأصوليّة الإسلاميّة منذ الهجمات التي ضربت أميركا. بيد أن زخم الحركات الأصوليّة والدعم الذي تحظى به حركة «طالبان» بدا قويا في باكستان وبدأت هاتان الظاهرتان بالانتشار إلى أفغانستان.يبحث الغرب اليوم عن عدد من الإجابات السريعة ويأمل في تماسك الدولة الباكستانيّة لكن لا يسعني الامتناع عن التفكير بأن دول الغرب ستجد نفسها أمام خيبة أمل حيال باكستان.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:daralhayat.com