الناس كالشجر ، شرابه واحد وثمره مختلف ... مـنْ المســؤول عن إدارة الخلافات ؟  

-1-

 

المهندس فـؤاد الصـادق

 

 

التباينات بين الأفراد والجماعات كثيرة ومتنوعة حتى في المؤسسة الواحدة ، والأسرة الواحدة ، وحتى بين التوأمين المتشابهين لكن وجود تلك التباينات في حد ذاته يجب أن لايبعث على القلق فاليأس من الإنقاذ لأسباب عديدة منها :

1- لأن التباين سنة كونية :

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم ) ( 1 )

( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ) ( 2)

2- لأن الله سبحانه وتعالى منح الناس حرية الإختيار وحق الإختلاف حيث لم يشأ ان يكون الناس أمة واحدة متفقين على الهدى والمعرفة بالإلجاء والإضطرار لما في ذلك من الخروج عن سنن التكليف وبطلان إستحقاق العباد للمدح والذم كما في قوله :

( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ... ) ( 3)

هل خلقنا الله سبحانه للإختلاف إستناداً الى : (( ولذلك خلقهم )) في الأية المباركة أعلاه ؟

الجواب في الرواية عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل :

( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )

قال : خلقهم ليأمرهم بالعبادة ،

قال : وسألته عن قوله الله عز وجل :

( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم )؟

قال : ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم  ( 4) .

3- ولأن التباين بين الأفراد هو القاعدة والتطابق أوالتوافق هوالإستثناء حتى مع تطابق الخلفيات الفكرية والتربوية والبيئية وما نحو ذلك كما يبدو من المروي عن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام :

( الناس كالشجر ، شرابه واحد وثمره مختلف ) ( 5 )

4- ولأنه لاتلازم بين التباين من جهة ، وبين المقاطعة أوعدم التعاون أو المشاحنة أوالنزاع أوالتفرق أوالصراع أوالتحارب من جهة أخرى لأن القول بالتلازم يقود الى التعارض بين سنة التباين الكونية والإرادة التشريعية بل والى التكليف بمالايطاق في أمثال قوله تعالى :

( وتعاونوا على البر والتقوى ... ) ( 6)

( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ... ) ( 7)

ملاحظة : قال تعالى في الأية المباركة أعلاه : ولا تفرقوا ، ولم يقل ولاتختلفوا .

( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ( 8)

ملاحظة : قال تعالى في الأية المباركة أعلاه : ولا تنازعوا ، ولم يقل ولاتختلفوا ، وان الطاعة وعدم التنازع يحتاج الى نفس طويل وصبر .

ويدل على عدم التلازم المذكور التعاون المشهود فيما بين دول الإتحاد الأوروبي من ناحية وبين تلك الدول والولايات المتحدة على الرغم من التبيانات الكبيرة في الأراء والمواقف والمصالح والتاريخ الدموي الطويل بين بعضها كالحرب المعروفة بحرب المائة عام بين فرنسا وإنجلترا، و التي دامتْ 116 سنةَ من 1337 إلى 1453م إضافة الى تقاسم الأدوار في اكثر الدول المذكورة بين اليمين المعتدل، واليمين المتطرف، واليسار، والصقور والحمائم والأحزاب والجماعات المختلفة .

إذن التباين سنة كونية لإختبارنا ، والتنوع أية من أياته سبحانه وتعالى التي يمكن أن تؤسس للتعددية والتنافس والإبداع والتقدم حيث يقول تعالى :

( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) ( 9)

وعليه يجب أن لا نخشى الخلاف بل نخشى سوء إستخدامه وغياب مدرائه .

وهنا سؤال يفرض نفسه ؟

لماذا أغلب التبيانات في الأمة تقود الى المقاطعة أوعدم التعاون أوالشقاق أو المشاحنة أوالنزاع أوالتفرق أوالصراع أوالتحارب ؟

الأسباب عديدة منها وعلى سبيل المثال :

ـ محاولة إنكار الخلافات .

ـ النظرة السلبية أوالسوادوية لأصل الخلاف كما تقدم .

ـ الحلول غير الواقعية أوالناقصة للإختلافات مثل محاولة إلغاءها أومحاولة حلها عن طريق السيطرة أوالتسوية وبعيداً عن التعددية التكاملية . 

ـ إهمال الأفراد والجماعات وصنّاع القرار وقادة الرأي ووسائل الإعلام لمسؤولياتها الخطيرة في توجيه الخلافات وإدارتها لتحويلها الى عامل قوة ولملمة الشمل بواسطة الأليات والسياسات والقواعد والبرامج والأهداف الواقعية المستندة الى التنوع والتعددية التكاملية لا التذويب والإلحاق ، وذلك مما يتسبب في تراكم ونمو وكثرة وتجذر الخلاف بين الأطراف والتي تحوله الى شقاق كما في المروي عن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام :

( كثرة الخلاف شقاق ) ( 10 )

حقاً مـنْ المســؤول عن إدارة الخلافات ؟

ألسنا بحاجة الى إعداد جيش من التوفيقيين المتحوطين من التلفيق ومن الوفاق النفاقي ؟

ماهو التفكير التوفيقي ؟

ما هي مشروعيته ؟

سنتناول ذلك في القسم التالي بإذنه تعالى ؟

.............................................

( 1 ) : ( الحجرات  13 )

( 2) : ( الروم 22 )

( 3) ( هود 118 - 119 )

( 4) : علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج 1 - ص 13

( 5 ) : غرر الحكم : 1882 .

( 6) : ( المائدة 2 )

( 7) : ( آل عمران 103 )

( 8) : ( الأنفال 46 )

( 9) : ( المائدة 48 )

( 10 ) : عيون الحكم والمواعظ - الواسطي - ص 389