هل ينفجر النظام الدولي قريباً؟

 

د. محمد السيد سعيد   

 

تنبأت مؤسسة بحثية أوروبية تسمى "المعمل الأوروبي للتوقعات السياسية 2020" بأن يشهد الأسبوع الثالث من شهر مارس الجاري، بداية أسوأ أزمة اقتصادية عالمية منذ أزمة عام 1929, وأن تصاحبها أصعب أزمة سياسية منذ سقوط حائط برلين عام 1989. ويقول تقرير المؤسسة إنه يبني تقديراته هذه على مسوح لسبعة مؤشرات كبيرة, هي وقوع تدهور شديد في الثقة بالدولار الأميركي كعملة احتياطيات دولية, وأزمة توازنات مالية في الولايات المتحدة الأميركية, وأزمة نفط, ومن ثم انفجار أزمة في القيادة الأميركية للعالم, فضلا عن أزمات العالم العربي والإسلامي, وأزمة الحكم في أوروبا, بل ووقوع أزمة حكم على المستوى العالمي. وسر تحديد الأسبوع الثالث من هذا الشهر لوقوع هذه الأزمة هو قرار البنك الفيدرالي الأميركي بوقف نشر البيانات الخاصة بمؤشر كمية النقود المعروف برمز "إم- 3" بدءا من يوم 23 من هذا الشهر, وقرار إيران ببدء عمل بورصة للنفط تقوم على اليورو وليس الدولار. ويتوقع أن تقود هذه العوامل إلى تدهور سعر الدولار بحيث يساوي اليورو بداية العام القادم 1.7 دولار وهو هبوط شديد من مستواه الحالي يؤدي إلى "تسونامي" نقدية ومالية حقيقية.

ومن وجهة نظر هذه المؤسسة فإن وقف بيع النفط الإيراني بالدولار سيقلل من الطلب عليه, ويعزز الاتجاه نحو انهيار الثقة العالمية في الدولار، كما أن قرار وقف نشر البيانات الخاصة بكمية النقود الإجمالية يقوي الشائعات بعودة السلطات النقدية الأميركية إلى طبع النقود, بقصد تحقيق سرقة حقيقية للديون الأميركية المستحقة للأجانب وخاصة الحكومات. ويقود هذا كله إلى انفجار أزمة ثقة تطيح بالاستقرار الاقتصادي وتدفع نحو انكماش مخيف, تضاعف الأزمة الإيرانية- الغربية من شدته.

هل تصدُق هذه التوقعات؟

لنوضح أولا أن هذه المؤسسة البحثية لا تعد من المراكز البحثية المسموعة في أوروبا. والأرجح أنها تنتمي إلى فصيل من المؤسسات الفكرية الرافضة للتكوين الراهن للنظام العالمي, ولنسق إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية الذي تأخذ به واشنطن بسبب نفوذ رأس المال المصرفي المهيمن اقتصاديا وسياسيا على نخبة الحكم الأميركية. وقد ظل هذا الفصيل يتنبأ طوال السنوات الماضية بانهيار النظام النقدي والمالي الدولي, وحدوث انفجار في العلاقات السياسية الدولية, بما في ذلك انسلاخ أوروبا عن أميركا, وشيوع حروب عالمية متعددة ومتوازية بهدف التخلص من الأزمات العميقة التي يعانيها النظام الدولي, كما حدث في الحربين العالميتين السابقتين. وبوجه أعم تنتمي هذه المؤسسة البحثية إلى فلسفة أو مدرسة أوروبية تشاؤمية كانت تصعد وتهبط ولكنها لم تختف أبدا تقول بنبوءة انهيار أو اضمحلال الحضارة الغربية, بل ودخول العالم إلى أزمة ممتدة قد تكون طويلة المدى ومدمرة بصورة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية. ولم تصدق هذه النبوءة حتى الآن.

إذن نستطيع أن نطمئن القراء بأن شهر مارس الحالي لن يشهد هذا الانهيار أو هذا الانفجار العالمي المريع. ولكن هذا لا يعني أن الأوضاع العالمية مطمئنة سواءً من الناحية الاقتصادية أم السياسية. فبديهي أننا نعايش احتقانا غير مسبوق منذ انفجار الحرب العالمية الثانية, وأن هذا الاحتقان يزداد سوءا, وبصورة خاصة في العلاقات الإسلامية- الغربية. ولكن الانفجار ليس هو التعبير الوحيد المتوقع لهذا الاحتقان في البيئة الدولية.

ومن الواضح أن نبوءة الانهيار أو الانفجار تأسست على توقع أن تقوم الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الطرفان معا (وهو احتمال أقل بكثير) بضرب المنشآت النووية الإيرانية عسكريا. إذ تروج توقعات بأن ترد إيران بعنف على أكثر من مستوى. والرد العسكري بذاته قد يفجر سلسلة من العمليات الثأرية المتبادلة بما يقود إلى التهابات شديدة في المشاعر الشعبية الإسلامية والأوروبية, ومن ثم إلى سلسلة لا تتوقف من الأزمات العالمية. ولكن الرد الاقتصادي قد يكون أسوأ أثرا, حيث يتوقع أن يتخطى سعر برميل النفط حاجز الـ100 دولار, وهو ما يوقف فعليا النمو الاقتصادي في أوروبا والصين والهند, ومن ثم يقود إلى أزمة اقتصادية عالمية.

ورغم أن هذه التوقعات ليست خرافية تماما, فهي مبالغ فيها كثيرا. فأولا ليس من المرجح أن تأخذ أميركا بالسيناريو العسكري, وإن حدث فلن تستطيع إيران أن تتوقف طويلا عن تصدير نفطها, كما أن المنتجين الآخرين يمكنهم التعويض جزئيا عن نقص المعروض ولو لفترة وهو ما حدث فعلا أثناء الحرب العراقية- الإيرانية. ورغم الالتهاب المؤكد في المشاعر الإسلامية حال تعرض إيران لضربة عسكرية, فليس من المرجح أن تنأى دول الخليج بنفسها كثيرا عن الولايات المتحدة, نظرا لخشيتها الشديدة من البرنامج النووي الإيراني. ومن غير المرجح أن تندفع إيران إلى سلسلة لا تنتهي من أعمال الثأر حتى لا تخاطر بتدمير شامل لهياكلها العسكرية والمدنية, كما حدث للعراق. ومن المرجح أن تستخدم أسلوب الرد المحسوب أو المقدر وليس رد الحرب الشاملة.

والواقع الاقتصادي الدولي سيئ بالفعل وحافل بعوامل الأزمة, بسبب سيادة الحسابات الطفيلية لحركة المال ومكاسب المضاربة بأكثر من النمو الحقيقي للإنتاج والإنتاجية. وتجبر الولايات المتحدة العالم كله على تمويل نموها الخاص من خلال السطو على مدخرات الآخرين. ولكن ذلك لم يمنع هؤلاء الآخرين من استمرار تمويل عجز الميزان التجاري بل وعجز الموازنة الأميركية, وذلك لأن هذا هو أفضل الخيارات مقارنة بالسماح بانهيار الاقتصاد الأميركي. وليس صحيحا أن النمو الاقتصادي الأميركي طفيلي, فنمو الإنتاجية هناك هائل بكل المقاييس, وباختصار فإن الأزمة الاقتصادية الهيكلية كبيرة, ولكن لا يرجح أن "تنفجر" فقاعة الاقتصاد العالمي – مرة واحدة- كما حدث في آسيا عام 1997.

المرجح أكثر هو أن يشهد النظام الدولي الراهن حالة "تحلل", وربما "تصدعات" محكومة بهذه الدرجة أو تلك. ويقول بعض الخبراء إن هذا النوع من الأزمات لا يحل وإنما يدار بما ينقل الاختناقات من موقع محتقن إلى موقع آخر أقل احتقانا أو أكثر سيولة, حتى تحل العقدة نفسها بنفسها.

ولكن هذا النوع من التفكير هو ذاته تعبير عن الأزمة, وهو ذاته أحد أسبابها. وتثبت الأزمة الثقافية الراهنة بين الغرب والعالم الإسلامي خطل وجهة النظر هذه وخطرها. المشكلة يجب أن تواجه بصورة سليمة -وهو في تقديري أمر ممكن- وإلا انفجرت حتما في يوم ما من هذا العام أو من عام قريب قادم.

وكل ذلك بحسب رأي د. محمد السيد سعيد في  المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-8-3-2006