الشهيد الشيرازي.. والفكر الحركي

 

 

يمتاز فكر الشهيد الشيرازي بأنه وليد الحاجة، فهو يكتب من خلال معاناة تعيشها الأمة وليس للترف الفكري، فقد كتب الاقتصاد الإسلامي عند انتشار المد الشيوعي، وترويجهم الشبهات ضد الإسلام والقول بأنه عاجز عن إدارة دفة الحياة فكتب الشهيد عن الاقتصاد الإسلامي ليبرهن لأولئك المغرورين بأن الإسلام أقدر من الأيديولوجيات الأخرى على إدارة دفة الحياة وكتب الشعائر الحسينية يوم بدأ البعض بترويج الدعايات المضللة ضد الشعائر الحسينية واتهامها بالتخلف والإسراف وانعدام الرؤية، فكان كتابه دفاعاً ضد الهجمة المتكالبة الرامية إلى إلغاء هذه المراسم الدينية المقدسة، التي هي من شعائر الله تعالى، حيث يقول عنها في محكم كتابه المجيد: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) كما إن كتاب (كلمة الإسلام) جاء في ظل ظروف عصيبة مرت بها الأمة الإسلامية وكانت حينها غارقة في بحر التيارات الفكرية والسياسية المضادة، وتتقاذفها الأحزاب والحركات من كل حدب وصوب، بينما كان البعض قد انزوى عن تلك التيارات، وانكفأ جانباً، فيما الشهيد تحصن في خندقه واستخدم قواه الفكرية، وبهدوء ودقة وباتزان وحكمة محاولاً الوصول إلى الهوية الصالحة النافعة.

لقد أثارت رياح الهجمة الحمراء الهابة من موطن الكفر والإلحاء البلاد السوفيتية نحو العراق مهد الإسلام ومعقل الإمامة والولاية، وكذا استفزازات قوى الضلال والنفاق، القيادة الدينية في كربلاء المقدسة، الأمر الذي جعلها في طليعة المتصدين للفكر الشيوعي الهدام، وكان على رأس هذا التحرك (والده) الإمام الميرزا مهدي الشيرازي ونجلاه الإمام السيد محمد الشيرازي والشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي وقد اعتمدت الجبهة الإسلامية تحركاً واسعاً في مجال الإفتاء وإلقاء الخطب وتأليف الكتب وإقامة الاجتماعات والهيئات الشعبية، وكان لهذا التحرك أثر كبير على تقليص انتشار الشيوعية. كربلاء المقدسة كانت لوحدها جبهة قوية متماسكة، فقد حملت مدرستها روح النهج الحسيني وتراث المرجعية الخالد منذ الوحيد البهبهاني حتى الميرزا الشيرازي قائد ثورة العشرين مروراً بعشرات من المراجع الذين كان لهم دور اجتماعي وسياسي في الأمة، فليس المرجعية هي مجرد رسالة عملية في أحكام الحيض والنفاس، فالمرجع هو قائد، ولن يكون قائداً إلا عندما يتصدى لأمور الأمة وكان دور الشهيد السيد حسن الشيرازي هو دور المنظر لهذه المدرسة في ذلك الوقت العصيب من تاريخ الأمة، فقد كتب كتابه كلمة الإسلام في انتخاب الطريق الملائم للعمل الإسلامي من بين الأطروحات الثلاث: الأحزاب الإسلامية، الحركات الفردية، الحركة المرجعية.

فالحركة المرجعية في نظر الشهيد الشيرازي هي الحركة التي استوفت شروط التحرك السياسي الإسلامي وهي:

1- وجود مبدأ شامل صحيح.

2- وجود قيادة محددة حكيمة، منتزعة من صميم ذلك المبدأ.

3- وعي الأمة لذلك المبدأ وتلك القيادة.

4- إيمانها المطلق بهما.

5- ثقتها بنفسها كأمة تستجمع مؤهلات النهوض المستقل.

6- تنفيذ الأمة لذلك المبدأ في واقعها بإيحاء تلك القيادة.

أما طبيعة وأبعاد الحركة المرجعية، فهي بنظر الحركة المرجعية في فكر الشهيد الشيرازي من قمة وجهاز وقاعدة كأي حركة أخرى، فـ (القمة) تتمثل في (المرجع الأعلى) للمسلمين الذي يجب أن يكون فقيهاً جامعاً لمؤهلات المرجعية الدينية... وإذا تساوى جميع الفقهاء في مؤهلاتهم، - وهو قليل جداً - يكون (المرجع الأعلى) أيهم اختار الناس والجهاز يتألف من إدارة عليا يرأسها المرجع نفسه وتنعقد في مقره، وتوزع على أعضائها الأعمال الرئيسية وهي تؤدي دور مجلس الوزراء في إيصال المعلومات إلى المرجع ومناقشتها معه، وتلقي الاتجاهات والأوامر منه، ثم تعكس ذلك على الأمة ومن أعضاء يعبر عنهم بـ (الوكلاء) يوظفون في كل المناطق وهم يقومون بدور رؤساء الوحدات الإدارية، فيقومون بتنظيم شؤون المسلمين وتنفيذ أوامر القيادة منها، والقيام بعمليات التوجيه والتثقيف للأمة، والاشتباك مع عناصر الشر المتطاولة، على مقدسات الأمة ورفع المعلومات الكافية عن منطقته - في فترات معينة - إلى المرجع.

والقاعدة هي مجموعة الأمة التي تقلد ذلك المرجع وتأخذ عنه دينها في كافة الأحوال الشخصية والاجتماعات وتطيع أوامره ونواهيه، وبعملية (التقليد) يرتبط كل مسلم بشخص المرجع الأعلى، دون أيما وسيط، والوكيل لا يزاحم هذا الارتباط المباشر ولكنه يكون بـ (البريد) بين الطرفين، ويسمي الشهيد الشيرازي هذا الشكل من التنظيم الذي يربط بين القاعدة والقمة عبر الوكلاء بالتنظيم المرجعي، وهو لا يختلف عن التنظيم الحزبي إلا في أمرين:

- الأمر الأول: القيادة الشرعية المتمثلة بالمرجع الأعلى.

- الأمر الثاني: معلومية القيادة.

ففي التنظيم المرجعي نجد الأسس التي يقوم عليها التنظيم الحزبي، من قاعدة وقمة، ونسق صاعد، ونسق نازل يتمثل بالتقارير التي ينقلها البريد الذي عبر عنه الشهيد بـ (الوكلاء) الذين يعينهم المرجع في المناطق ليكونوا حلقة الوصل بينه وبين الأمة كما ويتضمن التنظيم المرجعي الانتخابات، حتى انتخاب المرجع الأعلى عند تساوي المجتهدين، وهذا التنظيم برأي السيد الشهيد أفضل أنواع التنظيمات لأنه يحصن الأمة من الانشقاقات الداخلية، والانفراط إلى كتل منحازة ويمنح للأمة مناعة من تسلل الاتجاهات الأجنبية ويصونها من تطفل القيادات الكاذبة عليها التي تريد استنزاف إمكاناتها، كما وأنها تحافظ على الوحدة الإسلاميـة، وحدة الأمــــة ووحـــدة الكلمة الإسلامية.هذه هي النظرية الحركية للشهيد الشيرازي التي تعكس تحليلاً للواقع الاجتماعي والسياسي للأمة، وسبيلاً لاستنباط الأسس القويمة من النصوص الإسلامية الأصيلة.