هنتنجتون يتخلى عن بوش‏!‏

 

أحمد عبدالمعطي حجازي

 

لا أظن أني في حاجة لتتبع كل ما يدور من مناقشات حول العلاقة بين الشرق والغرب‏,‏ وما يقع فيها من أحداث وتطورات‏,‏ لأثبت أن هذه العلاقة هي موضوع الساعة‏.

‏ وقد حدثتكم في مقالتي السابقة عما دار بين بعض الزوار الأوروبيين‏,‏ وبعض المثقفين المصريين حول الاسلام والغرب‏,‏ وبوسعي أن أواصل اليوم فأحدثكم عن المحاضرة الممتعة التي ألقاها في مكتبة مبارك المفكر اللبناني غسان سلامة‏,‏ وكنت ممن حضروها وشاركوا في النقاش الذي دار في نهايتها بين المحاضر والجمهور‏.‏

كان موضوع المحاضرة هو الثقافة والسياسة في عالم متغير‏,‏ وهو موضوع واسع أتاح للأستاذ المحاضر أن يصول ويجول في استعراض التطورات السياسية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة‏,‏ ويفسرها‏,‏ ويربط بعضها ببعض‏,‏ ويردها الي أصولها في الثقافة والمجتمع‏,‏ لكنه اهتم اهتماما خاصا بمناقشة صراع الحضارات الذي تنبأ به الباحث الأمريكي صمويل هنتنجتون في بحث له نشره قبل بضعة عشر عاما‏,‏ وتتبع فيه صراعات البشر الطبقية‏,‏ والدينية والاستعمارية والمذهبية التي انتهت بانهيار المعسكر الشرقي وانتصار الغرب وحضارته التي لم يعد ينافسها في رأيه إلا حضارتان‏,‏ حضارة الشرق الإسلامي من ناحية‏,‏ وحضارة الشرق الأقصي من ناحية أخري‏,‏ والصراع إذن واقع لا محالة بين حضارة الغرب وحضارات الشرق‏.‏

وقد خيل للبعض أن ظهور التيارات الاسلامية المتطرفة‏,‏ وقيام نظام الخميني في إيران‏,‏ ونظام الطالبان في أفغانستان‏,‏ والصراعات الدموية التي اشتعلت بين الصرب والمسلمين في البوسنة‏,‏ والحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها علي أفغانستان والعراق‏,‏ هذه الأحداث والتطورات خيلت للبعض أن الصدام قد وقع‏,‏ وأن الحضارات لايمكن أن تتعايش أو تتصالح أو تتفاهم أو تتعاون‏,‏ وأن العالم لن يهدأ إلا بغالب ومغلوب‏.‏

والحقيقة أن حرب الحضارات أو صراعها فكرة قديمة‏,‏ لأن الحدود التي كانت تحول دون اتصال الأمم والثقافات كانت توهم كل أمة أنها أفضل من غيرها‏,‏ وان ثقافتها هي الحق المطلق‏,‏ ومصالحها هي الخير المطلق‏,‏ وان ثقافات الأمم الأخري شر وباطل وبربرية‏.‏

وقبل هنتنجتون الأمريكي كان الشاعر الانجليزي رديارد كبلنج يقول الشرق شرق‏..‏ والغرب غرب‏,,‏ ولن يلتقيا‏!,‏ وبعد كبلنج كان النازيون الألمان يقسمون البشر الي أجناس راقية وأجناس منحطة‏..‏ والرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش يعتقد أن حربه التي أعلنها علي أفغانستان والعراق حرب بين الخير الذي يمثله هو‏,‏ والشر الذي يمثله الآخرون‏.‏

ونحن أيضا لدينا من يتبنون هذه النظرة ويعتبرون أنفسهم ملائكة وغيرهم قردة وخنازير‏,‏ والذين قرأوا رسالة الشيخ عمر عبدالرحمن التي حصل بها علي الدكتوراه من الأزهر ونشرها في كتاب عنوانه موقف القرآن من خصومه‏,‏ رأوا فيها نسخة شرقية من حرب الحضارات الغربية‏,‏ والذين يتبنون أفكار هنتنجتون وعمر عبدالرحمن وأمثالهما في الغرب والشرق يستطيعون أن يبدأوا من أول الخليقة وأن يجدوا في قصة قابيل وهابيل دليلا علي أن حرب الحضارات هي أصل الوجود البشري‏!‏

غير أن هؤلاء لن يستطيعوا أن يفسروا لنا نشأة الحضارة‏,‏ وتطور المجتمعات الإنسانية‏,‏ وتلاقح الأفكار‏,‏ وتفاعل الثقافات‏,‏ وانتشار العقائد‏,‏ وتواصل الأمم‏,‏ وظهور المجتمع الدولي بمؤسساته وقوانينه وادواته ومنظماته التي جمعت بين الشرق والغرب وأزالت الحدود الفاصلة‏,‏ وجعلت العالم كله قرية واحدة‏.‏

صحيح ان البشر لم يتحولوا الي ملائكة‏,‏ وأن الحرب لاتزال مشتعلة في أفغانستان والعراق وفلسطين‏,‏ والأقوياء لايزالون يتحكمون في الضعفاء‏,‏ والاغنياء لايزالون يستغلون الفقراء‏,‏ لكن هذا لا يحدث بسبب اختلاف الحضارة‏,‏ فكل الحضارات تدعو للاخاء والعدالة والسلام‏,‏ والحروب لا تشتعل بين أصحاب الحضارات المختلفة وحدهم‏,‏ وانما تشتعل الحرب الأهلية داخل الوطن الواحد‏,‏ وبين أبناء الدين الواحد‏,‏ والثقافة الواحدة‏,‏ والسلام العالمي لن يتحقق بمواصلة هذه الحروب‏,‏ وانما يتحقق بإقرار القوانين والمباديء الأخلاقية التي يحتكم لها المختلفون فتضمن لهم العدالة وينصاع لها الجميع‏.‏

أستطيع أن أحدثكم أيضا‏,‏ عن مؤتمر الترجمة الذي نظمه المجلس الأعلي للثقافة بمناسبة صدور الكتاب الألف في مشروعه الطموح لاخراجنا من عزلتنا الفكرية ووصلنا بثقافات العالم‏,‏ وترجمة أصول المعارف الانسانية الي لغتنا العربية‏,‏ دون أن نحصر أنفسنا في الثقافة الغربية وحدها‏,‏ مع اعترافنا باستنارتها‏,‏ وعقلانيتها‏,‏ وغناها‏,‏ وأن أحدثكم عن ندوة عقدها كذلك المجلس الأعلي للثقافة هذا الأسبوع‏,‏ للبحث في الشروط التي تكفل لكل من الشرق والغرب أن يراجع معرفته بالآخر‏,‏ وينقيها من الأخطاء الموروثة التي أوقعه فيها الجهل وسوء الظن والتعصب وضعف الأدوات المتاحة والمشاريع الاستعمارية التي جندت عملاء وخدما من المثقفين ورجال الدين‏,‏ ومن هنا كان عنوان الندوة أبعد من الاستشراق والاستغراب‏,‏ أي بحثا عن معرفة أكثر موضوعية واتساقا مع قيم العصر وحقائقه ومبادئه‏.‏

وسؤال الشرق والغرب المطروح عندنا بهذا الالحاح مطروح في مختلف أنحاء العالم ربما بإلحاح أكثر‏,‏ وقد قرأنا عن مؤتمر نظم في قطر تحت عنوان تحالف الحضارات ـ في مواجهة من؟ ـ وعن مؤتمر آخر في الكويت تحت عنوان نحن والآخر ـ أي آخر؟‏!‏

والسؤال يطرح كما نري بصور شتي لا يخلو بعضها من عنف وتجريح‏,‏ الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها بعض الصحف الغربية كانت تعبيرا عن روح عنصرية معادية‏,‏ وعن رغبة في استفزاز المسلمين والاساءة إليهم‏.‏

لقد كان من حق الصحافة الغربية أن تدين الجماعات الإسلامية المتطرفة وأن تسخر منها كما تشاء‏,‏ لكن ليس من حقها أن تجعل الإرهاب أصلا في عقيدة المسلمين‏,‏ فليس هذا صحيحا بالمرة‏,‏ فضلا عن أن ما فعلته نكأ جراحا لم تندمل‏,‏ وأعطي الفرصة للمتاجرين بالدين في بلاد المسلمين ليوقظوا الفتن النائمة ويعمموا الخطأ الذي انزلقت إليه الصحيفة الدنماركية علي الغرب كله‏,‏ ويحرضوا الناس علي كراهية الغربيين‏,‏ ويطلقوا العنان للمتطرفين الذين اندفعوا ليصبوا جام غضبهم علي غير المسلمين من أبناء وطنهم كما فعل بعضهم في فلسطين ولبنان وسوريا وتركيا وايران‏!‏

لكن الغرب ليس واحدا‏,‏ كما أن الشرق ليس واحدا‏,‏ وانما هناك أكثر من غرب‏,‏ كما أن هنا أكثر من شرق‏.‏

الأمريكيون والبريطانيون والروس استنكروا الرسوم البذيئة التي نشرتها الصحيفة الدنماركية‏,‏ وأدان الرئيس الفرنسي جاك شيراك إعادة نشرها واعتبر ذلك استفزازا غير مبرر‏,‏ وكذلك فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قال إن هذه الرسوم تعمق الشروخ وتثير المواجهات الدينية‏,‏ كما صدر عن الأمم المتحدة‏,‏ والاتحاد الأوروبي‏,‏ والمؤتمر الاسلامي بيان مشترك أعلنت فيه هذه المنظمات أن حرية الصحافة يجب أن يصاحبها شعور بالمسئولية واحترام المعتقدات الدينية‏,‏ ودعا رئيس الوزراء الدنماركي أندروز رسموسن الي احتواء الأزمة وتعزيز التفاهم والاحترام المتبادل بين الثقافات الغربية والاسلامية‏.‏

ليس الغرب كله بوش وصمويل هنتنجتون وليس الشرق كله بن لادن وعمر عبدالرحمن‏,‏ والغرب الذي استعمر آسيا وإفريقيا وأباد الهنود الحمر وشرد الفلسطينيين ليس هو الغرب الذي حرر العبيد وبني الديمقراطية وأعلن حقوق الإنسان‏,‏ والارهابيون الذين فجروا أنفسهم في أبراج نيويورك وواشنطن ومحطات مدريد ولندن ليسوا هم المسلمين الذين آخو بين الثقافات والديانات‏,‏ ووحدوا الشرق والغرب في حضارتهم الأندلسية‏.‏

أظرف ما في هذا الموضوع‏,‏ أن صمويل هنتنجتون اضطر لأن يراجع نفسه‏,‏ ويتخلي عن صدام الحضارات‏,‏ وإن ظل مصرا علي أن الصراع لن يتوقف في داخل الولايات المتحدة بين السود والبيض‏!‏

وكل ذلك بحسب رأي  ‏أحمد عبدالمعطي حجازي في المصدر المذكور.

المصدر: الإهرام المصرية-8-3-2006