أميركا والصين... سوء فهم من طرف واحد!

 

 

يبدو أن الأميركيين منفصلون تماماً عن الواقع الحالي للصين ويعانون من نقص حاد في المعرفة بها، على نحو لاشك أنه سيؤثر على العلاقات الثنائية بين البلدين على المدى البعيد، وهو الخلل الذي يفوق في حدته وتداعياته العجز التجاري الأميركي المتنامي مع الصين. لكن الوقت قد حان لكي تعالج الولايات المتحدة هذا الخلل، لاسيما في وقت تعود فيه الصين إلى الساحة العالمية وتفرض نفسها كقوة صاعدة. وليس هناك ما يوضح هذا الجهل بالصين في الأوساط الأميركية أكثر من الصدمة التي يتقاسمها الزائرون الصينيون إلى الولايات المتحدة، بحيث يبدو الأميركيون غارقين في تناقضات لا حصر لها. ففي حين أن الأميركيين لا يتوقفون عن الإشارة إلى القوة الصينية الصاعدة، إلا أنهم يجهلون الكثير من الأشياء عن بلاد التنين الأصفر. ولئن كان الوضع الأميركي الحالي كقوة عظمى في العالم يبرر بعض هذا الإهمال في معرفة الآخر والإلمام بتفاصيله وملامحه، فإن ذلك غير مبرر خاصة بالنسبة للنخب الأميركية والخبراء الذين يساهمون في صياغة الأفكار حول الصين؟

فالغالب على هؤلاء الخبراء الأميركيين في الشؤون الصينية عدم تحدثهم باللغة الصينية، فكيف يمكنهم الإحاطة بثقافة بلد ما دون أن يجيدوا لغة التواصل بين مواطنيه؟ وهذا النقص الكبير في المعرفة بالصين هو ما يفسر في جزء كبير منه الأفكار والتصورات المغلوطة المترسخة في أذهان الغربيين والحقيقة أنه عندما نتكلم عن الأفكار النمطية فإننا نعني بذلك ثلاث مغالطات أساسية دائمة التكرار في وسائل الإعلام الأميركية. والمغالطة الأولى، هناك مقولة إن الصين قوة صاعدة، وأي قوة صاعدة هي بالضرورة خطرة. لكن الواقع يشير إلى أن الجزء الأول من هذه المقولة غير دقيق، فيما الجزء الثاني خاطئ تماماً، ذلك أن الصين ليست فقط قوة صاعدة نبتت من فراغ، بل هي قوة عائدة، لأنها كانت قوة قارية موحدة وموجودة على مسرح التاريخ لأكثر من ألفي سنة والصين بما أنها قوة عائدة وليست مستحدثة فهي تتسم بالهدوء والنضج وضبط النفس تماماً مثل بطل رياضي سابق عاد إلى حلبة السباق بعد فترة من الراحة. وأكثر من ذلك أن التاريخ يوضح لنا طبيعة النظم الحاكمة في الصين وابتعادها عن النزعات التوسعية والاستعمارية التي ميزت دولاً أخرى مثل ألمانيا واليابان، بل عُرف عن الأسر الحاكمة بناؤها للأسوار الدفاعية والمغالطة الثانية التي تحكم التصور الأميركي عن الصين تتمثل في أنها بلد شيوعي والشيوعية شر مطلق، وهي الصفة التي دائماً ما تلصقها وسائل الإعلام بالصين وتعتبرها أحد أهم محدداتها المعاصرة والواقع أن الماركسية اليوم بالنسبة للصينيين لا تختلف عن الليبرالية الديمقراطية بالنسبة لهم، وعندما نلقي نظرة إلى التاريخ الصيني فإننا لن نجد ثقافة أجنبية نجحت فعلاً في اقتلاع الخصوصيات الصينية، بل لقد انصهرت التيارات الخارجية في بوتقة الحضارة الصينية واصطبغت بألوانها المميزة لذا فإن الصين ستبقى دائماً كما هي، سواء بوجود الشيوعية، أو بدونها، فضلاً عن أن الحزب الشيوعي الحاكم يمكن أن يغير اسمه إلى الحزب الكونفوشيوسي الصيني دون أن نلاحظ الفرق، أو يتغير شيء في هياكله التنظيمية كما أن جميع الشعارات التي تبناها زعماء الصين مثل "الحكم بالفضيلة" الذي روج له الرئيس السابق "جيان زيمين"، أو "المجتمع المتجانس" الذي يعتمده الرئيس الصيني الحالي "هو جينتاو" ترجع إلى العقيدة الكونفوشيوسية أكثر منها إلى الأيديولوجية الماركسية. لذا فإن اختيار الشيوعية كملمح مميز للصين المعاصرة يحجب العديد من الحقائق، ولا يلتقط صورة الصين كما هي في الواقع.

أما المغالطة الثالثة حول الصين فهي تلك المرتبطة بحادث ساحة "تيان إن مين" في عام 1989 الذي مازال حاضراً في أذهان الصينيين. والواقع أن استحضار هذا الحادث لوصف الصين يدل فقط على الهوة المتنامية في الفهم التي يعاني منها المراقبون الأميركيون. فلاشك أن ما حدث كان مأساوياً بكل المقاييس، لكن الحادث مر عليه زمن بعيد، وجرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك الوقت وحتى الآن. فالصينيون الذين ولدوا في عام 1989 يبلغون اليوم 19 عاماً من عمرهم، وما يهمهم ويستحوذ على اهتمامهم ليس الرجل الذي وقف في وجه الدبابات، بل نجوم الموسيقى الصينية والبرامج التلفزيونية. ولم يعد هذا التركيز الأميركي على القضية يحمل أي مبرر، وهو يشبه استحضار فضيحة "ووترجيت" اليوم في أميركا ويتحول هذا النقص في المعرفة بالصين إلى إشكالية حقيقية في إطاره العام، إذ في الوقت الذي يتعلم فيه الطلبة الصينيون الإنجليزية منذ المراحل الأولى، ويطلعون على الثقافة الغربية في المراحل الجامعية، يبقى الطلبة الأميركيون بعيدين عن الثقافة الصينية، على رغم ارتفاع أعداد الأميركيين الذين يدرسون في الجامعات الصينية خلال السنوات الأخيرة. والحقيقة أن حاجة الأميركيين لمعرفة الثقافة الصينية تزداد يوماً بعد يوم، أولاً لتبديد جميع الشكوك والمخاوف غير المبررة، وثانياً لأن الجيل القادم من الأميركيين سيعش في عالم ستكون فيه الصين أكبر قوة اقتصادية في العالم.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alittihad