السيادة الوطنية ونهاية "التدخل الدولي"

 

مادلين أولبرايت

 

 

يبين الإهمال الإجرامي لحكومة بورما، وعدم مسؤولية استجابتها للكارثة الإنسانية المروعة التي خلفها إعصار الشهر الماضي مقارنة بالاستجابة الدولية للكارثة نفسها، ثلاث حقائق مؤسفة في عالم اليوم: أولاها أن الأنظمة الشمولية لا تزال باقية وممسكة بزمام السلطة في دولها. وثانيتها تقاعس الدول المجاورة وتراخيها في الضغط على ميانمار وإرغامها على تغيير نهجها الشمولي. وثالثتها أن مفهوم السيادة الوطنية للدول لا يزال يتمتع بالقداسة، بل لا يقل دعم الولايات المتحدة الأميركية لهذه القداسة بسبب كارثية النتائج التي أفضى إليها غزوها للعراق. وبالنتيجة فقد أصبح من المستحيل تقريباً في ظل المناخ الدولي السائد اليوم، القيام بأي تدخل دولي لا مناص منه، على نحو ما شهده العقد الماضي في هاييتي ومنطقة البلقان. وفيما يلي نفصل هذه الحقائق الثلاث ونشرحها على نحو أوفى. وكما سبق القول فإن أكثر هذه الحقائق لفتاً للأنظار، بقاء النظم والحكومات الشمولية في عصر أهم سماته، سهولة الاتصالات الدولية والتقدم الديمقراطي. والملاحظ أن الطغمة العسكرية الحاكمة في ميانمار لا تزال تستخدم ذات الأساليب والأدوات التي استخدمتها الستالينية السوفييتية من قبل، في سحق المعارضين وفرض رقابة أمنية صارمة على حياة المواطنين. ولما كانت هذه هي أولوية نظام باطش لا يعنيه أي شيء أكثر من التشبث بكراسي الحكم، فلم يكن غريباً منه أن يتجاهل مأساة ضحايا إعصار "نارجيس" الذي ضرب البلاد في شهر مايو المنصرم، وألا يأبه لحاجاتهم ومعاناتهم الإنسانية.

ثانية الحقائق المؤسفة تقاعس الدول الإقليمية المجاورة لميانمار عن استخدام وزنها الإقليمي في الضغط على ذلك النظام المستبد بغية إرغامه على تغيير نهجه الاستبدادي. فعلى نقيض الوعود التي قدمها قادة رابطة دول جنوب شرق آسيا، لحظة السماح لبورما -ميانمار حالياً- باكتساب عضوية هذه الرابطة قبل عقد مضى، وما صحبها من طمأنتي من قبل هؤلاء القادة بالضغط على القيادة السياسية في بورما، بهدف حملها على فتح اقتصادها الوطني والاتجاه صوب التحول الديمقراطي، إلا أنه يمكن القول اليوم إن شيئاً من تلك الوعود لم يتحقق بعد، عدا بعض الاستثناءات النادرة والمقدرة. والثالثة هي القداسة التي لا تزال تحظى بها السيادة الوطنية للدول، باعتبارها أولوية تفوق أهميتها احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي. وكان الأمل قد راود الكثير من الدبلوماسيين وخبراء السياسات الخارجية، في أن يؤدي انهيار حائط برلين إلى نشوء نظام دولي تكاملي خال تماماً مما كان يعرف سابقاً بمناطق النفوذ، بما يساعد على لأم الجراح القديمة التي خلفتها إمبراطوريات الحرب الباردة والعهد الاستعماري وفي ظل نظام دولي كهذا، يصبح ممكناً للمجتمع الدولي ممارسة مسؤوليته التي تقتضي أحياناً، تخطي السيادة الوطنية للدول والتدخل في شؤونها عند الحالات الطارئة التي نذكر منها: الحيلولة دون وقوع جرائم التطهير العرقي وتقديم المساعدات الإنسانية لضحايا الكوارث، في حال عجز الحكومات الوطنية أو عدم رغبتها في القيام بهذا الواجب إزاء مجتمعاتها. ومن بين الحالات الطارئة أيضاً: اعتقال مجرمي الحروب واستعادة النظام الديمقراطي.

وقد شهد عقد تسعينيات القرن الماضي سوابق محددة لمثل هذا التدخل، فقد تدخلت إدارة جورج بوش الأب لوقف المجاعة في الصومال وكذلك من أجل مساعدة الشعب الكردي في شمالي العراق. أما إدارة كلينتون فقد ساهم تدخلها في استعادة رئيس منتخب شرعياً وديمقراطياً في هاييتي، بينما تمكن حلف "الناتو" من وضع حد لحرب البوسنة في منطقة البلقان، ووقف الحملة الدموية الإرهابية التي قادها الجنرال سلوبودان ميلوسوفيتش في كوسوفو. ومن جانبهم تمكن البريطانيون من وضع حد للحرب الأهلية التي عصفت بسيراليون. وبالمثل نذكر بعثة الأمم المتحدة الخاصة بحماية حياة المواطنين في تيمور الشرقية.

ولم تكن أي من هذه الخطوات تهدف إلى إنشاء حكومة دولية. بل إنها تشير إلى وجود نظام دولي معني بالدفع قدماً بجملة من القيم الأساسية، من بينها: التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتحقيق العدالة واحترام حقوق الإنسان. ووفقاً لهذا المنظور، فإن احترام السيادة الوطنية للدول لا يزال محل اعتبار محوري. غير أنه ربما تقتضي الحالات تجاوزه أحياناً بالتدخل في شؤون الدول، سواء تم ذلك عبر فرض العقوبات الدولية، أم عن طريق استخدام القوة في أسوأ الحالات، بهدف إنقاذ حياة المواطنين. وعلى سبيل المثال لم تؤد الحرب التي شنتها إدارة بوش على أفغانستان عقب هجمات 11 سبتمبر، لإضعاف هذا المفهوم الدولي، طالما أنها كانت تنطلق من حق الدفاع عن النفس في الأساس. لكن وعلى عكس تلك الحرب تماماً، جاء غزو الإدارة نفسها للعراق مدفوعاً بضباب الخطابية السياسية عن مبدأ الضربات الاحترازية وهو ما يجعل الغزو العراقي مختلفاً على أية حال. والسبب أنه أثار ردة فعل عكسية، إذ أصبحت الدول النامية أكثر عزماً وتمسكاً بحماية سيادتها الوطنية، حتى وإن كانت هذه السيادة على حساب احترام حقوق الإنسان. وهذا ما وفر الحماية لنظام ميانمار القمعي. وبموجب ذلك تمكن السودان من فرض الشروط التي يتم بموجبها نشر قوة حفظ السلام المتعددة القوميات في إقليم دارفور. بل لا يستبعد أن تحقق حكومة زيمبابوي نجاحاً في سرقة نتائج انتخابات رئاسية ديمقراطية. ومن ناحيتهم طالب قادة باكستان إدارة بوش بالانسحاب، على رغم التقدم الواضح الذي تحققه خلايا تنظيم القاعدة وحركة "طالبان" في الجزء الشمالي الغربي الوعر من باكستان. وفي الاتجاه نفسه، فإن المرجح أن يكون القادة الأفارقة قد أعلنوا رفضهم لمشروع إنشاء قاعدة للقيادة العسكرية الأميركية الإقليمية في بلدانهم. هكذا وعلى رغم الجهود الكبيرة المبذولة في إضفاء القدسية على مبدأ مسؤولية المجتمع الدولي إزاء حماية المجتمعات وترسيخ القانون الدولي، فإن مفهوم التدخل الدولي الإنساني، فقد أهميته وبريقه بالنتيجة.

لا يدفعنا هذا بالطبع إلى القول بموت الضمير العالمي، إلا أنه بات مشوشاً بسبب سلسلة الاضطرابات التي شهدتها الأعوام الأخيرة الماضية. والنتيجة سيادة مناخ عالمي جديد، تتمسك فيه الحكومات بسيادتها الوطنية، مخافة أن تواجه بأي انتقادات لسياساتها أو أن يوجه إليها اتهام بالتفريط في حماية هذه السيادة. وبهذا نصل إلى إثارة السؤال الجوهري عما يعنيه مفهوم النظام الدولي: هل هو مجرد وجود جمعي شكلي قانوني لمجموعة من النظم والحكومات العابثة بأقدار شعوبها، والمعنية بالدفاع عن بعضها البعض، أم أنه يعني إطاراً من القوانين الحية الفاعلة التي تهدف إلى جعل العالم مكاناً أكثر إنسانية؟ نحن ندرك سلفاً إجابة حكومة ميانمار عن هذا السؤال، غير أن من المهم جداً أن نستمع إلى رأي وصيحات الشعب البورمي أولاً.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad