مقالات و محاضرات

 

 

نحو تطوير العمل في الخارجية الأميركية

 

ماكس بوت   

 

صُمم الجزء الأكبر من هياكلنا الإدارية المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية لمواجهة أعداء لم يعد لهم وجود في عالم اليوم، خصوصا وأن التهديدات الأكثر خطورة التي تحيق بأمننا لا تأتي من الدول المستقرة، بل تنبثق من التنظيمات غير القومية مثل "القاعدة"، أو من الدول الفاشلة التي تشكل مرتعاً خصباً لأنشطة العناصر الإرهابية وموئلاً مفضلاً لأنشطتهم العدائية. وقد رأينا كيف تعاملت وزارة الدفاع الأميركية مع تلك الأخطار والتحديات بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث قامت بتوسيع القيادة العامة للقوات الخاصة، كما ركزت الاهتمام على البرامج الثقافية وتعلم اللغات الأجنبية. ولئن كانت هذه الخطوات تشكل البداية الصحيحة، غير أنها مازالت غير كافية، لا سيما في ظل العمل الشاق الذي ينتظر وزارة الخارجية والمهام الملقاة على عاتقها. لكن الإدارة الخارجية مازالت حبيسة إطار عتيق يرجع إلى القرن التاسع عشر تقتصر مهمته على استقدام دبلوماسيين تنحصر مهارتهم الوحيدة في التنسيق مع زملائهم. وبالطبع يسلب هذا الترهل في العمل الدبلوماسي وزارة الخارجية القدرة على مواجهة أحد أكبر تحديين وهما: الدبلوماسية الشعبية وجهود إعادة الإعمار.

الدبلوماسية الشعبية التي تعني بعبارة مبسطة مخاطبة شعوب الدول الأجنبية وعدم الاقتصار على قادتها بدأت تحتل مكانة مهمة في ضوء مساعي نشر الديمقراطية في العالم. فقد ولت تلك الأيام التي كان فيها الحكام المستبدون يقررون وحدهم ملامح السياسة الخارجية لبلدانهم دون إشراك للشعوب. اليوم أصبح حصول أميركا على تأييد القادة والحكام مقرونا بحصولهم على تأييد الشعوب والناخبين. لكن، وكما كشفت الأحداث التي جرت عشية اجتياح العراق والجدل الدولي الذي دار حينها مازالت أميركا متأخرة في مجال الدبلوماسية الشعبية. والأكثر من ذلك أظهرت الأحداث التي أعقبت غزو العراق أن واشنطن تفتقد أيضاً للخبرة في إعادة الإعمار. ومن أجل ذلك نحن في أمس الحاجة اليوم لهياكل إدارية جديدة داخل وزارة الخارجية تنهض بأعباء الدبلوماسية وإعادة الإعمار وعدم ترك مسؤوليتهما تقع على كاهل الجيش الأميركي الموزع بشكل مفرط في العديد من مناطق العالم.

وكمحاولة أولى لسد الثغرات التي تعرقل عمل وزارة الخارجية، وتعيق اضطلاعها بالدور المنوط بها، كشفت كوندوليزا رايس عن سلسلة من المبادرات الرامية إلى تأهيل العمل الدبلوماسي ليصبح قادراً على مواجهة التحديات المطروحة على الولايات المتحدة اليوم. وقد بدأت بإعادة توزيع موظفي وزارة الخارجية في العالم ونقلهم من أماكنهم المريحة في الدول الغربية إلى المواقع المتواضعة في الدول النامية بعدما لاحظت أن عدد موظفي وزارة الخارجية في ألمانيا التي يبلغ عدد سكانها 82 مليونا هو نفسه في الهند حيث عدد السكان مليار نسمة. وتشمل المبادرة أيضا فتح بعثات من شخص واحد في المدن التي يفوق عدد سكانها المليون نسمة، وتحديداً في الدول التي لا تملك الولايات المتحدة تمثيليات دبلوماسية بها. وللحصول على الترقية أصبح يشترط على موظفي الخارجية الخدمة في الأماكن الصعبة في العالم. كما ستفتتح وزارة الخارجية مركزاً إقليميا للدبلوماسية الشعبية في الشرق الأوسط يضم موظفين يجيدون اللغة العربية، فضلا عن إقامة مركز لإعادة الإعمار وإرساء الاستقرار.

ورغم الجهود التي تبذلها رايس لتعزيز العمل الدبلوماسي، تبقى مع ذلك غير كافية. فقد تعرضت الدبلوماسية الشعبية لضربة قاصمة عندما أدمجت الوكالة الأميركية للمعلومات ضمن وزارة الخارجية سنة 1999 في خطوة غير موفقة وتفتقد إلى بعد النظر ضغط في اتجاهها وزيرة الخارجية آنذاك مادلين أولبرايت والسيناتور جيسي هيلمز. وقد أدى إدماج وكالة المعلومات مع وزارة الخارجية إلى إغلاق المكتبات الأميركية في جميع أنحاء العالم وإلى تقليص التواصل مع الشعوب. والأكيد أنه مهما بذلت رايس ومن سيأتي بعدها من جهود لتطوير الدبلوماسية الشعبية ستظل عديمة الجدوى ومفتقدة للفعالية اللازمة ما دامت ستبقى خاضعة لمسؤولين في وزارة الخارجية لا يملكون الاختصاص المناسب. وهنا يبرز السؤال لماذا لا يتم فتح الوكالة الأميركية للمعلومات مجدداً بموظفيها المتخصصين وبموازنة قادرة على دعم نشاطها وإعادة الدماء إلى أوصالها؟

وفي هذا السياق يمكن أيضا إحداث إدارة جديدة متخصصة في مجال إعادة الإعمار تقام على شاكلة الوكالة الدولية للتنمية. هذا ولا تكفي المساعي الحثيثة التي يقوم بها مكتب إرساء الاستقرار وإعادة الإعمار بالنظر إلى الصعوبات المرتبطة بالحصول على التمويل والتأييد الكافيبن من قبل الكونجرس. وفي كل الأحوال يتعين تطوير مهارات شبيهة بما كان سائدا في بريطانيا تحت اسم مكتب الاحتلال البريطاني، وهو ما سيضمن النجاح نفسه الذي حققته بريطانيا في السابق. ولهذا الغرض علينا أن نفتح مكتبا مستقلا يعمل بتنسيق تام مع برنامج المساعدات الأميركية ويوفر التمويل اللازم لدعم جهود إعادة الإعمار. لكن إذا ما استمرت المحاولات الراهنة في دمج برنامج المساعدات الأميركية ضمن وزارة الخارجية فإننا سنكرر الخطأ ذاته الذي ارتكبناه عندما قمنا بدمج الوكالة الأميركية للمعلومات في وزارة الخارجية.

ليست الدبلوماسية أمرا سهلا بل تتطلب تمويل وتوظيف العدد الكافي من الموظفين حتى نتمكن من معالجة المشاكل المحتملة قبل تحولها إلى أزمات واللجوء إلى إرسال قواتنا إلى بؤر التوتر. لكن كيف الوصول إلى ذلك في وقت تقدر الموازنة العامة المخصصة للشؤون الدولية بما في ذلك وزارة الخارجية والوكالات التابعة لها، فضلاً عن برنامج الولايات المتحدة للمساعدات الخارجية بـ 35 مليار دولار سنوياً، بينما يبلغ الإنفاق الأميركي على موازنة الدفاع 500 مليار دولار؟

و كل ذلك بحسب رأي ماكس بوت في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-5-3-2006