مجالس المحافظات ورداء اللامركزية

 

عدنان الصالحي

 

 

عاشت المحافظات العراقية بصورة عامة أسلوب النظام المركزي والقبضة الحديدية  منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921م وبقيت قبضة المركز سارية على جميع تلك الأجزاء من البلاد وبطريقة الإدارة الواحدة والتسلسل الهرمي للأوامر، منذ ذلك الحين وبرغم محاولات عديدة جرت للتخلص بطريقة أو أخرى من هذا الأسلوب لكنها جوبهت بالفشل، والعوامل في ذلك متعددة منها الداخلي والخارجي، فيما بقيت حالة المحافظات الشمالية وتجربتها بعد أحداث غزو النظام السابق للكويت حالة انفرادية واستثنائية ولكنها كانت في نفس الوقت تجربة تستحق الدراسة والتأمل وبعد التغيير الحاصل في البلاد عقب دخول القوات الأمريكية له في أبريل عام 2003 فان أسلوب النظام المركزي بدا بالتهاوي أمام النظريات والأفكار المطالبة بفدراليات متعددة وأخرى بـ لامركزية نشطة وبين هذه المطالب، وأخرى يبقى الأساس في ذلك كله آلية وإدارة المحافظات المنتظمة بإقليم أو الباقية المتبعة أسلوب ونظام اللامركزية مع حكومة المركز وكيفية الحصول على مجالس فعالة ونشطة توازي بمسؤولياتها وكفاءاتها مثيلاتها في الدول المطبقة لنفس النظام.

تمارس الحكومات في أي دولة من دول العالم، سواءً كانت تلك المستبدة أم المتمقرطة وظيفتين أساسيتين في آن واحد،  هما: وظيفة الحكم والسياسة، ووظيفة الإدارة وتمشية شؤون المواطنين.  وإذا كانت الوظيفة الأولى (الحكم والتسييس) تحتل اهتماماً كبيراً، إلا أن الإدارة وإنجاز معاملات المواطنين أصبحت اليوم لها الدور الأكبر، حيث إن المعضلات الإدارية والتعقيد المتصاعد في التداخلات الإدارية للدول والاحتياجات اليومية المتشابكة يمكن أن تعرقل الوظيفة الأساسية، وهي: الحكم وسير إدارة الدولة المركزية وإذا كان هناك أكثر من نظرية لإدارة شؤون الدولة، إلا أن اللامركزية الإدارية باتت اليوم أكثر انتشاراً في الدول المتقدمة، وبدأت تستهوي الكثير من إدارات دول العالم الثالث، ومنها العراق على وجه الخصوص.

تُعرف اللامركزية الإدارية بأنها: طريقة من طرق الإدارة يتم بموجبها تقاسم الوظيفة الإدارية بين حكومة المركز، وبين هيئات أو إدارات منتخبة محلية تباشر سلطات ومهام ووظائف محلية بالتنسيق مع الحكومة المركزية ومن وجهة نظر بعض الشخصيات البارزة والمهتمة بالموضوع ومن بينهم الإمام السيد محمد الشيرازي(قد) يرى (أن تطبيق سياسة اللامركزية في أي بلد يحقق الكثير من المزايا، لعل أهمها: أنها ممارسة فعلية لمبدأ الاستشارية السياسية الذي يقوم على أساس اشتراك المواطنين لإدارة شؤونهم والمشاركة في صنع القرار بأنفسهم، وهذا ما يعبر عنه في السياسات الحديثة "بالديمقراطية" فإن النظام الديمقراطي السياسي يمنح الفرد السلطة عن طريق الآخرين الذين يمنحونه هذه السلطة، ولذلك فهي ذلك النظام الذي يستطيع من خلاله المواطنين تحقيق أهدافهم، عن طريق الحكم بواسطة الشعب، ومن أجل الشعب) أما في العراق، فقد اتجه النظام اللامركزي إلى الناحية النظرية والتطبيقية معاً أو ممارسة السلطات المحلية، فعلياً بتشكيل مجالس المحافظات أولا تحت سلطة الائتلاف المؤقتة استناداً إلى أمر السلطة المؤقتة للائتلاف المرقم "71 " الساري المفعول إلى مرحلة التصديق على قانون المحافظات الجديد والذي يدخل حيز التنفيذ عقب انتخابات مجالس المحافظات في تشرين /اكتوبر المقبل..ثم تم انتخاب مجالس المحافظات اثر نتائج الانتخابات التشريعية في 31 كانون الثاني عام، حيث كفل الدستور العراقي لسنة 2005 النظام الإداري اللامركزي، كما كفل إدارة المحافظات التي لم تنتظم في إقليم من قبل مجالس تلك المحافظات وبيّن الدستور في هذا الجانب أن جمهورية العراق تتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محلية (م/116 من الدستور) وبالتالي فان وضع الدولة مبني على شكلين: فيدرالي أو اتحادي، ولا مركزي واشترط الدستور أن تكون تلك المجالس منتخبة انتخابا حراَ مباشراَ وبنفس الطريقة التي اشترطها لانتخابات البرلمان العراقي إن اللامركزية الإدارية ومجالس المحافظات بدأت تأخذ اهتماماً متزايداً بعد التغيير السياسي في البلد ويعزو بعض المحللين التحول نحو هذا النوع من الإدارة إلى عدة أسباب منها:

1- تقسيم البلاد بعد سقوط النظام السابق إلى مناطق عسكرية تحكمها القوات الأمريكية مما شكل مجالس محلية ومناطقية تعمل مع تلك القوات على أساس تسيير الإعمال والخدمات اليومية والذي نتج عنه تقسيم مناطقي إداري يعمل كلاً على حدة.

2- تأخر إقامة الانتخابات أو تشكيل حكومة مركزية إلى عدة أشهر بعد التغيير السياسي مما شكل هاجس لدى الجميع من استمرار حالة الانفلات الأمني والتردي الخدمي، مما تطلب الحاجة إلى إنشاء إدارة محلية تباشر توفير الخدمات وإدارة شؤون المحافظات. 

3- التجارب السيئة مع الأساليب القديمة في الحكم (حكومة المركز المطلقة) ومحاولة تحصين السلطة من انفراد جهة معينة أو شخص محدد وتوزيعها بين أكثر من طرف ومنح صلاحيات أوسع لإدارات السلطة المحلية ضمانا منها لعدم عودة الاستبداد والتصرف الانفرادي.

4- الإقصاء والتهميش والحرمان الكبير الذي عانت منه مناطق عدةّ أبان الحكومات السابقة على الرغم من احتواءها الكثير من الثروات التي لم تنتفع بها،  بل واسُتخدمت بأساليب خاطئة وبشكل سلبي في سير الحكم وتشديد قبضته على حساب الخدمات والمنافع الاجتماعية، التي ولدت ردة فعل بعد التغيير السياسي اتجه نحو محاولة الاستفادة من تلك الثروات الموقعية والتعويض عن الفترات السابقة.

5- التوسع والتشعب الإداري الكبير الناتج من التغيير السياسي والذي يصعب على حكومة المركز مفردةٌ مواجهته والتوجه العام الذي بدا يسود مناطق كثيرة من العالم والانفتاح الذي شهدته البلاد، وتغيير صيغ التفكير من الارتباط المطلق بالمركز إلى إنشاء قيادات مساعدة،  وسريان مفاهيم جديدة في المجتمع العراقي من حيث التعامل القيادي ولاسيما بعد عودة أكثر المهجرين من سياسات النظام السابق واطلاعهم على أساليب الحكم في الدول التي كانوا يقطنوها ومحاولة الاستفادة من تجاربها.

6- محاولة التهرب من تطبيق الفدرالية من قبل بعض الأحزاب السياسية وتخوفها من نتائج تطبيقها، أدى إلى دعمهم الكبير لقضية (اللامركزية الإدارية) والاستمرار في تجربة مجالس المحافظات، وتأجيل البت في تطبق النظام الفدرالي في المحافظات إلى وقت أخر... وهذا بدوره كرس ودعم النظام اللامركزي بصيغة أو بأخرى قد تكون المراحل الانتقالية الأولى والثانية لمجالس المحافظات لم ترق إلى المستوى المطلوب، بتعثرها في عدة مجالات ولكنها  برغم ذلك سجلت انتقاله نوعية في طريقة ونوعية إدارة المحافظات، وكان لها الأثر الكبير في مساعدة الحكومة المركزية على تجاوز عقبات كثيرة رغم  نشأتها الفتية إلا إن هذا لا يتطلب منا الاقتناع بما قدمته تلك المجالس من  نسب نجاح أو عدمه بل لابد من البدء بتشخيص أخطاء التجارب السابقة وتحديد مكامن الخطأ من أول الطريق لنحدد بعد ذلك آليات النجاح والاختيار، ولاسيما مع قرب موعد المرحلة الثالثة لانتخابات هذه المجالس والتي تعتبر الاختبار الحقيقي خصوصا فيما تلبيه من احتياجات المواطن في محافظته، وما تنتظره القاعدة الجماهيرية المنتخبة لها وهنا لابد من وقفة جادة وتأملية في التفكير  خارج إطار العاطفة والشعارات البراقة في التشخيص والمتابعة من قبل المواطن في جميع مفاصل الانتخابات بدء من القانون المقر لمجالس المحافظات والصلاحيات الممنوحة له إلى قانون وآلية الاقتراع ومن ثم تحديد الشخصية المناسبة لمنح الصوت لها كي يكون المواطن مسئول مباشر عن إيصال الكفء إلى موقعه.

المقال لايعبر بالضرورة عن رأي المعهد.

المصدر: shrsc