مقالات و محاضرات

 

الملاحقة في إجازة

 

عبد الرحمن الراشد 

 

عقب القضاء على خلايا الإرهاب في السعودية في السنة الماضية، ظنها البعض نهاية المحنة، باستثناء أهل الاختصاص الذين كانوا أكثر حذرا في التفاؤل. وجهة نظرهم انه بالفعل حسمت المعركة بشكل أثار دهشة الجميع وتقديرهم، لكن الحرب مستمرة. قضي على كل الفرق الانتحارية وقياداتها المعروفة، وبقيت جذور الأزمة ومغذياتها المحلية، إضافة الى العراق أكبر ميدان للتدريب وتجمع الارهابيين. لاحقا سيكون العراق الطارد ومنطقتنا ستظل الجاذبة، وهنا سيعود الارهاب يهدد دول المنطقة أكبر مما فعل من قبل.

حاليا الارهاب في استراحة عملية، لكنه مستمر بحيوية في نشاطه الفكري الرافع للشعارات السياسية والمحرض الشعبي لها. والحرب أصلا فكرية قبل ان تكون عسكرية، ومن خلال نشر فكر التطرف جرى ويجري تجنيد مزيد من المئات من الشباب في انحاء العالم، وتستمر المعركة على قلوب الناس وعقولهم، لاستمالتهم الى جانب الارهاب الذي يغلف بقضايا اخلاقية ودينية كبيرة المفاهيم والحوادث.

وما يدهشنا ليس إصرار هؤلاء على دفع مشروع التغيير بالقوة فكرا وسلاحا، لأنهم يقومون بما يؤمنون به، بل المدهش ان المكافحة التي ظهرت بعد أحداث الرياض الدامية قبل ثلاث سنوات تراجعت مع تراجع العمليات العسكرية. ولا يمكن ان نفهم الارهاب بدون ان نعرف علاقته بالتطرف الذي يعتمد التمدد عبر وسائل تساند بعضها وتوصل في النهاية الى الهدف المطلوب. كانت تستخدم التبرعات الانسانية لتنفقها على شراء السلاح وتمويل التجمعات وتجنيد الشباب، وشن حملات فكرية عبر بناء المواقع الالكترونية والمطبوعات والمطويات والأشرطة والندوات. باسم الصدقة والزكاة والإحسان ودعم الخير لا تزال تستمر عمليات الجمع والتمويل والتحريض. ومن الطبيعي ان تنتج لاحقا أجيالا متطرفة جديدة تؤمن بالتغيير بالقوة ضد المجتمع الذي يقوم برعايتها او يسكت على ممارساتها.

والناس بتدينها الفطري فريسة سهلة لكل من استغل شعار الخير والثورة على الضيم. طوردت ولوحقت الفئات الضالة وقضي على خلاياها العسكرية، وظن انها نهاية الارهاب، وهو فهم خاطئ لطبيعة منتج العنف الفكري. وما لم تستمر الضغوط من أجل وضع كل النشاطات التي سبق ان استخدمت لمأسسة العنف في اطارها السليم ، فإنها الى اليوم تظل قابلة للانحراف. وعلينا ان نتذكر ان المتطرفين المؤمنين بقوة التغيير لن يرتكبوا الاخطاء التي ارتكبوها في المشروع المدحور الذي أجهض امنيا. سيعملون على تغيير اساليبهم مع العمل على تحقيق النتيجة التي فشلوا في الوصول اليها في المرة السابقة. ميادينهم التعليم والدعوة والعمل الخيري والإغاثة والتدريب ودور العبادة والإعلام.

سيحاولون اختراقها واستغلالها ونشر دعوتهم. وهي ميادين يمكن ان تستمر مصانة من التطرف والمتطرفين المؤمنين بالعنف. يمكن ان يستمر الخيري والدعوي والإعلامي والسياسي والرأي المعارض البريء، اذا وضعت له قواعد واضحة، وألزم بشفافية مؤكدة، حتى يعرف الناس أين ذهبت أموالهم وأين ذهب أولادهم.

وكل ذلك بحسب رأي عبد الرحمن الراشد في المصدر المذكور

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-1-3-2006