في ظل الفدرالية...

 

أحمد جويد

 

تختار الدول نظام الحكم الذي يتلاءم وطبيعة النسيج الاجتماعي لمواطنيها أو الرقعة الجغرافية أو التشكيلة السياسية أو غيرها من الأمور التي يرى فيها قادة كل بلد تحقيق المصلحة والمنفعة العامة والدفع بالبلاد نحو التقدم والرقي، وفي كل تلك الأمور يكون للشعب دور بارز ورأي مسموع يُأخَذ بنظر الاعتبار من أجل سن القوانين التي تنظم شكل الدولة وتحدد طبيعة نظام الحكم فيها.

 ونتيجة للحالة المأساوية والظلم والاستبداد الذي عانى منه الشعب العراقي طوال الحقب الماضية من قمع وتشريد بوجود النظام المركزي للدولة في الإدارة والحكم، وما أفرزه من سلبيات كبيرة على الواقع العراقي، ارتأى قادة العراق الجدد أن يكون النظام الجديد للعراق قائم على أساس الفدرالية للتخلص من تبعات وتسلط حكومة المركز والتعقيد في إقامة المشاريع وتمشية أمور المواطنين في دوائر الدولة وغير ذلك من السلبيات التي تصحب النظام المركزي، ليحل محله النظام الفدرالي بعد أن اشتملت مواد الدستور على حق إنشاء الأقاليم لكل محافظة أو أكثر وفقاً للنصوص والضوابط التي حددها الدستور.

وبذلك فإننا اليوم أمام حقيقة دستورية لا يمكن التراجع عنها من قبل الأطراف السياسية التي استقتلت من أجلها أثناء سن النصوص الدستورية والتصويت على إقراره، وما تشتمل عليه الفدرالية من إنشاء أقاليم ذات صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية ينطوي على أمل كبير في الوصول إلى حالة التقدم الاقتصادي والعمراني وتوفير فرص العمل ورفع المستوى المعاشي لأبناء الإقليم بحسب النسب التي حددها الدستور لهذا الإقليم أو ذاك من الناتج الإجمالي المستحصل من مواردها الطبيعية، ومن دواعي الأمل أيضاً إن أغلب التجارب العالمية حققت نجاحات واسعة في المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية في ظل الفدرالية.

ففي ظل الفدرالية لا نحتاج الرجوع إلى حكومة المركز في كل صغيرة وكبيرة، وفي ظلها يخطط للإعمار من قبل أبناء المناطق أنفسهم، وفي ظل الفدرالية تنجز جميع المعاملات المتعلقة بالمواطنين ودوائر الدولة داخل الإقليم دون الرجوع إلى المركز، وفي ظلها تعرف حكومة الاقليم عن كثب مدى الحاجات الضرورية التي تخدم المواطن كي توضع في أولويات العمل، وفي ظلها يتم تطيور النظام الاقتصادي ويتحرر السوق من الاحتكار، وفي ظلها يتم القضاء على الفساد المالي والإداري بمساعدة أبناء الإقليم وتعاون الجهات السياسية المتنفذة والأجهزة الحكومية. 

ومع تعالي الأصوات في الأوساط السياسية العراقية في تطبيق الفدرالية ونظام الإقليم في العراق نجد ثمة مفارقة تكمن في مناطق الوسط والجنوب وما يمكن أن يخلفه تطبيق الفدرالية من عدمها على حالة الانسجام والألفة ووحدة الموقف لأبناء هذه المناطق، فضريبة الدم التي دفعها ويدفعها أبناء الوسط والجنوب طوال عقود من الزمن ولا تزال إلى يومنا هذا، قد لا تأتي أُكُلَها في ظل حراك محموم وتسابق خطير وشحن حزبي ومناطقي لإقرار النظام الفدرالي وإنشاء الأقاليم، وقد يكون الترويج للفكرة المبني على أسس خاطئة بمثابة "بيت العنكبوت"، وقد يكون التنظير للفكرة المبني على إلغاء الأخر واستخدام لغة التهديد والقوة بدلاً من لغة الحوار والتفاهم بين الأوساط السياسية المتنفذة هناك والتميز المناطقي في تقديم الخدمات والإعمار لمنطقة على حساب المناطق الأخرى مقدمة من مقدمات الدكتاتورية في إدارة الأقاليم وسبب من أسباب الفشل لبادرة أمل طالما حلم بها أبناء تلك المناطق كي يتمتعوا بالنعم والثروات التي تسرق من تحت أرجلهم، وبالتالي يتمنى الناس لو أنهم ردوا إلى ما كانوا عليه تحت ظل دكتاتورية مركزية أرحم لهم بكثير من العيش في ظل دكتاتوريات الأقاليم.

فالحق الذي منحه الدستور العراقي الدائم للمحافظات بإنشاء الأقاليم في ظل نظام فيدرالي هو إنجاز يحسب للجهات التي قامت بتشريعه وإقراره، إلا أنه سوف ينطوي على مشاكل كبيرة وخطيرة في حال استفردت جهة ما في الاستئثار بإدارة الإقليم دونما مشاركة حقيقية وفعلية مع الجهات الأخرى، ويتم من خلال ذلك التناحر السماح لجهات خارجية أو دول أجنبية بالتدخل في الشؤون الداخلية للإقليم والعمل على زعزعة أمنه واستقراره وقد تصل الامور في نهاية المطاف الى نشوب حرب أهلية (لا سامح الله).

   إذن لا بد للحكماء من موقف وللعقلاء من رأي وللمنصفين من كلمة قبل أن يصل الأمر إلى ما لا يحمد عقباه، وبدلاً من أن نكون قد رفعنا الظلم والحيف عن أبناء تلك المناطق باسترداد ولو جزء يسير من حقوقهم نكون قد تسببنا لهم في فتنة بين الأخ وأخيه، فمن يضمن أن لا تقود حمى التنافس الحالية على إدارة المحافظات إلى وباء خطير بين شرائح المجتمع في مناطق الوسط والجنوب في ظل إدارة الأقاليم، ومن يضمن أن لا تكون لغة السلاح والاغتيالات على الانتماء هي السائدة لتصفية الحسابات بين الاحزاب السياسية، فعلى من يريد تطبيق الفدرالية أن يضع في ذهنه ونصب عينه مقدمات الفدرالية لتكون تجربة ناجحة بدلاً من أن تطبق على علاتها ولات ساعة مندم.

ومن بين أهم تلك المقدمات التي يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار:

1- يجب التريث في مسألة إنشاء الأقاليم إلى حين الانتهاء من التعديلات الدستورية وسن قانون الانتخابات الجديد لضمان قانونية العمل التشريعي الذي سوف تعمل عليه سلطات الأقاليم المرتقبة، خصوصاً وأن تجربة مجالس المحافظات مع كونها تجربة ديمقراطية جيدة إلا أنها أفرزت حالة كبيرة من السلبية.

2- التوصل إلى قناعات مشتركة بين الأحزاب السياسية في تطبيق مبدأ الفدرالية ونوعها والابتعاد عن لغة الإملاءات والقوة ولأساليب الملتوية في تمرير القرارات.

3- فسح المجال أمام منظمات المجتمع المدني في التعريف للمفاهيم الفدرالية وما تنطوي عليه من إيجابيات وسلبيات بحيث يعي المواطن جيداً المزايا التي يشتمل عليها ذلك النظام قبل أن يصوت مع أو ضد إنشاء الأقاليم وأن يكون قراره مبني على قناعات كون المسألة تعنيه بالدرجة الأولى أكثر مما تعني السياسي الذي يريد تطبيقها.

4- أن يُستفتى أبناء المناطق التي ترغب في الانضمام للأقاليم وفقاً للنصوص الدستورية وفي ظل ظروف أمنية وسياسية مستقرة.

5- أن يسبق إنشاء الأقاليم حالة كبيرة من إعادة الثقة بين الأوساط السياسية في المناطق المراد ضمها للأقاليم لأن كل الأطراف السياسية لها نفوذ ولها أتباع وأنصار في جميع المناطق كي تكون المسؤولية مشتركة بين الجميع، بالإضافة إلى إعادة ثقة المواطن بالأحزاب السياسية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: shrsc