ماذا بعد انعزال مقتدى الصدر عن الساحة السياسية؟

 

محمد عبد الجبار الشبوط

 

ليس من المعتاد ان يتحدث القادة والرؤساء والزعماء والمتصدون للشأن العام بصراحة ووضوح عن عدم قدرتهم تحقيق اهدافهم، وعن الاسباب الى دعتهم الى اتخاذ قرار انعزالهم او اعتزالهم او انقطاعهم المادي عن عالم السياسة، حيث مجال العمل على تحقيق تلك الاهداف، بمثل الصراحة التي تحدث بها السيد مقتدى الصدر، وهو يروي قصة ذلك كله في رسالته الجوابية في 5 مارس/اذار (او 27 صفر 1429 كما جاء في الرسالة).

في حياتي لست اتذكر سوى جمال عبد الناصر الذي تلى رسالة الاستقالة وتحمل المسؤولية الشخصية بعد هزيمته في 5 حزيران/يونيو عام 1967. كان بمقدور صدام حسين ان يفعل ذلك في اكثر من مناسبة، ولعل اكثرها حضورا في الذهن هزيمته النكراء في حرب تحرير الكويت عام 1991. لكنه لم يفعل.

تحدث السيد مقتدى، في رسالته التي تنطوي على الشيء الكثير من المرارة والاحباط، عن الاسباب التي دعته الى "الانعزال". وهي اسباب اختلط فيها الشخصي بالعام، تبدأ من الحاجة الى التفرغ الشخصي "طلبا للتكامل العلمي" عن طريق الدرس والبحث على الطريقة الحوزوية، الى الابتعاد عن الساحة العراقية التي هي "عبارة عن ساحة للسياسة الدنيوية المحضة، وهي فتنة بطبيعة الحال"، الى الشكوى من تفرق الكثير من المقربين والاتباع "وانغماس الكثير ممن كنا نحسن الظن بهم في مهاوي السياسة ووديانها وانغماسهم في الدنيا واحزابها". وهذه الاسباب، على اهميتها، لا يمكن ان تضاهي السبب الذي يكاد يكون جوهريا في تفسير الانعزال، وهو عدم القدرة على تحقيق الاهداف، او الهدفين اللذين وضعهما السيد مقتدى لتحركه السياسي بعد سقوط نظام صدام حسين، وهما: "تحرير العراق، وجعل مجتمعه مجتمعا اسلاميا مؤمنا مخلصا"، حيث يقول بوضوح وصراحة لا نجدهما كثيرا في الحالات المشابهة: "ولعلي للان لم افلح بكلا الامرين قصورا مني او تقصيرا – الله العالم - او قد يكون قصور او تقصير من المجتمع، او كليهما". هنا بيت القصيد، او مربط الفرس. ثم يلخص قراره "اذن، بقاء المحتل، او قل عدم تحرير العراق من جهة، وعدم انصياع الكثير وانحرافهم عن جادة الصواب دفعني للانعزال عنهم احتجاجا على ذلك واعتراضا عليه"، دون ان يغلق الباب امام عودة محتملة اذا وجد "المصلحة في الرجوع ان زالت الاسباب شيئا فشيئا".

قرار الانعزال لا يخص التيار الصدري فحسب، بل هو امر ذو علاقة وثيقة بمجمل المشهد السياسي العراقي وتطوراتها اللاحقة. لأن التيار الصدري، الذي يملك 30 نائبا في البرلمان ومليشيا مسلحة تعتقد بعض الدوائر ان عدد افرادها ربما وصل الى 60 الف مسلح، اضافة الى ناخبين قد يصل عددهم الى المليون، فضلا عن حصة مقررة في الحقائب الوزارية، يمثل قوة مؤثرة في هذا المشهد، لا يمكن تجاهل تطورات وضعها الداخلي.

الاهداف: يقوم القادة بتحديد الاهداف انطلاقا من رؤية ايديولوجية او سياسية مسبقة، او بناء على قراءة للواقع، وتكون قراءة الواقع اما ذاتية، منطلقة من الوعي الشخصي للقائد، او بناء على استقراء علمي تدعمه وسائل استطلاع الرأي التي تكشف عن رغائب الجماهير واحتياجاتها، التي يحولها القائد الى اهداف سياسية يحرك الجماهير للعمل على تحقيقها. لا يصعب على السياسي العراقي ان يضع "تحرير العراق من الاحتلال" هدفا لتحركه، وهو يرى قرابة 150 الف جندي اميركي في بلده، بغض النظر عن التكييف العملي او السياسي او القانوني لوجود هؤلاء، وبغض النظر عن الوسائل التي سوف يعتمدها لتحقيق هذا الهدف، سواء كانت وسائل عسكرية ام سياسية. كما لا يصعب على "الاسلامي" ان يجعل "بناء مجتمع اسلامي في العراق"، هدفا له، باعتبار ذلك من الاهداف الدائمة لدى الاسلاميين، احزابا او اشخاصا، رجال دين ام غيرهم.

لكن قد لا يبدو ثمة ترابط سبب او عضوي بين الهدفين، خاصة لجهة اختلاف الحيز المكاني، لاشتغال كل منهما، ولاختلاف الحيز الزماني الذي سيحتاجه كل هدف منهما للتحقق والانجاز، فضلا عن اختلافهما الموضوعي في الطبيعة. لكن قد يجادل البعض في ان "تحرير العراق من الاحتلال" سوف يسهل او يمهد الطريق امام "اقامة مجتمع اسلامي"، او بالعكس، ان اقامة مجتمع اسلامي تجعل الناس اقدر على العمل من اجل تحرير العراق. وقد يجادل اخرون في نفس الهدفين، ويرون هدفا اخر، او اهدافا اخرى غيرهما، مثل اقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، تأخذ على عاتقها، من بين امور اخرى، استعادة السيادة العراقية وفقا لقرارات الامم المتحدة والشرعية الدولية، ومثل تحسين مستوى معيشة الناس وتوفير الخدمات الضرورية لهم، وفي مقدمتها بطبيعة الحال الامن وشرائط الحياة الكريمة ومستلزماتها.

ماذ بعد؟ اخبر السيد مقتدى قراء رسالته من اتباعه انه شكّل لجنة "لإدارة اموركم"، لكنه لم يوضح موقفه، وموقف التيار الصدري، بعد انعزاله عنه، من الهدفين اللذين لم يفلح في تحقيقهما. وفي الحالات المشابهة يكون القائد او الاتباع امام عدة خيرات ازاء الاهداف المنصوص عليها.

الخيار الاول، الانعزال او الانسحاب، وهذا هو قرار السيد مقتدى شخصيا كما تقول رسالته. وقد يؤدي هذا الخيار، اذا لم تتخذ تدابير احترازية، الى تفكك التيار السياسي او تشظيه، او تحوله الى مجموعات محلية مرتبطة باهداف محلية، او موته واضمحلاله.

الخيار الثاني، مواصلة تبني نفس الاهداف السابقة، ومواصلة العمل على تحقيقها، وبنفس الاساليب والطرق، بغض النظر عن الفشل الذي تحقق، والاحباطات التي تلت ذلك، والثمن الذي تم دفعه دون طائل.

الخيار الثالث، الابقاء على نفس الاهداف ولكن مع اعادة النظر بالاساليب والطرق، والبحث عن اساليب ووسائل جديدة اكثر قدرة على الانجاز واقل كلفة.

الخيار الرابع، التخلي عن الاهداف السابقة، والبحث عن حزمة اهداف جديدة يراها الطرف المعني محققة لالتفاف الجماهير من جهة، وحافزا لتحريكها مرة اخرى، من جهة ثانية.

ليس من وظيفة المحلل او الكاتب ان يحدد ايا من هذه الخيارات هو الانسب بالنسبة للطرف السياسي المعني، فهذه مسؤولية قادته ومسؤوليه وكوادره واعضائه. لكن الصمت عنها، وقلة التفكير بها، ليس من صالح هذ الطرف. يستطيع المحلل ان يلاحظ ان قادة التيار الصدري، ومناصريه وكتابه، انشغلوا كثيرا بتفسير الفرق بين الانعزال والاعتزال، والتأكيد على ان السيد مقتدى مازال موجودا بينهم وانه يؤدي مهامه كالسابق، وكأنهم في معرض الدفاع عن شيء، دون الالتفات الى بيان الموقف من الهدفين اللذين اعلن انه لم يفلح في تحقيقهما. يستطيع المحلل ان يلاحظ ان التيار الصدري يمر الان بمرحلة ذهبية للمراجعة واعادة النظر بالاهداف والاساليب وحتى الاشخاص، وقوام هذه المرحلة حالة ربما تقرب من السبات، عنصراها: تجميد جيش المهدي، وانعزال السيد مقتدى. ثمة فسحة من التفكير الهادئ امام التيار الصدري، يمكن ان تسفر لو تم استثمارها بصورة جيدة عن ولادة جديدة للتيار الصدري، تقطع الصلة مع الاسباب التي ادت الى عدم الفلاح في المرحلة السابقة، وتقيم صلة جديدة مع اهداف ووسائل تملك حظوظا اكبر من النجاح. ومثل هذا النجاح يجعل التيار الصدري جزءاً مهما من الحل، وليس جزءاً من المشكلة، في وقت بات التوصل الى مخرج للازمة السياسية في العراق اكثر من ضرورة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:wasatonline