إعادة ترتيب الأولويات...مهمة الرئيس الأمريكي القادم

 

عماد حرب

الرئيس الأمريكي الجديد وإعادة ترتيب الأولويات

لا تزال معركة الانتخابات التمهيدية الأمريكية على أشدها حتى اليوم، مع أن كثيراً من الولايات انتهت بالفعل من اختيار المرشحين النهائيين للحزبين الديمقراطي والجمهوري. وتأتي هذه الانتخابات في وقت يسود فيه القلق داخل الولايات المتحدة حول مستقبل هذا البلد وتأثيره المحتمل على مسار العلاقات الدولية. ولكن الأكثر أهمية، هو أن هذه الانتخابات تأتي في الوقت الذي يشعر فيه الأمريكيون بحاجة ماسة إلى إعادة ترتيب أولوياتهم وتغيير اتجاههم بعد ثماني سنوات من السياسات الداخلية المثيرة للجدل والورطات الخارجية المكلفة. وبالتالي، سيكون على الرئيس الجديد مسؤولية توجيه الآمال الأمريكية بالشكل الذي يخدم مصالح البلاد.

في الداخل، يواجه الأمريكيون مشكلات اقتصادية ومسائل اجتماعية تحتاج إلى حلول سريعة؛ فالبطالة ترتفع والعجز في الميزانية يزداد والمداخيل تنخفض، كما يعاني الاقتصاد الأمريكي من انخفاض مستمر في قيمة الدولار وأزمة ائتمان وقروض عقارية سيئة وعجز تجاري غير مسبوق. وما يزيد من حدة المشكلة هو أن الجمهور الأمريكي قد فقد الثقة في قدرة إدارة الرئيس بوش على إيقاف الانزلاق الاقتصادي؛ فمن محاولات الإدارة لجعل التخفيضات الضريبية التي جرت منذ عام 2001 دائمة، إلى مشروع قانون ميزانية العام 2009 الذي يحتوي على عجز بنحو 415 مليار دولار، ويخصص 515 مليار دولار للإنفاق العسكري، لا تظهر هذه الإدارة على أنها الراعي الصالح لاقتصاد البلاد.

اجتماعياً، يبحث الأمريكيون عن أجوبة حصيفة لقلق ينتابهم بشأن الضمان الاجتماعي والصحي للشيخوخة، الذي يقلل مشروع قانون الموازنة الجديد من نسبة ارتفاعه، وحول قضايا الهجرة والحرية والتربية ودور الدين في السياسة. وبينما سعت الإدارة خلال السنوات الثماني الماضية إلى تسيير البلاد في اتجاه محافظ، يرى معظم الأمريكيين أن ثمة حاجة الآن إلى حلول معتدلة لهذه المشكلات. فهم يريدون مجتمعاً منصفاً يعتني بالفقراء، وليس لديهم مشكلة مع المهاجرين بل يقدّرون مساهماتهم للمجتمع، ويدعمون الحرية الشخصية، ويؤيدون تبني سياسة تعليمية ناجحة وغير أيديولوجية، ويعملون لفصل الدين عن مؤسسات الدولة. وبشكل عام، يفضل الأمريكيون سيادة روح التعاون بين الحزبين الكبيرين بدلاً مما يبدو، أحياناً، كأنه صراع حاد بين ثقافتين يفصلهما الانقسام والتنافر.

وفي الخارج، يجد الأمريكيون أنفسهم في مآزق كبيرة نتيجة لمغامرات ولدت في عقول محافظين جدد أرادوا إعادة هيكلة العالم حسب رغباتهم. ومنذ عام 2001، وبالتحديد بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، ارتأى هؤلاء أن يمتطوا حصان القوة العسكرية الأمريكية إلى أفغانستان والعراق وإلى غياهب "الحرب على الإرهاب"، فقط ليكتشفوا أن أحلامهم بالتفوق الأمريكي صعبة التحقيق، وأنهم دفعوا بأمريكا لأن تصبح شبيهة بالقوى الاستعمارية القديمة بدل أن تكون الشعلة المرجوة. وإذا كان لمعركة الانتخابات التمهيدية الحالية أي بعد خارجي، فهو أن تركز على ضرورة تراجع الولايات المتحدة عن هاوية الحرب المستدامة والخطاب الحربي، وأن تساعد العالم على إيجاد سلامه المبتغى.

يدرك التوّاقون للرئاسة هذه الحقائق وأهميتها، وإن كانوا يختلفون في سُبل حلها؛ فمن الجانب الديمقراطي، اقترح السناتوران هيلاري كلينتون وباراك أوباما سلسلة من الأفكار التي تطوي كثيراً من صفحات السنوات الثماني الماضية. أما في الجانب الجمهوري، فهناك السناتور جون ماكين، اللذي يمثل استمراراً معدّلاً لسياسات الرئيس بوش الاقتصادية والاجتماعية والدولية. ومهما تكن نتائج الانتخابات التمهيدية، فسيبقى في الحلبة مرشح ديمقراطي وآخر جمهوري يخوضان معركة تشرين الثاني/نوفمبر المقبل حول عناصر متنافسة من أجندتي التغيير والاستمرارية. وسيكون المرشح الرابح هو ذلك الذي يستطيع أن يجد طريقة مثلى للجمع بينهما.

في الوقت الراهن، ما يزال من الصعب التنبؤ بنتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي؛ لأن كلينتون وأوباما يتقاسمان الجائزة بالتساوي. ولكن ما هو واضح هو أن هيلاري كلينتون لم تعد المرشح الطبيعي للفوز كما كانت منذ أشهر قليلة فقط؛ فخطاب أوباما حول التغيير، وكونه المرشح المفضل عند الأمريكيين الأفارقة في الحزب الديمقراطي، وقلة جاذبية هيلاري وبيل كلينتون السياسية والاجتماعية، كل ذلك ساعد في زيادة صعوبة هذه المعركة عليها. وبالحقيقة، فإن نجاح أوباما في انتخابات "الثلاثاء الكبير"، التي جرت يوم 4 شباط/فبراير وبعده، قد يتسبب في نقل المعركة بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية إلى قاعات المؤتمر العام للحزب في مدينة دنفر بولاية كولورادو في الأسبوع الأخير من آب/أغسطس القادم؛ حيث سيكون "للمندوبين الكبار" أهمية قصوى.

ورغم اتفاق جميع المرشحين في الانتخابات التمهيدية الحالية على مركزية المصالح الوطنية الأمريكية، فإنهم يختلفون حول أفضل الطرق لحمايتها. وتعتبر قضية العراق من أكثر المسائل قلقاً وتعقيدا اليوم؛ حيث تتبادل هيلاري كلينتون وأوباما الاتهامات حول من قام بدعم هذه الحرب منذ بدايتها ومن عارضها، وبينما تقترح الأولى، وهي التي دعمت قرار الحرب، انسحاباً تدريجياً يمتد على مدى سنوات، يريد الآخر الانسحاب الفوري. من ناحية أخرى، دعم جون ماكَين سياسات الرئيس بوش منذ البداية، وهو يرى أن أفضل الحلول تتمثل في البقاء بالعراق. وبصرف النظر عن هوية المرشحين اللذين سيخوضان الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر القادم، فإن العراق سيبقى مسألة شائكة في المعركة الانتخابية، تزيد من تعقيدها قضايا إيران وباكستان وأفغانستان وروسيا الجديدة.

ويبقى ترتيب الأولويات هو جوهر السياسة، فيما تبقى الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تُجرى كل أربع سنوات مناسبة مهمة لإعادة التفكير بلائحة هذه الأولويات. وهذا العام، يرى الأمريكيون لائحة طويلة من الأولويات، وهم يبحثون عن مرشح يدرك أهمية قيادة البلاد بخطة واضحة للقيام بما يجب للتغلب على الصعاب التي تعترض مسيرة بلادهم. وقد تدعو مجموعة المرشحين الرئاسيين الحالية إلى التغيير أو قد تصر على اتباع المسار الحالي، ولكن في النهاية سيكون الرئيس المقبل هو ذلك الشخص الذي يستطيع أن يجمع بين متطلبات عملية التغيير وفضيلة الاستمرارية حتى ينجح في قيادة أمريكا للسنوات الأربع القادمة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:ecssr-12-3-2008