الإسلام وحبّات محمد وأسقف "كانتربري"

 

كتب محمد السماك بعنوان : أسقف "كانتربري" والإسلام   ما نصه :

في منتصف القرن السابع عشر كان في بريطانيا اعتقاد عام بأن القهوةَ شراب شرقي، وأن من يشرب منه يتعرّض لتأثير قوى غريبة تصيب توازنه العقلي بالاضطراب، مما يدفعه إلى الخروج عن دينه واعتناق الديانة التركية (الإسلام). كان البُن في ذلك الوقت يُعرف باسم "حبّات محمد". وقد وصل الأمر إلى حدّ الاعتقاد بأن احتساء القهوة هو جزء من مؤامرة تركية لتدمير المسيحية. ربما كانت لهذه الخلفية التاريخية علاقةٌ بالواقع المعروف عالمياً اليوم، وهو أن المجتمع البريطاني هو مجتمعٌ مستهلكٌ للشاي بصورة عامة وليس للقهوة. فبريطانيا تستهلك 150 مليون كيلوغرام من الشاي سنوياً. في عام 1637 قدّم لوند رئيس أساقفة كانتربري مذكرة إلى مجلس العموم البريطاني أُطلق عليها "مذكرة التكفير والمصالحة مع المُرتدِّين عن المسيحية إلى الديانة التركية"- الإسلام. وكان هناك اعتقاد بأن هؤلاء المرتدين عن المسيحية تأثروا بالقهوة، وأنه بعد حرمانهم منها عاد بعضهم إلى الكنيسة. كان ذلك قبل 371 عاماً. أما اليوم، فإن في بريطانيا حوالي مليوني مسلم من المواطنين البريطانيين الذين استوطنوا فيها بعد أن هاجروا إليها من عدة دول في الكومنولث، وهم يمارسون شعائرهم الدينية بحرية كاملة في أكثر من 900 مسجد، بحماية الدولة وبرضا الكنيسة.

وعندما زار رئيس الأساقفة السابق جورج كيري لبنان (بعد مصر) نظّمت له اللجنة الوطنية الإسلامية- المسيحية للحوار ندوة عُقدت في دار الفتوى في بيروت حول العلاقات الإسلامية- المسيحية. يومها قال الدكتور كيري: "إن البريطانيين لم يتعرفوا على المسلمين إلا من خلال كونهم رعايا الإمبراطورية البريطانية. فقامت بينهم علاقات على هذا الأساس. أما الآن فإن الوضع قد تغيّر. فالمسلمون يعيشون جنباً إلى جنب مع البريطانيين في المدن البريطانية المختلفة. وهم يتلاقون فيتفاهمون أو يتخاصمون في الأسواق والمطاعم وفي الجامعات والمدارس وفي الشوارع والحدائق العامة. هذا التلاقي لا يجري بين مواطنين ورعايا، ولكنه يجري بين مواطنين مسلمين ومسيحيين. ذلك أن المسلمين البريطانيين يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة بما فيها بالطبع الحرية الدينية. ولذلك، أضافَ رئيس الأساقفة: جئت إلى لبنان لأتعرّف عن كثب كيف يعيش المسلمون والمسيحيون معاً لعلّي أحمل من هذه التجربة أفكاراً تساعدنا على العيش المشترك في بلادنا.

يعكس هذا الموقف -على رغم إيجابيته- قلقاً على واقع العلاقات بين المسلمين البريطانيين وسائر المواطنين الآخرين. وهو قلق ترجمته سياسات وقوانين وقرارات مختلفة اتخذتها الحكومات المتعاقبة ولكنها عجزت عن معالجته. وقد جاء رئيس الأساقفة الحالي الدكتور رولان ويليامز بمبادرة جديدة تقوم أساساً على المبدأ التالي: بما أننا نحترم حق المسلمين البريطانيين في ممارسة شعائرهم الدينية، وبما أن الشريعة الإسلامية هي جزء أساسي من الإسلام عقيدةً ومنهجاً، فلماذا لا نسمح للمسلمين بتطبيق الشريعة على قضاياهم العائلية؟ وقد عكَسَ رئيس أساقفة كانتربري باقتراحه الحاجة البريطانية إلى إيجاد صيغة ما لاستيعاب المسلمين البريطانيين في المجتمع. ذلك أن شعورهم بأنهم خارج المجتمع أدّى إلى أمرين خطيرين للغاية. الأمر الأول هو معاناتهم من التعامل معهم على أساس أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وكان من نتائج ذلك ردود الفعل التي اتسمت بالعنف على أيدي شباب من الجيل الثاني أو الثالث، أي من الذين وُلدوا في بريطانيا ودرسوا فيها. أما الأمر الثاني فهو اتساع رقعة "الإسلاموفوبيا" (أي كراهية الإسلام والخوف منه) في المجتمع البريطاني. وكان من نتيجة ذلك أيضاً اتساع الهوة بين المواطنين البريطانيين المسلمين وغير المسلمين. ولا شك في أن رئيس الأساقفة الدكتور ويليامز أدرك كغيره من المسؤولين الدينيين والسياسيين خطورة الوضع وخطورة استمراره. فكان لابد من مبادرة إنقاذية ليس للمسلمين البريطانيين، وإنما وفي الدرجة الأولى للمجتمع البريطاني ككل. فكان اقتراحه بالدعوة إلى طرح فكرة السماح للمسلمين بتطبيق الشريعة الإسلامية لمعالجة قضاياهم وشؤونهم العائلية (زواج- طلاق- إرث- الخ..). ولكن ما أن أعلن ذلك حتى قامت القيامة في بعض الصحف البريطانية عليه، ووجهت إليه اتهامات بأنه يدعو إلى إنشاء دولة ضمن الدولة، وأنه يروّج للقانون الديني على حساب القانون العلماني المعتمد في بريطانيا. وفي الواقع فإن الحملة على رئيس الأساقفة انطلقت من "الإسلاموفوبيا" وليس من الحرص على العلمانية البريطانية. ذلك أن هذه الحملة صبّت جام غضبها على الإسلام البريطاني وعلى مبدأ وجوده والتسامح معه. وقد تحمّل الدكتور ويليامز القسط الأوفر من هذه الحملة الإفترائية، لأن الاقتراح صادر عنه وهو الرئيس الروحي للكنيسة الإنجليكانية -الكنيسة الرسمية في بريطانيا.

إزاء الحملة الشعواء وجد المسلمون البريطانيون أنفسهم في حيرة. فإذا بادروا إلى الدفاع عن رئيس الأساقفة فإنهم يخشون أن يزيدوا الطين بلَّة.

إزاء هذه الحملة الشعواء وجد المسلمون البريطانيون أنفسهم في حيرة من أمرهم. فإذا بادروا إلى الدفاع عن رئيس الأساقفة فإنهم يخشون أن يزيدوا الطين بلة، وأن يقدموا للمتحامِلين عليه مادة جديدة للطعن والتجريح. وإذا سكتوا، فإن سكوتهم قد يفسر على أنه تخلٍّ عن رئيس الأساقفة أو عدم رضا بما اقترح، أو أنه تراجع أمام الحملة الإعلامية التي شملتهم معه. ومن أجل ذلك جرت اتصالات بين المجالس الإسلامية في الدول الأوروبية المختلفة، ولكن هذه الاتصالات لم تؤدِّ إلى بلورة موقف موحد، بل ربما لم تجد مفيداً اتخاذ موقف موحد للردّ على الحملة الإعلامية. وقد تولى الدكتور ويليامز بنفسه حملة الرد من خلال توضيح الغاية من اقتراحه، الأمر الذي أدى إلى تنفيس الحملة عليه، ومن ثم على المسلمين في بريطانيا.

ومهما يكن من أمر، فإن هذه القضية لا تزال تتفاعل حتى اليوم تحت شعار "الانصهار أو الاستيعاب" للمسلمين في الدول الأوروبية المختلفة. وحتى الآن لا توجد نظرية موحدة للانصهار أو للاستيعاب. فهناك مدرسة فرنسية، وأخرى ألمانية، وثالثة إيطالية، ورابعة هولندية، وخامسة سويدية. ولكل مدرسة منها أسس ومقومات متباينة وأحياناً متناقضة بدءاً بمسألة الحِجاب، وانتهاءً ببناء المساجد، وذلك على رغم إنشاء مركز أوروبي موحد على رأسه مستشرق ودبلوماسي ألماني. ولقد جاء اقتراح رئيس أساقفة كانتربري ليقدم جديداً إلى هذه المدارس التي لم يستطع أي منها أن يثبت أنه يحمل الحلّ السحري. وبدلاً من دراسته بموضوعية، صبّ الإعلام البريطاني جام غضبه عليه وشوَّه الأهداف السمحة التي يتطلع إليها.

منذ عدة أشهر قام الدكتور ويليامز بزيارة إلى لبنان. وكان لي لقاء معه في إطار ندوة حول المفاهيم الدينية نظمتها كلية اللاهوت في بيروت. وبعد ذلك التقينا معاً في ندوة نظمتها مؤسسة "سانت أجيديو" الإيطالية في نابولي بإيطاليا "حول موقع الآخر في النصّ الديني". وقد ترك الدكتور ويليامز في نفسي انطباعاً بأنه مسيحي مؤمن، وأنه معتز بكنيسته (77 مليون مؤمن في العالم). وأنه في الوقت ذاته منفتح على العقائد الأخرى، ودارس لها، وباحث عن القواعد والقيم المشتركة التي تؤسس لحياة إيمانية بالإله الواحد، ولو عبر طرق مختلفة، ومن هنا كانت الحملة عليه ظالمة. وهي أكثر ظلماً عندما تستهدف من خلاله الإسلام والمسلمين البريطانيين. أما الآن وقد انحسرت هذه الحملة. فإن اقتراح رئيس الأساقفة بدأ يستعيد موقعه كأحد الأسس العملية لمعالجة إشكالية التعدد الديني في المجتمع البريطاني.. ومن ثم في دول الاتحاد الأوروبي.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: alittiha-7-3-2008