عوامل خلود النهضة الحسينية

 

 

يتفق الكثيرون على ان التاريخ له دورة حياة يعيد نفسه فيها بين حقبة واخرى ولكن المُلاحظ في ان الإعادة تتمثل كل مرة بوجه يختلف عما سبقه من حيث الهدف والأدوات والمحيط المؤثر بحكم تطورات اجتماعية وفكرية وبنيوية تؤطر الحياة اينما كانت كما ان الحادثة وان اعادت نفسها ضمن دورة حياة التاريخ فهي تاتي بشكل مختلف كليا على وجه التقريب عن التي سبقتها بحكم عوامل تجعل منها حادثة استراتيجية بعيد المدى-كما هو الحال في ثورة الإمام الحسين (ع)، او تجرفها الأحداث المختلفة التي تليها لتضيع في غياهب التاريخ ومن اهم العوامل التي اعطت النهضة الحسينية ادامة في التجديد بحيث بقيت فعالة حتى بعد مرور 1400 عام على حدوثها، انها جمعت جيلين من رجالات الإسلام من الصحابة والتابعين حيث حَوَت شخوصا من صحابة رسول الله (ص) واخرين من صحابة خليفة رسول الله علي بن ابي طالب (ع) انظمّوا تحت لواء الإمام الحسين في واقعة تمثل انطلاقة التجديد للدين بعد ان لوثته افكار بني أمية المنحرفة والمستبدة.

من جهة اخرى يميز البعد العالمي هذه الثورة ليعطيها اهم صفات الديمومة، فهي لم تأت لأجل فئة معينة في ارض معينة بل انها رسخت مبادئ اساسية تعنى بالإنسانية في كل زمان ومكان، الامر الذي سخر لها البعد الزمني ليمدها بعناصر الاستمرار والتجدد ويحيطها بنطاق يقيها التلف او الإنحراف وعليه فان العالم اليوم بحاجة الى الإستنارة بنور الإمام الحسين (ع) اكثر من قبل، فجاهلية اليوم اشد وأعنف من الجاهلية الأولى. جاهلية اليوم، هي ذاتها الجاهلية الاولى لكنها مزودة بالتقنية الحديثة، ومسلحة بالوسائل الفتاكة في شتى الأبعاد فالحروب التي تأتي على الحرث والنسل والفساد بعامة انواعه والظلم في مختلف المستويات والتعدي على الحقوق في كافة الأصعدة والتطرف والتشدد اللذان صنعا الإرهاب، أتت كلها على مفاهيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام الحنيف وتحاول افراغها من محتواها بشتى الذرائع والحجج والتبريرات اما الأهداف التي أتت بها النهضة الحسينية فهي الاخرى كان لها بالغ الأثر في إبقاء جذوة هذه الثورة العالمية متقدة حيث شكلت تلك الاهداف فيما بعد محورا للخير في ارجاء العالم لما حملته من معاني التضحية والإباء والجود بالنفس والمال والعيال من اجل قيم الهية والتزامات دينية تؤمّن للحياة ظروف الاستمرار والاستقرار.

وتتمثل اهداف تلك الملحمة الخالدة في:

1- التأكيد على دعوات الإسلام الحنيف الى اللجوء للحوار واللاعنف في شتى الإشكاليات والى اخر لحظة سلام، وهو ما بقي ينادي به الإمام الحسين (ع) منذ دخوله العراق وحتى ظهيرة العاشر من محرم ساعة استشهاده سلام الله عليه. حيث قام قبل القتال وخاطب القوم ناصحاً اياهم ومحذرا لهم وباثاً حجته عليهم لئلا يقول احدهم انني لم أعي او اعرف ما قمت به عندما حاربت آل محمد وقتلتهم عن اخرهم.

2- رسخت النهضة الحسينية مبدأ عدم البدء بالعدوان والترفع عن سوء السريرة، حتى وان اتضحت جلياً نوايا المقابل في الإعتداء، وتجلت هذه الصفة في قصة الإمام (ع) المعروفة مع الحر بن يزيد الرياحي، قبل ان يتوب وينظَم الى معسكر الحسين، حيث داهم العطش الحُر الرياحي وكتيبته وكاد ان يقضي عليهم، حين كان مراقِبا ومسايِِرا لركب الحسين (ع) بأمر يزيد وعمر بن سعد، وقيام الحسين وأنصاره بسقايتهم مع خيولهم، رغم ان الإمام كان عنده علم اليقين في ان هؤلاء سيبرزون اليه غداً بسيوفهم وخيولهم ذاتها ليقاتلوه.

3- اكدت تلك النهضة مفاد القول "لايمكن ان تخلوا الارض من حُجة" يقود العباد ويقوّم البلاد ويحافظ على اسس ومبادئ الدين كما الجبال التي جعلها الله سبحانه أوتادا في الأرض لئلا تَميد وتظهر من هنا اهمية ان يقود الإمام بنفسه الحركة الاصلاحية عندما وصلت مستويات الإنحراف والفساد وطمس معالم الدين على يد بني أُمية حداً لا يمكن معالجته إلا بهذا الثمن الباهض، وهو ان يضع الإمام نفسه الشريفة وعياله من آل محمد (ص) وخاصة رعيته مقابل إحياء الدين وتقويمه، فكانت النتيجة ان اعقبت تلك التضحيات الجسيمة صحوة اعادت الملامح الأصيلة لإنسانية الإسلام وقومت مساره من جديد واخيرا فان مفاهيم التضامن والمواساة التي شقت طريقها على الارض عبر المسلمين الموالين لأهل البيت، تحت عنوان "الشعائر الحسينية"، قد ساهمت الى حد كبير في الحفاظ على روح تلك النهضة من خلال الالتزام بأداء "مراسيم عاشوراء" كل عام وعلى مدى اكثر من اربعة عشر قرناً، الامر الذي اعطاها بُعداً لا ينتهي بزمن ولا يقتصر على مكان.

المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي المعهد.

المصدر:annabaa