الديمقراطية الفلسطينية:

                                      تحديات خارجية وداخلية

 

 

د. أسعد عبد الرحمن

 

أهم ما يميز انتصار حركة ''حماس'' الكبير في الانتخابات التشريعية الأخيرة هو كون تلك الانتخابات الأولى من نوعها التي تتم في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط من دون تدخل سلبي من أي طرف خارجي أو داخلي· ومن الضروري أن تكون لهذا الانتصار المدوي وغير المتوقع (على الأقل في حجمه) تداعيات كبيرة ربما سيبقى صداها يُسمع لسنين طويلة، وقد تشكل فاتحة عهد جديد في الخريطة الجيو-سياسية في منطقة الشرق الأوسط· فنجاح ''حماس'' الكبير ليس هو الأول من نوعه في المنطقة الذي تفوز به الحركات الإسلامية في السلطة عن طريق صناديق الاقتراع؛ فـ''الجبهة الإسلامية للإنقاذ'' في الجزائر، كادت تحقق فوزاً ساحقاً في الانتخابات التي جرت أواسط التسعينيات، لولا تدخل الغرب ''الديمقراطي'' لوأد تلك التجربة في مهدها، وهو التدخل الذي لا تزال ذيوله تغرق الجزائر في بعض الدم وتعقيدات السياسة لغاية الآن· أما في فلسطين، فقد قال الشعب كلمته بوضوح لا يقبل الجدل وأعطى تفويضاً واضحاً لـ''حماس'' كي تقوده في انتخابات مثالية لم تطعن فيها أي من القوى الداخلية أو الخارجية التي فوجئت بالنتائج المدوية· وتمت عملية اختيار الشعب الفلسطيني لممثليه بسلاسة بالرغم من المعوقات الكبيرة التي وضعها الاحتلال الإسرائيلي، ورغم رغبة إسرائيل السافرة بالحيلولة دون إتمام العملية الانتخابية· كذلك، ظهر صدق السلطة الوطنية الفلسطينية التي تعهدت بإجراء انتخابات نزيهة، وهذا الأمر الذي شهد به من فازوا في الانتخابات ومن خسروها كما شهد به مئات الصحفيين والمراقبين العرب والأجانب الذين قدموا للإشراف والمراقبة· وفي هذا الأمر الأخير ميزة إضافية تزيد من مصداقية نزاهة الانتخابات·

قد يعزو البعض انتصار ''حماس'' ليس فقط إلى شعبيتها المتصاعدة، وبرنامجها السياسي، وشبكتها التنظيمية والاجتماعية الواسعة، أو نزاهتها المالية، بل أيضا، والحق يقال، فإن جزءاً من الناخبين، من الصعب تحديد حجمه، قد صوت لحماس ''انتقاماً'' من الفساد وسوء الإدارة والفلتان الأمني الذي استشرى في جسد السلطة المترهل· وهناك اتجاهات ومؤشرات عديدة لا تخطئها عين المراقب لهذه النتيجة، فقد صوتت أعداد أخرى ضد جمود عملية السلام وتلاشي أي أفق لتحقيق السلام العادل (نسبياً) في حين تزايدت أعداد ''المستوطنات''/ المستعمرات والمستعمرين، وزادت ممارسات الاغتيال، والاقتحام، وإقامة الحواجز، ومصادرة الأراضي، وتدهور الوضع الاقتصادي بحيث عم الفقر والبطالة· فهذه الظروف مجتمعة أعطت زخماً غير مسبوق للحركات الإسلامية التي وعدت الناس بالتغيير ومحاربة الفساد· كما أدت هذه الأسباب إلى اشتداد الأزمة داخل حركة ''فتح'' مع فوضى السلاح، ووصلت الأمور بنظر المواطن العادي إلى طريق شائك وصعب لا يمكن الخروج منه إلا باستبدال الأدوات القديمة والنهج القديم بأكمله· ولا يسع المراقب سوى الإشادة بموقف ''فتح'' المسؤول، فهي لم تحاول افتعال مشاكل لتعطيل الانتخاب أو الفرز وإعلان النتائج، ولم تسع للانقلاب على نتائج الانتخابات أو إثارة المشاكل كما فعلت قوى حاكمة غيرها، بل أعلنت منذ الساعات الأولى قبول النتائج والاستعداد الفوري لتداول السلطة ونقلها إلى من منحتهم الجماهير ثقتها· ويمكن القول إن الشعب الفلسطيني حقق، بمجرد إكمال العملية على هذا النحو، نجاحاً باهراً· وسيكون لهذا النجاح والتداول السلمي للسلطة الذي يتم لأول مرة في العالم العربي أثره الكبير في تقدم الحياة البرلمانية والسياسية عموماً، ورفع مستوى الحوار وعلاقات التحالف والتصادم بين القوى المختلفة، كما سيكون له أثر كبير مستقبلاً في إدانة أي طرف يخالف أو يهبط دون هذا المستوى الراقي الذي حققه الشعب الفلسطيني بوعيه والتزامه·

والآن، بعد أن زالت المفاجأة، ينتظر ''حماس'' جدول أعمال حافل على الصعيدين الداخلي والخارجي· و''حماس'' اليوم أمام عدة تحديات وخيارات صعبة أعظمها، دون شك، إنهاء الاحتلال· كما أن ''حماس'' مطالبة دولياً بالاعتراف بـ''حق إسرائيل في الوجود'' بعد أن كانت دائماً تطالب بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر· ورغم تميز ''حماس'' وقادتها بالبراغماتية منذ اليوم الأول لفوزهم، فإن اعتراف الحركة بإسرائيل قد رفض بصورة مباشرة وسيبقى مستحيلاً في المستقبل القريب· فمهما تأصلت البراغماتية في عقول قادة ''حماس'' فلن تدفعهم إلى حد الانقلاب بنسبة (180) درجة على أدبياتهم، واستراتيجيتهم، والذين انتخبوهم على أساس برنامج يخلو من أي إشارة في هذا الاتجاه· وفي هذا السياق، فإن الذين يطالبون ''حماس'' بالاعتراف بإسرائيل لم يتعبوا أنفسهم بتحديد حدود إسرائيل الجغرافية التي يريدون ''حماس'' أن تعترف بها· فهل هي مطالبة بالاعتراف بحدود إسرائيل بموجب قرار التقسيم رقم (181) الصادر في العام 1947 أم بحدود إسرائيل بعد حرب يونيو 1967 والتي ضمت بموجبها هضبة الجولان والقدس الشرقية وأجزاء مهمة من الضفة، أم أن ''حماس'' مطالبة بالاعتراف بإسرائيل من النيل إلى الفرات كما يحلم مؤسسوها، باعتبار أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا حدود ثابتة لها، فحدودها كما قال مؤسسها ''ديفيد بن غوريون'' تمتد إلى كل مكان تصل إليه ''جزمة'' الجندي الإسرائيلي؟

لقد كان أولى بالدول التي تطالب ''حماس'' الاعتراف بإسرائيل أن تحدد حدود هذه الدولة أولاً قبل مطالبة ''حماس'' الاعتراف بها· بل إن تصريحات إيهود أولمرت الأخيرة بأن إسرائيل ستضم القدس الشرقية والمستعمرات التي تحتويها والاحتفاظ بالأغوار في أي تسوية مع الفلسطينيين لا تترك مجالاً لـ''حماس'' للاعتراف بها· وبالإضافة إلى ذلك، فإن رفض إسرائيل الحازم لعودة اللاجئين وفق قرار الأمم المتحدة رقم (194) لا يترك مجالا لـ''حماس'' بأن تغير برامجها· كذلك، أوحت التصريحات التي أدلى بها قادة حركة ''حماس'' خلال الأيام الأخيرة بأنها ستشارك في السلطة الوطنية وفي الحكومة، لكن بالقدر الذي يتيح لها عدم الاتصال أو التفاوض المباشر مع إسرائيل، وستسعى إلى تقديم الحد الأدنى من الاستحقاقات المترتبة على مثل هذه المشاركة· وقد ابتدأت ذلك بإبداء الاستعداد لهدنة طويلة الأمد والقبول بمرحلية الحل· ويبدو للآن أن ''فتح'' تتجه لرفض الدخول في ائتلاف مع ''حماس'' وأن الأخيرة رفضت في السابق دعوة ''فتح'' للمشاركة في ائتلاف معها، إذ أن طبيعة التقسيم الوظيفي بين من يفاوض وبين من يتولى المسؤوليات الداخلية (والتي قيل إن حماس عرضتها على فتح) قد لا تكون مقبولة لـ''فتح''· فمشاركة ''حماس'' في السلطة الآن تطرح عدة أسئلة عليها أن ترد عليها بالسرعة الممكنة· وأول هذه التساؤلات هو كيف يمكن لـ''حماس'' أن توفق بين برنامجها السياسي المبني على أساس استمرارالمقاومة وعدم الاعتراف بإسرائيل والذي خاضت بموجبه الانتخابات وأوصلها بالتالي إلى أغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وبين واقع السلطة القائم والتزاماتها في السياسة الخارجية، وكذلك الحال في مجال السياسة الداخلية· فالشعب الفلسطيني ينتظر بشوق (أو بقلق) بالغ إعلان ''حماس'' عن برنامجها الاجتماعي، خاصة على صعيد حرية التعبير، ومكانة المرأة، والحريات الشخصية، وحقوق الأفراد، وغير ذلك كثير، وليكن الله في العون!

و كل ذلك بحسب رأي د. أسعد عبد الرحمن في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-16-2-2006