ذهب الطغاة وبقيت عاشوراء

 

 

معركة الحياة حد فاصل لاختبار مضنٍ؛ يقف فيه الإنسان على أعتاب نصر عظيم أو هزيمة نكراء، فالذي ينكبّ على ارتشاف الأهواء، ويتنكر لروحه وفطرته، يسقط في هاوية الضعف والذلّة. فالإنسان بروحه وتمسكه بالقيم الإلهية الثابتة يرتقي عزّة، ويرتدي قوة، ويهتدي فكراً إنها معركة الالتزام بالقيم الثابتة التي تمتد من الأزل إلى الأبد، معركة من يتخلى فيها عن انتصار الروح إلى هزيمة المادة، يجب أن يبقى مخلّداً في أقبية الذل والهوان فالإنسان يتصاعد ويسمو بروحه عظمة ولمعاناً عندما يرتكز على تلك القيم السماوية، ويستمد منها طاقته، تلك القيم ما هي إلا أسباب للارتقاء الإنساني نحو الله سبحانه وتعالى ولم يكن الامام  الحسين الشهيد(ع) إلا ذلك النموذج الذي ضحى بكل ما يملك ليرتقي بتلك القيم أعالي عليين ويسطّر بدمائه ملحمة مهيبة خالدة يستمد منها التاريخ عنفوان عظمته، وليبقى المعذبون يستلهمون روح المقاومة والجهاد إنها ملحمة تخط على جبين الدهر قيم العزة والحرية والسعادة والإباء، معركة ينتصر فيها الإنسان العظيم بروحه وحريته، على الاستعباد الطاغي الذي يرفل فيه المستبدون بقيود الذلة وربقة المادة وسلاسل الانحطاط فمثل الامام الحسين(ع) لا يحيا إلا بالحرية ولا يتنفس إلا بالعزة ولا يبقى إلا بالعدالة، فانتصر بموته على الظلم، وبشهادته على العبودية وبتضحيته على اليأس إنه أمل يبقى يتلألأ في سماء تمتد آفاقها إلى رحاب المستقبل المشرق بقيم الحرية والعدالة والسعادة الأبدية، وتبقى أحلامنا وآمالنا تنتظر شروق الشمس اليومي علينا، وهي تتطلع لآيات النصر والظهور الجديد.

انه (ع) انبثاق لتجربة الإنسان وهو يرسم باصبعه الدامي في حريته... وما أغلى الحرية وهي تصنع بيديها فجر إنسانها الضائع بين الأقبية.. بين جرحه وجرحه فعاشوراء.. مشروع الإسلام الخالد في كل زمانٍ ومكانٍ... وهو التتويج الأرقى لنموذج التضحية مهما كلف ذلك من ثمن لهذا كانت الايام العشرة هي الأطهر والأغلى والأنقى في تاريخ الحركة الإنسانية.

يقول المرجع الديني الراحل الامام  السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) في كتابه الاستفادة من عاشوراء: الإسلام بمعناه القرآني يهدف لإنقاذ الإنسان من براثن العبودية والظلم والجهل والفقر والمرض.. وابتليت البشرية بهذه المشاكل بسبب ابتعادهم عن أحكام السماء وتعاليم الأنبياء (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) فاللازم أن يجعل موسم عاشوراء منطلقاً لنشر تعاليم الأنبياء الداعية إلى الحياة الطيبة عبر تطبيق الشورى والحرية والاخوة والسلام  إن الطبيعة البشرية والفطرة السليمة مجبولتان على قبول الحق واتباع مناهجه، والمعاند قليل وشاذ، لذا فالواجب علينا أن ننشر القيم السماوية والمبادئ الحسينية بكل ما نملك من وسائل وطرق.سنة الله في الحياة إعلاء راية الحق وإظهاره وإزهاق الباطل، لذا ذهب الطغاة وبقيت كربلاء حية نقية، ومصدراً للإشعاع الديني والفكري، ومنبعاً للأخلاق والفضيلة، وبقيت كربلاء نبراساً للأحرار وسراجاً للأمم ومدرسة لتربية العلماء والمبلغين وحملة الأقلام.

المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي المعهد.

المصدر:annabaa