العباس بن علي: قدوة الاحرار وعَلَم الثوار

 

محمد طاهر محمد

 

 

شبكة النبأ: كثيرة هي المواقف العظيمة التي سجلها الامام الحسين واهل بيته واصحابه في كربلاء حين سطروا باحرف من نور تلك الملحمة الخالدة (عاشوراء) فارتقوا الى افاق المثل العليا وجسدوا انبل واشرف المبادئ فسمت نفوسهم الى مقام الذروة من الكمال البشري وتألقت اسماؤهم على جبين الدهر تتلألأ عبرالاجيال تضيئ لهم طريق الحق والحرية في مسيرة التاريخ ومن اروع المواقف في ذلك اليوم هي مواقف سيدنا ابي الفضل العباس بن امير المؤمنين (ع) قدوة الاحرار وعلم الثوار الذي جسد في سلوكه مع اخيه الامام الحسين (ع) حقيقة الاخوة الاسلامية الصادقة بجميع قيمها ومثلها السامية فلازمه حتى النفس الاخير ووقاه بنفسه وبذل دونه روحه فاصبح نموذجا رائعا لشهداء الطف الذين احتلوا ذروة المجد في سماء التاريخ.

الابوان العظيمان

جمع ابو الفضل العباس مع صفاته الذاتية العظيمة نسبه السامي الشريف، ابوه امير المؤمنين علي بن ابي طالب غني عن التعريف اذ لم يعرف التاريخ شخصية اعظم بعد رسول الله منه، وحسب العباس ان يكون ابنا لعلي واخا للحسنين سيدي شباب اهل الجنة اما أم أبي الفضل العباس فهي السيدة الزكية فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية الملقبة بأم البنين وهي من اجلّ الأسر العربية شرفا ونبلا وقد عرف ابوها حزام بالنجدة والشهامة والشجاعة والسخاء وقرى الاضياف وكان من اعمدة الشرف في العرب ولمع من هذه الاسرة الكريمة الكثير من الاسماء في سماء المجد ويجد القارئ عرضا مفصلا لماثر هذه الاسرة في كتاب قمر بني هاشم لمؤلفه المحقق العلامة عبد الواحد المظفر.

الولادة والنشأة

وَلَدت ام البنين اول اولادها عام 26 هـ ، وسماه امير المؤمنين (ع) العباس ثم ولدت ثلاثة ابناء هم عبد الله وجعفر وعثمان ونشأ ابو الفضل في كنف ذلك الوالد العظيم فنهل من علمه واخلاقه وشجاعته وغذي من لبن تلك المراة الطاهرة فاستقى من سجاياها العظيمة وورث نبل اسرتها وسؤددها ولازم اخويه السبطين الكريمين فتحلى بخصالهما الرفيعة وتلقى منهما المثل السامية والاخلاق النبيلة فاجتمعت لدى ابي الفضل العباس كل المكونات التربوية الصالحة التي رفعته الى مستوى العظماء والمصلحين والتي جعلته علما من اعلام التاريخ الانساني.

العباس في عهد ابيه واخيه

رافق العباس الكثير من الحوادث الجسام وهو صغير السن فعايش خلافة ابيه ومارافقها من الاحداث والحروب كما شاهد ماجرى على اخيه الحسن من المحن والبلايا من قبل معاوية بن ابي سفيان وراى غدر اصحاب اخيه بامامهم كما راى اشاعة الظلم والاستبداد وانتشار الجلاوزة في البلاد والتي عملت على ابادة اصحاب امير المؤمنين المخلصين وتصفيتهم جسديا امثال حجر بن عدي واصحابه وعمرو بن الحمق ورشيد الهجري وغيرهم واعلان معاوية رسميا سب امير المؤمنين (ع) والايعاز بذلك الى ولاته وعماله في كل البلاد في خطب الجمعة وسائر المناسبات الدينية على المنابر واشاعة ذلك بين المسلمين وبلغ تمادي معاوية في غيه الى دسه السم الى الامام الحسن (ع) وقتله.كل هذه الاعمال الفضيعة التي شاهدها العباس(ع) كانت تحفز فيه روح الثورة على الحكم الاموي الذي زاد من ظلمه وجوره بعد هلاك معاوية وجلوس ابنه يزيدعلى عرش الحكم.

مع الحسين

وعى العباس (ع) تلك الاهداف السامية التي كان ينشدها ابوه (ع) في تحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق الشريعة الاسلامية فامن بها وجاهد في سبيلها فانطلق مع اخيه سيد الشهداء (ع) لتحقيقها فاعلن الحسين(ع) رفضه القاطع لبيعة يزيد وصمم على الثورة فرفع راية الرفض بوجه الظلم وعبّد للمسلمين طريق الحرية والعدالة وكان اهم من ازره في ثورته وناصره اخوه ابو الفضل العباس (ع) فلازمه في طريقه من مكة الى العراق مع اهل بيته واصحابه حتى وصلوا كربلاء

في كربلاء

وصلت هذه الكوكبة الى كربلاء لتنسج بدمائها تاريخا جديدا للانسانية جمعاء ولتكتب اسماءها باحرف من نور على جبين الدهر وكان لسيدنا العباس (ع) مواقف مشرفة جسدت عميق ايمانه ورسوخ عقيدته فعندما عرض شمر بن ذي الجوشن الامان على العباس (ع) واخوته رفضوا رفضا قاطعا..ان العباس(ع) هو الغصن الزكي الذي تفرع من  الدوحة الشريفة ولايمكن ان يتخلى عنها بعد ان تصلب عوده من قيمها السماوية ونشا على مبادئها الرسالية وتغذى من خصالها العلوية فكان جوابه(ع) للشمر(لعنك الله ولعن امانك اتؤمننا وابن رسول الله لا امان له).

لايستطيع القلم ان يعطي هذا الموقف حقه من الوصف فقد نذر العباس (ع) واخوته نفوسهم للحسين (ع) وعلقوا مصيرهم بمصيره وكان الحسين (ع) يجل اخاه العباس(ع) ويقدر له ايمانه ومنزلته السامية فحينما ارسله لمخاطبة الاعداء قال (ع) له ( اركب بنفسي انت يااخي ...) ولايخفى مالهذه الكلمات من دلالة واضحة على مكانة العباس(ع) الكبيرة عند الحسين (ع) ولم ير الحسين من هو اكفأ لحمل الراية منه ولهذا المنصب اهمية كبرى حيث يتم اختيارالشخص لذلك من اصحاب الكفاءات العالية والبسالة النادرة اضافة الى وفائه واخلاصه وصبره ورايه الثاقب وقد تجسدت كل هذه الخصال في سيدنا العباس (ع) وكان كفؤا لحمل الراية التي بقيت ترفرف فوق رؤوس اصحاب الحسين(ع) واهل بيته تمدهم بالعزيمة في قتالهم الاعداء حتى تساقطوا نجما بعد نجم فالتفت الى اخوته الثلاثة وقال لهم ( تقدموا يابني امي حتى اراكم نصحتم لله ولرسوله) لقد درج معهم مراحل الطفولة والشباب حتى بلغوا مبلغ الرجال فلم تمنعه عاطفة الاخوة من ان يقدمهم قرابين في سبيل الله ونصرة ابن بنت نبيه فكان اعتباره الاسمى والذي هو فوق كل اعتبار او عاطفة هو ان ينصحوا في جهادهم لله ورسوله ويذبوا عن الحسين(ع) فسقطوا شهداء واحدا بعد الاخر ووقف العباس (ع) يتامل في وجوههم المشرقة بنور الايمان واستعد للحاق بهم.

الروح الكبيرة

لم يبق مع الحسين(ع) سواه وعندما طلب الاذن بالقتال منه(ع) قال له الحسين (ع)( انت صاحب لوائي ) ان الحسين لازال ينظر الى معسكره كقوة ضاربة تستطيع ان تصد الاعداء وترد هجماتهم مادام لواؤه مرفوعا بيد اخيه ابي الفضل (ع).

كان صراخ الاطفال من العطش يملأ مسامع الحسين (ع) فطلب من اخيه العباس (ع) احضار الماء لهم فاستجاب واقتحم الفرات وشتت من كان عليه من الجند ونزل الى الماء واغترف منه بيده ليشرب .. لكنه لم يشرب كانت صرخات الاطفال تتردد على مسامعه وصورة وجه اخيه لم تفارق ذهنه فرمى الماء من يده وقال:

يانفس من بعد الحسين هوني            وبعده لاكنت او تكوني

هذا حسين وارد المنون                  وتشربين بارد المعين

تالله ماهذا فعات ديني

أي نفس اكرم من هذه النفس الكبيرة؟ واي ايثار مثل هذا الايثار؟ واي روح اشف من هذه الروح؟ واي نبل اعظم من هذا النبل؟ ولما استشهد ابو الفضل العباس (ع) جلس عند رأسه الحسين(ع) وقال (الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي)  ولم يقل الامام الحسين(ع) هذه المقولة عند استشهاد أي احد من اصحابه واهل بيته سوى العباس(ع) فأي مكانة احتلها ابو الفضل في نفس سيد الشهداء(ع)

 مكانته عند اهل البيت(ع)

احتل العباس(ع) مكانة جليلة عند الائمة الهداة من اهل البيت (ع) وقد تجسدت هذه المكانة في اقوالهم ففي الخصال ج 1 ص 35 عن الامام علي بن الحسين زين العابدين(ع) انه قال (رحم الله عمي العباس فلقد آثر وابلى وفدى اخاه بنفسه حتى قطعت يداه فابدله الله بجناحين يطير بهمامع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن ابي طالب وان للعباس عند الله منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة) وفي عمدة الطالب عن الامام جعفر الصادق (ع) انه قال (كان عمي العباس بن علي نافذ البصيرة صلب الايمان جاهد مع اخيه الحسين وابلى بلاء حسنا ومضى شهيدا) وحسب ابي الفضل (ع) هذه الاوسمة الرفيعة من افواه الذين لاينطقون الابالحق وبه يعملون.

باب الحوائج

ياسيدي ياابا الفضل العباس بن علي .. يامن ترسخ الايمان في قلبك فتجسد في مواقفك وغرس حب الحسين في نفسك فتجلى في دفاعك عنه لقد اثرت وابليت وفديت بروحك دين الله فكتب الله لك الخلود في الدارين وجعلك بابا من ابواب رحمته فانت باب الحوائج يفوح منها العبق العلوي وانت بطل العلقمي ذلك النهر الذي محيت آثاره لانك انت النهر الخالد الذي تنهل منه الاجيال معاني الكرامة والاباء، وانت حامل اللواء الذي لن يسقط ابدا فلازال وسيبقى يرفرف على صرحك الشامخ وانت قمر بني هاشم في بهائك وسناك ونبلك.

المقال لايعبر بالضرورة عن رأي المعهد.

المصدر:annabaa