الحسين عليه السلام وفلسفة استنهاض الوعي الجمعي

 

 

الدكتور وليد سعيد البياتي

 

توطئة:

تتجذر عملية الانتاج المعرفي عند قاعدة المعطيات العقلية وصولا الى تحقيق معرفة يقينية تشكل خلاصة مدركات العقل، ولما كانت عملية الانتاج المعرفي تخضع لعوامل خاصة واخرى عامة، فانها بالتالي تخضع لعامل الزمن أي انها عملية تراكمية تنحو منحا تصاعديا عندما تتشكل وفق المنهج الالهي، اي عندما يكون التعالي (الله) حاضرا في تاسيسها، بل ان الانتاج المعرفي لايمكن له الخروج من دائرة التعالي، اي ان المعرفة الكلية ما هي إلا نتاج للوحي الالهي. هذا الربط بين المعرفة والله كان احد اهم مسارات الرسالات السماوية. لكن انقطاع الوحي في حالة وفاة الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله لايمثل انقطاعا للانتاج المعرفي في الفكر الاسلامي، وهنا تتجلى قيمة الامامة والعصمة التي يمثل كل منمها استيعابا كليا لحركة الوجود، هذه القيمة هي التي تقود الانسانية في طريق المعرفة بعد خاتمية الوحي، وهنا تتكشف الحاجة الى بناء وعي جمعي يدرك مفهوم خاتمية الرسالة باعتبارها لاتمثل انقطاعا للانتاج المعرفي غير ان عملية الانتاج المعرفي يمكن لها ان تتعطل او ان يتم الانحراف بها عن مسارها عبر التعتيم المتعمد على العقل الجمعي ومحاولة تجهيله من خلال طرح قيم دنيا بدلا من القيم العليا وهو ماسعت اليه نظريات مدرسة الخلافة عبر طروحات تفضيل المفضول على الفاضل. من جانب آخر فان انحطاط مدركات الوعي سيؤدي بالتالي الى تكريس الاتجاهات السلبية المناقضة للقيم الايجابية التي دعى اليها الفكر الاسلامي الرسالي، وهذا بالتالي سيقود الى ان يتحول الفكر الاسلامي الى مجرد شعارات غير خاضعة للتطبيق .هنا تظهر الحاجة الى مشروع ريادي يعيد استنهاض العقل الجمعي ليحقق الاسلام فكرا وعقيدة وشريعة غائية وجوده.

المجتمع الاسلامي ومرحلة انحطاط الوعي:

لايمكن انكار التاثير السلبي للسقيفة في بداية تشكيل الاتجاهات السلبية في الوعي الجمعي للمجتمع الاسلامي، حيث لم ينجو من هذا التاثير إلا أهل البيت عليهم السلام ومن اتبع منهجهم الذي يمثل الاستمرار للمنهج الرسالي. إذ شكلت هذه الثلة على الدوام نواة لقيادة الوعي الجمعي وتحريرة من قضبان الجاهلية التي رافقت عملية التحول، إذ تكشف لنا حركة التاريخ أن ثمة شريحة كبيرة من المجتمع الاسلامي لم تتمكن من الانسلاخ كليا من نسيج الوعي الجاهلي، وبالتالي بقيت تخوض في قيعان الضحالة الفكرية فحملت الاسلام أسما مشوها ولم تتمكن من إدراك القيم العليا التي سعت ورائها الرسالة السماوية. فالسقيفة عندما طرحت نظرية تفضيل المفضول على الفاضل سعت الى أن تصبح الخلافة في موقع تتعالى فيه على التاريخ، فطرحت مفهوما مشوها لقيمة خلافة الانسان على الارض التي نادت بها نظرية الجعل الالهي: " أني جاعل في الارض خليفة " البقرة/30. في حين ان (النبوة والرسالة والامامة) ارادت تحقيق الخلافة الحقيقية باعتبار ارتباطها بالله عزوجل (التعالي)، وهي بالتالي تصبح تحفيزا للوعي الفردي والجمعي على درب التكامل لتصبح تعبيرا واقعيا عن حركة التاريخ من جانب، وحركة الوجود الانساني من جانب آخر نحو مطلق المعرفة. لقد ادرك الامام الحسين عليه السلام حقيقة تردي الوعي الجمعي الذي افرزته السقيفة والذي تم تكريسه بعد استشهاد الامام علي عليه السلام، وسيطرة الاتجاهات المنحرفة والنزعات القبلية على حركة المجتمع مما اوقع القواعد الشعبية في حيرة بين العودة الى الفكر الرسالي المتمل بأهل البيت النبوي الشريف، وبين تهديد الفكر الطاغوتي لمعاوية الذي ترك تأثيره السلبي حتى على المجتمع المكي والمدني عن طريق الدس والتهديد مرة اوعن طريق شراء الذمم المنحرفة والشخصيات الوضيعة مرة اخرى، وهذه النتائج كان قد عاشها الامام الحسين عليه السلام في عصر خلافة اخية السبط الاول ابي محمد الحسن بن علي عليهما السلام والتي ادت بالتالي الى اسشهاد  الامام الحسن عيه السلام بعد ان تخلى عنه الكثير ممن ادعوا صحبته واظهروا ملازمتهم لطاعته. من جانب آخر كانت هناك بدايات تأسيس مدرسة دمشق الفقهية على يد معاوية بن ابي سفيان والتي عملت جاهده على تقويض قيمة الفكر الرسالي المتمثل باهل البيت الاطهار، وسعت الى خلق وعي سلبي بحقيقة التاريخ الرسالي فاوجدت هوة شاسعة بين المجتمع الشامي وقيم اهل البيت عليهم السلام، تمثلت بكم هائل من الاحاديث الموضوعة التي تتنكر للحكم الالهي وتمجد فكرة تفضيل المفضول على الفاضل، كما عملت على تعطيل الوعي الجمعي عندما تخلت عن العقل كمصدر من مصادر التشريع، ولهذا عندما اظهر معاوية عقيدة لعن الامام علي عليه السلام على منابر المسلمين بعد استشهاد الامام السبط الاول، كان المجتمع الاسلامي في الشام او في بقية الارض الاسلامية قد تربى على الابتعاد عن المنهج الرسالي وتنكر للقيم العليا التي جاء بها الرسول الخاتم.

ومن هنا ستصبح مواجهة الامام الحسين مع المجتمع في عصر الانحطاط هذا مواجهة تاريخية وعقائدية في آن تقوم على طرح مشروع جديد يعتمد على احداث هزة عميقة تعيد استثارة العقل وتستنهض الوعي الجمعي لوضعه من جديد على المسار الرسالي.

الامام الحسين عليه السلام ومشروع استعادة الوعي:

يبني الامام الحسين عليه السلام  مشروعه الاصلاحي على أعادة تقييم الصراع بين الخط الرسالي الذي يمثله هو واهل البيت النبوي ومجموعة من المؤمنين، وبين الخط المنحرف ممثلا بيزيد ومن دخل في بيعته، فقد راد الخط المنحرف تغيير قيم الصراع بين العقيدة والانحراف ليصبح صراعا قبليا بين البيتين الاموي والهاشمي، ووفق هذه القواعد التي ارادها الخط المنحرف فقد كان يجب احباط العقل، والانحدار بالوعي الى مستويات متدنية يمكن من خلالها تسيير المجتمع والسيطرة عليه، والغريب ان المجتمع الاسلامي كان مهيئا لتلقي هذه الاحباط كنتاج لمنهج السقيفة وما طرحته من تباعد بين المجتمع واهل البيت النبوي عليهم السلام كما ذكرنا سابقا. لاشك إن محاولة الانحدار بالوعي قد ظهرت بوفت مبكر بعد وفاة الرسول الخاتم، في محاولة لاسقاط مفاهيم الخلافة وتحويلها عن النص الالهي، كما ظهر في قضية الاستخلاف خارج النص، وهو ما نبه اليه الامام علي عليه السلام في عصر خلافته، غير ان الهوة كانت قد بدأت تتسع، وهكذا نرى ان الامام علي عليه السلام قد خرج لحرب صفين في تسعين الفا من اهل العراق، في حين ان الامام الحسين عليه السلام لم يخرج معه إلا ثلة هم بضعة وسبعون من اهل بيته واصحابه، وهنا يحق لنا ان نطرح تساؤلا عقلانيا حول مالذي حدث ليتخلى المسلمون عن الامام الحسين عليه السلام وهو من هو في الامامة والوصاية، وهو من هو في الايات والادلة والبراهين والسنن؟ فكيف يمكن لطاغية مثل يزيد ان يجمع من الجيوش ما لم يتمكن من الامام الحسين وهو السبط الثاني ووارث تراث جده الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله؟ لاشك اية اجابة عن هذا التسؤل ستعني ضرورة البحث في قضية العقل ومساحة الوعي الجمعي، فالمسافة الزمنية بين استشهاد امير المؤمنين علي وابنه الامام الحسين عليهما السلام هي عشرون عاما، فمالذي حدث؟ هنا يمكن فهم دور معاوية بن ابي سفيان في الانحدار بالوعي الجمعي الى ادنى مستوياته، والغاء دور العقل، اضافة الى تجريد الفكر الرسالي من اهم مقوماته إلا وهم اهل البيت الاطهار عليهم السلام، فقد تم تحريف النص القرآني عن معانيه الحقيقية، كما تم التخلي عن كل الاحاديث الناصة على قيمة اهل البيت باعتبارهم عدول للقران المجيد، وهكذا تخلى المجتمع عن مفاهيم حديث الثقلين : " اني تارك فيكم الثقلين احدهما اكبر من الاخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض " انظر كنز العمال: 13/104.

بدأ الامام الحسين عليه السلام مشروعة الاصلاحي باحداث هزة تثير اعماق الوعي الاجتماعي الذي تعود الخنوع، فرفض الامام مبايعة يزيد طارحا مقارنة قيمية بينه كحامل لتراث النبوة وممثلا للمنهج الرسالي أضافة الى ما يمثله من نسب شريف وبين يزيد شارب الخمر والمعلن بالفسوق، وقاتل النفس المحترمة، فقد جاء في قوله عليه السلام لوالي المدينة لوليد بن عتبة بن ابي سفيان: " أيها الامير نحن من اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لايبايع مثلة ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون اينا احق بالخلافة والبيعة " اللهوف/10. هذه البداية جائت لتكشف التباين في الجوانب القيمية بين الفريقين في منهج مقارن فيه الكثير من الاختزال الابداعي الذي لا يكون إلا عن عقل رسالي. أما في وصيته لاخية محمد المعروف بابن الحنفية فيقول في جملتها: "  ,اني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت، لطلب الاصلاح في امة جدي صلى الله عليه وآله " البحار: 44/329. وهنا يكشف الامام الحسين عليه السلام عن منهج مشروعه الاصلاحي الداعي الى عودة الفكر الاسلامي الى المسار الرسالي.

فهم الامام الحسين الوحيد كان صيانة العقيدة من الانحراف الذي احاق بها، وهو عليه السلام كان يدرك ان بقاء المجتمع على ما هو عليه من انحطاط عقلي ونفسي وبعد عن المنهج الرسالي سيؤل بالتالي الى انكفاء الفكر الرسالي، وضياع القيم العليا التي جاء بها جده الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله واستشهد من اجلها ابيه واخيه عليهم جميعا سلام الله ورضوانه.

المجتمع وحالة الركود:

جعل الامام الحسين عليه السلام من وجوده في مكة منبرا يعيد من خلاله الناس الى الحكم الرسالي، حيث كانت الوفود تقف ببابه يسالونه ان يفقههم في دينهم، ويأتي اليه من يعرض عليه معالم دينه فيصحح له الحسين عليه السلام ما اخطأ فيه، ويعلمه ما جهله وغاب عنه، وهو في كل ذلك ينبههم الى خطر خلافة يزيد وبيعته، ويضع في خطابه الرسالي مقارنة علمية ونسبية ليكتشف الناس حجم القيم الرسالية التي ينادي بها الامام المعصوم، وذلك التهافت الدنيوي ليزيد ومن يدعو بدعوته، حتى ما خرج الامام الحسين في يوم التشريق أذ (جعلها عمرة)، إلا وحجيج البيت الحرام في حالة من الاندهاش لعظمة مقالات الامام وما يطرحة من منهج انساني يختلف كليا عن طروحات يزيد و ممثليه في مكة والمدينة. لقد حرك الامام الحسين عليه السلام بركة الصمت في عقول ونفوس الناس خلال ايام الحج القصيرة، لكن هذا العنفوان الذي اثاره لم يكن كافيا ليخرج الناس من حالة الركود الى حالة الفعل، وكان يدرك ان مشروعه الاصلاحي لا يحقق غاياته ألا باحداث هزة ترج قيعان النفوس الخاملة، والعقول المتردية في ضحالة الفكر الدنيوي، وهذا لن يتم إلا بطرح نفسه مشروعا للشهادة لتهز شهادته النفوس، ولتستنهض الوعي الجمعي على مسار التاريخ.

الحسين عليه السلام وعامل الزمن:

لاشك ان فهم الامام الحسين لقيمة الزمن الذي يتحرك فيه نابعة في الاصل من قيمة الرسالات السماوية باعتبارها محررة للشعوب، وأن كل هذه الرسالات قد استوعبت حيزا من الزمن العام، وشغلت مساحة في حركة التاريخ، كما ان عملية التحرير هي الاخرى كي تكتسب فهما موضوعيا يجب ان لا تخضع لمعايير المعجز الالهي خضوعا تاما باعتبار ان عملية التغيير تقع على الانسان، فهو الفاعل والمتاثر بها في نفس الوقت، ومن هنا كان عامل ضروريا في احداث التغيير لتكون مراحل التغيير ونتائجة اكثر تاثيرا، ومن هنا كانت الفترة الزمنية منذ اعلان الامام الحسين لثورته في المدينة في رجب سنة ستين للهجرة ( 60 هـ ) واستشهاده في العاشر من محرم الحرام سنة واحد وستين للهجرة (61 هـ) مشحونة بالفعل الرسالي الذي سيؤتي ثماره اثناء التحضير وفي ارض المعركة ثم بعد الاستشهاد، ومن هنا انضم للامام الحسين عددا ممن لم يكن متوقع لهم التحول من جانب الى آخر، فبعضهم كان عثماني الهوى اول الامر وبعضهم كان نصرانيا، وآخرون تركوا معسكر يزيد وانضموا للحسين لينالوا الشهادة، وقد ادرك الحسين عليه السلام ان التداعيات الكبرى لحركتة الاصلاحية ستاتي في مراحل لاحقة في حركة التاريخ، وهذا ما سيكون مجال بحوثنا القادمة انشاء الله.

*المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي المعهد.