إيران 2007: كابوسٌ وحُـلمٌ في آن!

 

سعد محيو

 

 

نامت إيران طيلة أشهر السنة المنقضية على طبول الحرب المصمّـة للآذان، وأفاقت في الأسابيع الأخيرة منها على موسيقى التسوية المحتملة الناعمة.

لماذا؟ وكيف انقلب الوضع رأساً على عقب بمثل هذه السرعة؟

السبب كَـمَـن في التقييم المفاجئ، الذي أصدره جهاز الإستخبارات الوطني الأمريكي في الشهر الأخير من 2007، والذي برّأ طهران من تُـهمة مواصلة السعي لإنتاج القنبلة، وهذا ما أثار أسئلة غير بريئة، تطلَّـبت 5 إجابات بريئة:

السؤال الأول: لماذا ناقض هذا الجهاز، الذي يضم كل وكالات الاستخبارات الأمريكية الـ 16، نفسه على هذا النحو الفاضح، حين أكّـد بـ "ثقة عالية" أن إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري عام 2003، في حين أنه أكَّـد بـ "ثقة عالية" أيضاً في تقريره سنة 2005، أن هذه الدولة تنشط لإمتلاك السلاح النووي؟

قباطنة التقرير الجديد يقولون إنهم بنوا استنتاجاتهم أساساً على الأحاديث الهاتفية التي جرت بين كبار قادة القوات المسلحة الإيرانية، والتي التقطتها الأقمار الاصطناعية الأمريكية، لكن، لماذا لم تلتقط الأقمار أحاديث مماثلة قبل 2005، طالما أن الإيرانيين ليس لديهم شيء يخفونه؟ ولماذا لم يصدِّقوا محمد البرادعي ولجنته الذرية الدولية، والتي ما فتِـئت تؤكِّـد منذ سنوات، أنها لم تعثُـر على أي دليل على وجود البرنامج النووي العسكري؟

السؤال الثاني: لماذا قررت إدارة بوش نشر هذا التقرير الآن، برغم معرفتها أنه قد يُـلحق الضرر بجهودها لاستصدار قرار ثالث في مجلس الأمن حول فرض العقوبات على إيران؟

يقول قادة الحزب الديمقراطي الأمريكي المعارض، إن ضغوط الكونغرس على الإدارة لنشر كل ما تعرفه عن القضية، هو السبب، لكن مسؤولاً سابقاً إيرانياً بارزاً لديه تفسير آخر، قال لصحيفة فاينانشال تايمز: "يجب أن ننتظر، لنتمكَّـن من فهم دوافع نشر هذا التقرير في هذه المرحلة، ربما كان الهدف تقليص فُـرص الهجوم العسكري بهدف جعل العقوبات أقسى في القرارات المقبلة"، وهنا يجب أن نلحظ، يضيف المسؤول، أن بعض أقسام تقييم جهاز الاستخبارات، لم يستبعد أن تستأنف طهران مستقبلاً مساعيها لحيازة القنبلة، وهذا بحدِّ ذاته تبرير كافٍ لمُـواصلة التصعيد ضدّها.

السؤال الثالث: لماذا حرِص الرئيس بوش، وفور إطِّـلاعه على الخطوط الكُـبرى للتقييم في شهري أغسطس أو سبتمبر، أي قبل نحو ثلاثة أشهر من قرار النشر، أن يُـحذّر من أن "امتلاك إيران للقنبلة، سيقود إلى الحرب العالمية الثالثة"؟ هل كان الدافع، الضغط على أجهزة الأستخبار لتغيير تقييمها، كما فعل عشية حرب العراق، أم دفع الأمور إلى حافة الهاوية لإبتزاز طهران قبل النشر؟

السؤال الرابع: إلى أي مدى يُـمكن أن تفاقم هذه الخطوة الأمريكية الجديدة من حمأة الصراعات الداخلية في إيران، خاصة وأن الصقور النجاديين (من الرئيس نجاد)، سيكونون الآن في وضع حرج أمام الحمائم الرفسنجانيين، لأنهم يخوضون مجابهات دولية - إقليمية لا مبرر لها، سوى تعبئة الرأي العام الإيراني وراءهم؟

في هذا السياق، يجب أن ننتبه إلى تقرير آخر صدر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي النافذ، قبل تقرير الإستخبارات بنحو الشهرين، أشار إلى أن الوضع الداخلي السياسي والاقتصادي في إيران يتدهور بسرعة، بفعل الاستنزاف الذي تتعرّض له الخزينة الإيرانية من جرّاء العُـزلة الدولية وأكلاف المجابهات الإقليمية، وأن التهديد الأمريكي بضربة عسكرية، يُـفرمل إلى حدٍّ كبير من هذا التدهور.

السؤال الخامس: صحيح أن تقرير الإستخبارات سيؤدّي إلى تأجيل الحرب الإيرانية - الأمريكية في المستقبل القريب، لكن، مَـن قال أن السبب الوحيد للحرب هو الأسلحة النووية؟ هل كانت أسلحة الدمار الشامل "الصدامية" هي السبب الحقيقي للغزو؟ ثم: أليس الصراع الكبير بين أمريكا وإيران وبين إيران وإسرائيل للسيطرة على الشرق الأوسط بنفطه وجغرافيته الإستراتيجية وإسرائيليته، دافع كاف للحرب؟ إذا ما كان التبرير مطلوباً، فيكفي إغراق سفينة حربية أو مدنية أمريكية في مياه الخليج، لإشعال نيران مجابهة كبرى.

غيتس يَـرُدّ

هذه بعض الأسئلة غير البريئة التي أثارها التقرير. بيد أن وزير الدفاع الأمريكي روبيرت غيتس لم يترك عام 2007 يُـلملم أوراقه ليرحل، قبل أن يتبرّع للإجابة على بعض هذه الأسئلة، واختار مؤتمر الأمن الخليجي في البحرين، للقيام بذلك فهو قفز فوق تقييم أجهزة الإستخبارات الأمريكية حول وقف إيران لبرنامجها النووي عام 2003، ليركِّـز بدلاً من ذلك على المخاطر الصاروخية والإقليمية و"الإرهابية" الإيرانية.

قال غيتس: "أينما يممت وجهك، سترى أن سياسات إيران تُـثير اللاإستقرار والفوضى، بغضِّ النظر عن القيمة الإستراتيجية أو الكلفة من دماء الأبرياء، المسيحيين منهم واليهود والمسلمين، على حدٍّ سواء" وقال أيضاً: "ليس ثمة ظل من الشكّ بأن سياساتهم هذه تشكّـل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة ولمصالح كل دولة في الشرق الاوسط، ولمصالح كل الدول التي تقع في مجال الصواريخ الباليستية الإيرانية".

وقال أيضاً وأيضاً: "كل الخيارات مع إيران لا زالت مطروحة على الطاولة، برغم تقرير الإستخبارات" ماذا يعني هذا الخطاب؟ أمر واحد كان الكثيرون يشكّـون به منذ وقت طويل: أمريكا لا تُـعارض العسكرية، إذ أنها قادرة على محو إيران عن الخريطة مئات المرات خلال 1200 ثانية، إنها تخشى تضخم النفوذ الإقليمي الإيراني الذي قد يُـصاحب هذه القنبلة. وبما أنها ترفض، ليس فقط النفوذ الإيراني، بل أيضاَ أي نفوذ دولي أو إقليمي آخر يقاسمها السيطرة في منطقة النفط، كان من الطبيعي القنبلة الإيرانية لأنها تخشاها من الناحية أن تبحث عن أي ذريعة لإشعال مواجهة تدمّـر إيران من الخارج أو تنسفها من الداخل.

بالأمس كان الملف النووي هو المبرّر. واليوم، سيكون الصواريخ، وغداً سيكون الإرهاب، وبعد غد سيتم إختراع ألف سبب وسبب آخر لمواجهة طهران، طالما أنها تطمح إلى دور إقليمي يتضمَّـن بالضرورة الجغرافية زرع أعلامها بين حقول النفط وممرّاته ومستودعاته.

الملالي والشاه

هذه النقطة الأخيرة هي بالتحديد ما يجعل المحللين يتذكرون شاه إيران السابق، فالإمبراطور كان رجل أمريكا وشريكها بلا منازع في الخليج، لكن، وحين بدأ بتطوير طموحات نووية وإقليمية تتخطَّـى دوره المحدّد كمجرد وكيل لـ "مالك" أصيل، صدر القرار بإعدامه في واشنطن.المؤشر الأول على هذا القرار تجسَّـد في رواية مفاجئة، نشرها مصرفي أمريكي مغمور إسمه بول إيردمان عام 1976، حظيت باهتمام واسع أكثر مفاجأة، وهي تخيّلت شاه إيران (حليف أمريكا نفسه) يحوز سِـرّاً على قنبلة نووية ويشُـن هجوماً مفاجِـئاً للسيطرة على الشرق الأوسط آنذاك، ظن العديدون أن هذه مجرد قصّـة أخرى من قِـصص الخيال العِـلمي الأمريكي، لكن تبيَّـن لاحقاً أنها كانت جُـزءاً من حملة تمهيدية أمريكية لإطاحة الشاه.

الآن، إذا ما كانت الصورة على هذا النحو مع شاه إيران، فكيف يُـمكن أن تكون مع ملالي دوَّخوا أمريكا طيلة 27 سنة وقتلوا أولادها في لبنان والعراق وإفريقيا وجنوب شرق آسيا، وهدّدوا مصالحها في قوس النفط، المُـمتد من مضيق هرمز إلى ساحل بحر قزوين؟ أي "صفقة كبرى" يمكن أن تبرمها واشنطن مع الملالي ولم يكن بإمكانها إبرامها مع الشاه؟ أَعِـيدوا قراءة خطاب روبيرت غيتس في البحرين، فتجدون كل الإجابات، وبوضوح لا لُـبس فيه!

لعبة الثعالب

هكذا إذن، كان المشهد الدولي - الإقليمي في إيران في 2007: تنقّـل بين خياري الحرب والسلام، بدون أن يتضح لأيهما ستكون الغلبة في النهاية وكما كان الغموض سيد الموقف حيال السياسة الخارجية، كذلك سادت الفوضى المفهومية إزاء التوجهات الداخلية الإيرانية، وإن كان هنري كيسنجر ربط ربطاً مُـحكماً بينهما، حين قال مؤخراً إنه إذا كان تقرير أجهزة الإستخبارات الأمريكية صحيحاً حول وقف إيران برنامجها النووي العسكري في 2003، فهذا يعود أساساً إلى تخوّف قادتها من ضربة عسكرية أمريكية ماحقة.

كتب في منتصف شهر ديسمبر في "واشنطن بوست": "حين أوقفت طهران برنامج التسلح وعلّـقت الجهود لتخصيب اليوارنيوم في فبراير 2003، كانت أمريكا قد احتلت أفغانستان بالفعل وتستعد لغزو العراق بدعوى نزع أسلحة الدمار الشامل، وكلا هذين البلدين متاخمان لها. وقبل خريف 2003، حين انضمت إيران، بمحض إرادتها، إلى معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية، كان صدّام حسين قد أطيح به" والإستنتاج؟ إنه، برأيه، واضح: آيات الله أدركوا آنذاك أن ضبط النفس النووي وغير النووي، هو الأسلم في تلك المرحلة، وهم لم يستأنفوا نشاطاتهم العسكرية والإقليمية، إلا بعد ان غرقت أمريكا في وحول العراق.

هل تقييم ثعلب السياسة الخارجية الأمريكية حول سلوكيات الثعالب الإيرانية في محله؟ أجل، وكلياً أيضاً. أيُّ إعادة قراءة لتاريخ الثورة الإسلامية الإيرانية منذ عام 1979، يقود بالفعل إلى هذا الإستنتاج. فالإمام الخميني، على سبيل المثال، قبِـل بـ "تجرّع سُـم" الصلح مع العراق (على حدِّ تعبيره) عام 1988، حين شعُـر أن إيديولوجيا الثورة يجب أن تخضع لمتطلبات الدولة، وبعد نهاية الحرب العراقية - الإيرانية، كانت القيادة الدِّينية تُـسلّم البراغماتي هاشمي رفسنجاني مقاليد الأمور لإعادة بناء الدولة، بمساعدة خارجية أوروبية وغير أوروبية، ثم أطاحت به وجاءت بالإيديولوجي الثوري أحمدي نجاد، حين أحسّت أن ورطة الأمريكيين في العراق قد تفتح فُـرصاً إقليمية هائلة لهم، إذا ما هُـم أظهروا للعالم وجههم العابس والمتصلّـب.

والآن؟ ماذا عن الآن؟

هل تفرض مخاطر الحرب الأمريكية على إيران، والتي لا تزال قائمة ولا تنتظر سوى التبرير، برغم تقرير الإستخبارات، تبادل أدوار آخر في بنية السلطة الداخلية الإيرانية؟

الحدث الكبير الذي وقع في طهران قبل نحو الشهر، والذي لم ينل ما يستحق من إهتمام إعلامي، ينبِّـئ بذلك فقد كشفت مصادر وثيقة الإطلاع أن "الرئيس السابق ورئيس مجلس الخبراء الحالي رفسنجاني، أوفد إلى مرشد الثورة خامنئي وفداً كبيراً من نحو 70 شخصية، ضمّ للمرة الأولى رجال دِين مِـن كل من قُـم والنجف، إضافة إلى أعضاء عدّة من مجلس الخبراء، هذا الوفد عالي المستوى لم يكتف بالتشديد على أن سياسات الرئيس نجاد تُـلحق بالضرر بالدولة والثورة الإيرانيين، بل قال أيضاً إنها باتت تهدِّد مصالح ومصائر الشيعة في كل أنحاء العالم وماذا كان رد المرشد؟ إنه، وِفق المصادر، لم يعلّـق واكتفى بالإستماع. فهل هذه كانت علامة رضى؟ وإذا ما كان الأمر كذلك، هل تترجم هذه العلامة نفسها إنحيازاً لرفسنجاني ضد نجاد في الإنتخابات الرئاسية المقبلة، وربما حتى قبل ذلك؟

لو طُـرح هذا السؤال على الثعلب كيسنجر، لرَدّ بسرعة "نعم"، وهو سيكون على الأرجح على حق، على حق تماماً. وقديماً قيل: لا يُـدرك الشبيه إلا الشبيه!

وإذا ما حدث هذا الإنقلاب الجديد بين الإيديولوجيين الثوريين (نجاد) وبين الإيديولوجيين البراغماتيين (رفسنجاني)، سيكون ذلك ليس فقط رقصاً على إيقاع متطلبات السياسة الخارجية، بل أيضاً الداخلية، خاصة على الصعيد الإقتصادي وكما هو معروف، نقطة الخلاف الرئيسية بين المحافظين البراغماتيين والأيديولوجيين تكمُـن في الآتي: البراغماتيون يعطون الأولوية للاقتصاد (ومعه مصالح الدولة)، والأيديولوجيون للأمن (ومعه إيديولوجيا الثورة)، ويبني البراغماتيون توجُّـهاتهم على المنطِـق الآتي: النظام الإيراني لن يستطيع الصمود في وجه التحديات الخارجية والداخلية، ما لم يُـشفَ الاقتصاد سريعاً من أمراضه المستعصية. فإيران في حاجة إلى أكثر من 20 مليار دولار سنوياً لتوفير فرص عمل لنحو مليون شاب ينضمون كل عام إلى سوق العمل، وزهاء 70 مليار دولار لتجديد البنى التحتية المدنية والنفطية، إضافة إلى ترتيبات طارئة لوقف هدر عشرات مليارات الدولارات سنوياً على جمعيات خيرية وهمية، وخفض التضخّم (15 %) والبطالة (12%)، وكل ذلك غير مُـمكن من دون الاستثمارات الأجنبية، التي لن تأتي إلا إذا ما تصالحت إيران مع الغرب، وعلى رأسه أمريكا.

منطق قوي؟ أجل، لكنه بالنسبة للمحافظين الأيدولوجيين، منطق سام أيضاً. فهم يرون فيه مدخلاً للاستسلام للشروط الأمريكية وتخلياً عن الخيار النووي، القادر وحده على حماية "الثورة"، وتهديداً لاستمرارية النظام الإسلامي عبر نسف ركيزته الرئيسة: القطاع العام.

أين يقف علي خامنئي من هذا الصراع؟ في المكان نفسه الذي كان يقف فيه منذ عام 1997 بين الإصلاحيين والمحافظين: بين بين. فهو يميل إلى طرف، حين تقتضي مصلحة الثورة ذلك، ويميل إلى الطرف الاخر، حين يرى مصلَـحة ما للدولة، وهذا تذبذب أفاد منه في السابق الأيديولوجيون الذين استطاعوا دوماً استثارة خوف "المرشد الروحي" على مصير روح الثورة، ويستطيعون الآن استخدامه (الخوف) ضد رفسنجاني.

الفرصة الوحيدة أمام الرفسنجانيين، تكمُـن في نجاح الغرب في توحيد موقفه، لوضع الإيرانيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما زبدة الاقتصاد أو القنبلة النووية، إما التعاون أو المجابهة الشاملة، حينها سيكون البراغماتيون في موقع يمكِّـنهم من مجابهة الأيديولوجيين ومن تقليص مخاوف خامنئي على الثورة عبر إسالة لُـعابه على مكاسب الدولة الاقتصادية فهل يقدِم الغرب على هذه الخطوة؟ وهل كان هدف تقرير أجهزة الإستخبارات الأمريكي هو هذا الأمر بالتحديد؟

الإجابة التي كانت صعبة ومستحيلة في 2007، ستُـصبح سهلة وممكنة في 2008. فلننتظر قليلاً لِـنَـر.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:swissinfo-1-1-2008