العراق بين العقل المؤسساتي والعقل الشعاراتي

 

مزهر جاسم الساعدي

 

 

ليس من العيب أن يتعلم المواطن والمسؤول سوية أمرا لم يتسن لهما معرفته وممارسته سابقا ولم يكن في ضمن اهتمامهما إلا بعد المتغيرات التي تحدث في سياقها الزماني والمكاني, كالتي نمر بها الآن في العراق  لا سيما إذا كان هذا التعلم ينصب على افتراض تراتبي للأولويات ينحسر بالتدريج إلى التوجه لبناء الدولة ومؤسساتها ورسم الحدود الأولية لما ينبغي أن يقدمه المواطن وما يفعله المسؤول بصفته الوظيفية, لكن العيب كل العيب  يكمن في تخلف وعي المسؤول عن وعي المواطن في تلك الحيثية وتقدم وعي المواطن على وعي المسؤول في التعامل مع مفردات كان من الأجدى أن يغادرها من هو في السلم الوظيفي باعتبار أنها لم  تخلق إلا الفوضى والرجوع بالبلد إلى مربع التخلف المستدام  ,من هنا تنشأ فرضية من يقدم الخدمة لمن ؟ هل يقدم المسؤول الخدمة للمواطن أم يقدم المواطن الخدمة للمسؤول؟ ومن يصحح الأخطاء الكبيرة والصغيرة في حال حدوثها ,هل هو المسؤول أم المواطن ؟أم كلاهما معا؟

وإذا كان الجواب الافتراضي يكمن في التوجه إلى من بيديه مقاليد الأمور التنفيذية فهذا يعني إن المسؤول(الموظف الحكومي) هو المعني الأول في تقديم الخدمة للمواطن من دون استكثار أو منة باعتباره يتقاضى أجرا من المواطن جراء عمله ذاك(الثروة ملك للشعب)واذما كان ثمة خلل في أدائه الوظيفي فحتما سيسارع إلى تفاديه ويعمل بجد على أن يقلص مساحته ما أمكن له ذلك ,آخذا بنظر الاعتبار ما يقدمه المواطن من التأشير إلى مواضع الخلل و من تشخيص الأخطاء ومن ثم اقتراح الآليات السليمة التي تفضي إلى تصحيحها.

حينئذ يحق للمواطن أن  يطمئن على سلامة بناء الدولة ومؤسساتها لا سيما وهو يرى الأداء المؤسساتي للعاملين فيها وللقائمين على مسؤولياتها من دون الركون إلى المزايدات الشعاراتية واستنهاض قيم ما قبل الدولة التي يتبارى فيها الجميع لكسب المعركة الكلامية .وتلك ثقافة ينبغي أن يهضمها المسؤول الحكومي ومن ثم يؤسس لشرعيتها القانونية والأخلاقية والعرفية من خلال المجال الذي يعمل فيه أو يشغله مؤقتا باعتباره موظفا حكوميا .وحتما سيكون التأسيس لهذه الثقافة على مراحل في زمن بناء الدولة,عندئذ يصبح من المباح بل ومن الشرف أن يدعي الكل انهم في حياتهم المهنية يمارسون عملا مهنيا جل همه الإسراع في تقديم الخدمة للمواطن بما يحمل من صفة قانونية وإنسانية ويصبح الأمر أكثر شفافية ووضوحا إذا ما كان هناك ثمة خلل يمكن أن يشار إليه أو يشخص عبر سلسلة من الاجراءت العملية بغية مكاشفة المواطنين بحقيقة ما يعنيهم في ذاك الموضوع.

أقول إن هذه ثقافة لابد من التأسيس إليها والحث على تفشيها بين موظفي الدولة وصولا إلى عزل الذي يتخلف عنها باعتباره لا يمتلك الأهلية في شغل المناصب الحكومية غير أن الأمر لا يبدو كذلك في الممارسة العملية التي نراها يوميا ,ما يثير فينا  الهلع والخوف مما نراه في الأداء غير المؤسساتي عند بعض السادة المسؤولين والذين يتم انتقاؤهم بخبرة واضحة لشغل بعض المناصب .ما يكشف عن عظم المأزق المؤسساتي وهشاشة البناء الذي يؤسس له.

إن الفرق بين العقل المؤسساتي والعقل الشعاراتي  يكمن في طريقة الأداء العملي والنظري.فالعقل المؤسساتي ينظر إلى ما يقدم ضده من نقودات من المواطن ليس بصفته الشخصية إنما باعتباره نتاج عمل مؤسساتي جماعيا يمكن أن ترافقه بعض الشوائب والهنات وهو يدرك الفسحة المقبولة للخطأ فيما يقدم من أداء .لذلك لا يرى أي ضير في أن ينتقد أو يقدم له الآخرون ما يؤشر إلى مواطن الخلل في مجمل عمله بغية استدراكه والعمل على تصحيحه انطلاقا من المسؤولية المشتركة بينه وبين المواطن ,أما من يشغل المسؤولية وهو لا يتمتع بتلك الثقافة, فيعد ما يطرح من المتتبعين لادائه وكأنه قد وجه إليه بصفته الشخصية.لذلك نراه يستحضر كل أدواته للهجوم على من يتجرأ ويمس مركزه الذي يشغله منطلقا في هجومه من ثقافة تراكمت في رصيده المرجعي , تتربع على قمتها قيم التغالب والشعاراتية المحضة التي تفضي بأمثال هؤلاء على إن يسمعوا الآخرين  خطبا ممجوجة لا تنطلي على الصبيان فضلا عن أصحاب الاختصاص وغير ذلك الاندفاع في تقديم كل ما هو شكلاني وغير مثمر باعتباره المنجز الذي لا يقدح به لقد صار الأمر في غاية الوضوح عند المواطن في تأشير ممن ينتمون إلى ثقافة التغالب ثقافة ما قبل المؤسساتية وعدهم مثلبة كبيرة على الوزارات والدوائر الحكومية التي تحتضنهم وتقدمهم كمستشارين أو مدراء أو ناطقين رسميين باسم تلك الوزارة أو تلك الجهة الحكومية , إن معظم هؤلاء ينتمون إلى ثقافة ما قبل الدولة التي تركز على سرد الحكايات المملة ورد الصاع صاعين وأحاديث المقاهي, ظنا منهم أنها من أسس العمل المهني ,وما يزيد الغرابة والدهشة بل والخوف أحيانا, إن فرح رؤسائهم بهم لايقف عند حد معين لا سيما إذا كان دفاعهم عن شخص السيد المسؤول ما يوازي إغفال الحقيقة العينية التي يراها المواطن ماثلة أمامه.

الم تنتج لنا هذه الثقافة كما هائلا من الموظفين البيروقراطيين؟الذين ينحصر جل اهتمامهم في تزيين صور دوائرهم بغية رضا المسؤول لا رضا المواطن ؟ إن المواطن العراقي بات يدرك حجم الكارثة التي تطاله نتيجة الأداء غير المسؤول لأمثال هؤلاء الموظفين كما انه يدرك الفرق بين من يفكر بعقل فردي وبين من يطرح رؤاه على أنها نتاج تخطيط جماعي أي بمعنى أدق (مؤسساتي).

من هنا يمكنني القول إن مراجعة سريعة لما يقدمه بعض المسؤولين من تبرير لإخفاقات واضحة للعيان في أداء بعض المؤسسات يفضي إلى تغطية واقع الخراب الذي يدب فيها نتيجة لوجودهم على رأس تلك المؤسسات ما يكشف عن الفرق ما بين الاداءين أو العقلين والذي يرصده وعي المواطن المتقدم على وعي المسؤول كما أشرت في البداية. إن تجهيل المواطن وعده لا يدرك ما يجري حوله من انجازات وانحسارها على المسؤول باعتباره الحاذق الملم في كل واردة وشاردة ما هي إلا عودة مبطنة إلى (شخصنة) المؤسسة,وتلك بداية تنسف ما يقدم من جهد جدي في أداء بعض مؤسسات الدولة,أما طرح الأشياء بحسنها وتلكؤها يجعل المواطن يطمئننا على أن هناك بداية سليمة ومعافاة في الأداء الوظيفي لإتباعه الشفافية والصراحة ومن ثم إعلانها كما هي من دون الحاجة إلى عقل شعاراتي وبالتالي فهو يطمئنا أيضا على إننا بدأنا نبني عراقا نفخر به.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:madarek