مقالات و محاضرات

 

كيفية التصدي للفـراغ الأمني...

 

 

 

د. معتز محي عبد الحميد

 

الفراغ الأمني يعني بداية غياب أجهزة الشرطة  والأجهزة الأمنية الأخرى عن التواجد المطلوب والمتوقع مما يؤدي الى وجود حالة من حالات عدم الاستقرار وشعور أفراد المجتمع بالخوف من الوقوع ضحية لإحدى الجرائم في ظل عدم مساندة الشرطة لهم.

والفراغ الامني قد يكون شكلياً او موضوعياً والأول يقصد به عدم التواجد الميداني أو المكتبي لعناصر الشرطة بتجهيزاتهم الأمنية المختلفة في الأماكن والمواقع التي يفترض تواجدهم بها أو التي يتطلب الأمر وجودهم بها لتحقيق الأمن وللحفاظ على الأرواح وحماية الممتلكات الموجودة أما الثاني فيراد به عدم قيام أجهزة الشرطة المختلفة وبالرغم من تواجدها الشكلي بأداء المهام الموكلة أليها بالصورة أو الدرجة المطلوبة وعدم تحقيقها لمتطلبات وتطلعات الجمهور وعدم قدرتها على تأمين المجتمع وحمايته من أخطار الجريمة.

ولعله من خلال تعريفنا السابق للفراغين الشكلي والموضوعي ان الثاني اكثرخطورة بكثير من الأول وذلك من عدة نواح تتمثل في عدم الاستفادة أو عدم تحقيق المردود المنتظر من جراءالانفاق المالي لتوفير احتياجات جهاز الشرطة من الناحية البشرية والمادية والتقنية مما يؤدي الى تحميل الدولة خسائر مادية بالرغم من قيامها بتوفير كل متطلبات جهاز الشرطة التي تكفل نجاحه في أداء المهام الموكلة اليه.كما أن الفراغ الموضوعي يعطي حقائق مضللة وغير منظورة اذ تؤكد الصورة العامة والشواهد الخارجية  تحقيق انتشار أمني بالدرجة المطلوبة مما يعني بالضرورة وجود حالة أمنية جيدة وهذا عكس الأمر الواقع بالفعل أضف الى ذلك  شعور أفراد المجتمع باليأس والإحباط من اداء الشرطي غيرا لفعال أوالمنتج .

والذي يرتكز فقط على التواجد السلبي وعـــــــدم القيام بحماية المجتمع ومؤسساته.وأفراده على النحو المطلوب والسـؤال ألان متى يتواجد الفراغ الأمني ؟ وللإجابة على ذلك يمكن القول بان الفراغ الأمني الشكلي أمر مفهوم وواضح ويمكن تداركه والتعرف عليه بسهولة من خلال عدم قدرة جهاز الشرطة على تحقيق التغطية الأمنية بإحدى المناطق أو المواقع نتيجة لعجزه عن توفير العناصر البشرية والإمكانات المساعدة لها لأداء المهام الأمنية المختلفة بهذه المناطق .

 ويحدث الفراغ عادة في المناطق الإجرامية عالية الخطورة والتي تتميز بطبيعة جغرافية وكثافة سكانية ووجود مكثف من الفئات الإجرامية المختلفة مما يحول دون قيام الشرطة بنشر دورياتها  الأمنية وإفرادها بهذه المناطق اذ وجودهم بصورة منفردة لن يحقق الغاية الأمنية المرجوة منه في ضوء العوامل المضادة التي تواجههم مثل جغرافية المكان والنشاط الإجرامي بالمنطقة والسلوك الإجرامي للإفراد المقيمين بها إضافة إلى ان وجودهم دون القدرة على الرد السريع بدوريات أو أفراد آخرين لمعاونتهم في حالة قيامهم بأداء واجبهم الأمني قد يغري ذوي الخطورة الإجرامية والمنحرفين بالقيام بالتعدي عليهم والاستيلاء على أسلحتهم . اما الحالة الثانية والتي يتحقق فيها الفراغ الأمني الشكلي فتحدث عندما يتم بناء مناطق سكنية أو صناعية جديدة وذلك دون تنسيق مع القائمين على الأمن للقيام بإنشاء مواقع شرطية جديدة بهذه المناطق للقيام بالخدمات الأمنية المطلوبة بها مثل أقامة مراكز للشرطة وأقسام للمرور وللجنسية والإقامة وخلافه، الأمر الذي يؤدي الى عزل هذه المناطق أمنياً عن باقي القطاعات وخلق حالة من الفراغ الأمني بها.

وهو الأمر الذي يعطي مؤشراً بامكانية تعرف المجرمين من مختلف المناطق الإجرامية على الحالة الأمنية القائمة بهذه المناطق مما يؤدي الى قيامهم بارتكاب العديد من الحوادث الإجرامية بها دون القدرة على التصدي لهم أو اللحاق بهم بالسرعة وبالقدر المطلوب وهو الأمر الذي قد يؤدي الى زيادة معدلات الجريمة إضافة الى ذلك فان الفراغ الأمني بهذه المناطق سيدفع ذوي الخطورة الإجرامية الى الإقامة بها بعيداً عن أعين اجهزة الشرطة من الناحية وللقيام بجرائمهم المختلفة من تعد وسرقة على المقيمين بها وما بحوزتهم من أموال وممتلكات لمعرفتهم المسبقة بتعذر وصول رجال الشرطة أليهم في الوقت المطلوب. اما بالنسبة للفراغ الموضوعي فانه قد يكون كلياً أو جزئياً ومن صور الأخير أن ينصب اهتمام أجهزة الشرطة على بعض النواحي الأمنية دون الأخرى بالرغم من أهميتها  والحاجة الملحة الى القيام بها وأداؤها بصورة فعالة لحماية إحدى متطلبات المجتمع الأمنية الرئيسية وأفراده ومثال ذلك قصور الاهتمام بالجرائم  ألاقتصادية دون الاجتماعية او الجنائية دون الصناعية وغير ذلك من الجوانب الأمنية المختلفة.

والفراغ الأمني الموضوعي يتواجد في حالات كثيرة منها افتقاد رجال الشرطة لردود الفعل الايجابية في الحالات والمواقف الأمنية المختلفة التي تتطلب هذا الأمر، واتسام ادائهم بالسلبية واللامبالاة وعدم قيامهم باتخاذ الإجراءات المطلوبة والمناسبة للتعامل مع الحدث الأمني أو التباطؤ في اتخاذ رد الفعل المباشر مما يؤدي الى حدوث تداعيات أمنية مختلفة او ضياع حقوق المجتمع والمجني عليهم في القصاص من الجاني ومعاقبته وردع غيرهم ممن تسول لهم أنفسهم ارتكاب الجرائم المختلفة .

ولعل أخطر صور الفراغ الأمني في الوقت الحاضر هو حالة الجمود الفكري التي أصابت القائمين على أمر الجهاز الشرطي والمنوط بهم وضع استراتيجياته وخططه الأمنية والتي تضع في الاعتبار الهياكل الإدارية والفنية العاملة بهذا الجهاز وما يجب القيام به من مراجعة فكرة مستمرة ودائمة وبما يحقق تصحيحاً مستمراً لمفاهيم القائمين على العمل وبما يتضمن توافر القناعة والكفاءة والحمية المطلوبة لأداء كافة مهام جهاز الشرطة والضبط الاجتماعي والتي تعد من أهم مهام هذا الجهاز في العصر الحالي في ضوء التطور والتقدم الحادث بالمجتمع .

ومن صور الفراغ الأمني الموضوعي أيضاً أن تكون هناك فجوة كبيرة بين الوضع القائم بالمجتمع وما حدث به من تقدم وتطور وما يتوقع حدوثه به في هذا المجال وبين تطلعات وآمال الجمهور هذا من ناحية وبين إدراك جهاز الشرطة لحجم التطور الحادث وكيفية تحقيق  التطلعات المرجوة من ناحية أخرى الأمر الذي يؤدي الى تباعد المسافات المكانية والزمنية بين المجتمع وأفراده وجهاز الشرطة.

أيضاً قد يتواجد هذا الفراغ في حالة تخلف او عدم حداثة الآليات والمركبات والاسلحة المستخدمة بمعرفة أفراد الشرطة عن مثيلاتها التي يقوم باستخدامها مرتكبو الجرائم والعصابات الاجرامية مما يضعف من قدرة رجال الشرطة على مطاردة هؤلاء واللحاق بهم أو توجيه الضربات الأمنية الوقائية أو المضادة أليهم . كما أن هناك من الحالات التي توضح ما نعنيه بالفراغ الأمني الموضوعي وتتمثل في ان وظيفة الشرطة اصبحت في عصرنا الحالي ذات طبيعة خاصة تقتضي متابعة التطوير والتحديث في العديد من المجالات مما ضاعف من مسؤولياتها خاصة وأنها تواجه مجتمعا متغيراً يوما بعد يوم في ظل الانفجار العالمي المعلوماتي والتقدم الهائل في مجال الاتصالات والانتقال وبث المعلومات، وعلى ضوء ذلك إذا ما ظلت أو وقفت اجهزة الشرطة دون تتبع كل هذه الأمور والتطورات فأنها تصبح عاجزة وغير قادرة على مواكبة أو اللحاق بالمتغيرات المتلاحقة مما يجعلها في حالة فراغ موضوعي يصعب ملؤه بالتواجد الشكلي فقط  وهذا ما يحدث في الوقت الحاضر.وما يؤكد هذا الأمر ما أشارت اليه البحوث والدراسات الأمنية الحديثة من ان الوقاية من الجريمة ومكافحتها أصبح لا يعتمد على الجانب الكمي لرجال الشرطة والمعدات والتجهيزات والأسلحة المتاحة لهم بقدر ما أصبح يعتمد على مدى توافر الخبرة الفنية والعلمية والمهنية لديهم واتساع مداركهم وقدرتهم على تحمل مسؤولياتهم الوظيفية وتحمل المخاطر المصاحبة للعمل الشرطي بكافة أنواعه وصوره. ويتواجد الفراغ الأمني الموضوعي ايضاً في كثير من النماذج والحالات ومثال ذلك ما يلي:

1- أن تظهر الى الوجود البعض من الأنماط الإجرامية المستجدة وغير المألوفة والتي تتميز بالاعتماد الأكبر على التقنيات في ارتكابها دون ان يواكب ذلك تطور في الهياكل التنظيمية للاجهزة الشرطية وبما يتيح وبالسرعة المطلوبة ايجاد تعديلات أو تطوير بالهياكل القائمة بالصورة التي تمنحها القدرة والفاعلية في التعامل مع هذه الانماط المستحدثة وبما يؤدي الى وجود كوادر شرطية مدربة تدريباً فنياً وعلميا يؤهلها التعامل الفعال معها وبدرجة تسمح بوضع الخطط الفعالة في الوقاية من أخطارها وفي كشف منابعها وملاحقة مصادرها ومرتكبيها.

2-أن يحدث ارتفاع في معدلات الجريمة وبزيادة مضطردة بدرجة كبيرة تؤدي الى حدوث خلل أمني  كبير بالمجتمع دون أن يواكب ذلك إجراءات أمنية  تؤدي في نهاية الأمر إلى خفض هذه المعدلات وذلك من خلال كشف الأسباب التي أدت الى زيادتها ومعالجتها وزيادة جهود الأجهزة الأمنية بما يحقق نجاحاً أمنياً في مجال ملاحقة مرتكبي الجرائم والعناصر الإجرامية ذات درجة الخطورة الإجرامية والحد من نشاطها الإجرامي.

3-في حالة انحراف المؤسسات الشرطية عن أداء المهام الموكلة أليها وانشغال القائمين عليها والغالبية من أفرادها بتغليب مصلحتهم الخاصة على المصلحة العامة والخوف من تحمل المسؤولية والتنصل منها.

4-الاهتمام الأكبر بالجانب الدعائي الإعلامي والذي يهدف إلى إظهار جهاز الشرطة في غير صورته الحقيقية دون توجيه الجهود الى حقول العمل الأمني المختلفة لتحقيق النتائج المرجوة في الوقاية من الجريمة ومكافحتها وتحقيق الأمن المنشود للمجتمع وأفرادها.

5-عدم تناول المشكلات والأسباب الرئيسية والجذرية للجريمة بالدراسة والتحليل وذلك إما بالتنسيق مع المؤسسات المجتمعية ذات الصلة أو بصورة منفردة بالاعتماد على الدراسات والبحوث الأمنية والقانونية التي تتناول هذه المشكلات وأسبابها الأمر الذي يؤدي الى زيادة كم هذه المشكلات وتنامي مخاطرها وصعوبة معالجتها مستقبلياً .

6-عدم الاعتماد على التقنيات المستحدثة لا سيما في مجال إعمال البحث الجنائي والاعتماد على الوسائل التقليدية لإكراه الأفراد على الاعتراف رغماً عنهم عن بعض الجرائم التي لم يقوموا بارتكابها بالفعل، الأمر الذي يؤدي الى فقدان الثقة لدى الجمهور بعدالة هذه الأجهزة ونزاهتها وبما يسمح بهروب الجناة الحقيقيين وإدانة أبرياء لا ذنب لهم في الجرائم المرتكبة .

7-عدم القدرة على التنبؤ بالإحداث الأمنية المستقبلية في ضوء المتغيرات والظروف المحلية والاقليمية والدولية ومثال ذلك ما حدث من أعمال إرهابية بكل من الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا  وفرنسا ومصروالاردن حيث اتضح أن التحليل الأمني لكل المستجدات والمتغيرات بكل من هذه الدول كان ينبأ بوقوع مثل هذه الهجمات وضرورة اتخاذ أقصى درجات التحوط الأمني لمنع وقوعها.

ومما لا شك فيه أن الفراغ الأمني سواء كان شكلياً أم موضوعياً كلياً أو جزئياً فانه يؤدي الى حدوث الكثير من السلبيات من الناحية الأمنية والتي تتمثل في ارتفاع نسبة الجرائم المرتكبة وزيادة سطوة الأفراد والجماعات الإجرامية في المناطق التي يحدث بها هذا الفراغ بل يمتد ليشمل كافة ارجاء الدولة بل والمحيط الخارجي لها في ضوء ما يتم نقله  للجميع عبر دول العالم من أحداث إجرامية او إرهابية تحدث بهذه الدولة.

لكل ذلك أصبحت الدول الآن تتسابق من اجل جمع المعلومات الأمنية ليس عن الإفراد والجماعات ذوي الخطورة الإجرامية من حاملي جنسيتها او داخل قطرها بل قامت بتوسيع دائرة جمعها لهذه المعلومات لتشمل دولاً أخرى وأصبحت تضع تحركات هذه الجماعات نصب أعينها حتى تستطيع أن تحدد اتجاهاتها وما تنوي القيام به من خلال تحليل المعلومات التي ترد أليها بشأن هذه الجماعات .كما تسعى الدول ايضاً الى عقد اتفاقيات أمنية سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف من اجل مشاركة أكثر من دولة معها في الوقاية من الجريمة ومكافحتها ولعل ذلك يرجع في المقام الأول الى ما شهدته الجريمة من تحولات كبرى في العراق في الأشهر الماضية وانتقالها من نطاق المحلية الى ساحة العالمية والى تغيير أساليب ارتكابها التقليدية إلى أخرى تعتمد على الحداثة واستخدام التقنيات المختلفة سواء في التخطيط  أو الأعداد او التنفيذ لها . وأيضاً تقوم الدول الآن بزيادة الاعتمادات والمخصصات المالية المقررة لأجهزتها الأمنية حتى تستطيع أن توفر للعاملين بها أحداث التقنيات والأجهزة والأسلحة التي تمكنها من  فرض سيطرتها الأمنية أو منع وجود الفراغ الأمني سواء كان شكلياً أم موضوعياً .

كما تقوم الدول بارسال أفرادها العاملين في مجال أجهزة الشرطة والعدالة الجنائية  الى  دو ل أخرى للحصول على احدث الدورات التخصصية سواء العلمية أو التدريبية وبما يحقق ارتفاع مستوى أدائهم وبالصورة التي تكفل قيامهم بوضع السبل الفاعلة للوقاية من الجريمة ومكافحتها وعدم تمكين مرتكبيها من الفرار من أيدي العدالة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح – 12-2-2006