تهجير العقول العراقية واستنزاف رأس المال البشري

 

 

د. أكمل عبد الحكيم 

 

 

لسبب أو لآخر، تراجعت المساحة المخصصة لتطورات المأساة العراقية على صفحات وسائل الإعلام المكتوبة المحلية والدولية، وتناقصت أيضاً الفترات الزمنية المعنية بتغطية أخبار العراق على شاشات القنوات التلفزيونية الإخبارية. فقبل زمن ليس بالبعيد، كانت أخبار مثل موافقة الكونجرس الأميركي يوم الأحد الماضي بأغلبية ساحقة، على تمرير ميزانية جديدة لاستمرار دعم العمليات العسكرية في العراق قدرها 189 مليار دولار، أو بدء القوات البريطانية في نفس اليوم بتسليم السيطرة الأمنية على البصرة للقوات العراقية كخطوة أولى نحو الانسحاب النهائي، أخباراً جديرة بمساحات شاسعة على الصفحات الأولى، وبالتحليل المستفيض على الشاشات الفضية. ولكن للأسف، تحولت هذه العلامات المهمة على طريق إحدى أكبر مآسي التاريخ المعاصر، إلى خبر عارض ضمن سيل الأخبار التي تفيض بها وسائل الإعلام يومياً. ويمكن أن نرد هذه الظاهرة إلى سببين؛ أولاً: الإجهاد الخبري (News Fatigue)، فبعد أكثر من أربعة أعوام ونصف من تواتر الأخبار المثيرة للاكتئاب والحزن من العراق، تعب الناس من قراءة أو مشاهدة المزيد. ثانيا: سيطرة اليأس على مستقبل العراق، وانتشار الاعتقاد بأن شعب العراق ستلزمه عقود طويلة كي يتمكن من استعادة أوضاعه السابقة، إن استطاع.

ولعل جزءاً كبيراً من هذا الاعتقاد السوداوي، مرده إلى استنزاف العقول الذي تعرض له العراق، ليس فقط في سنوات الحرب بل أيضاً تحت حكم النظام السابق. بالإضافة طبعا إلى تدمير البنية التحتية، ومقتل مئات الألوف، وهجرة الملايين، وتعميق الخلافات الطائفية، وهي أسباب ستجعل من محاولات الشعب العراقي الوقوف على قدميه مرة أخرى، مهمة شبه مستحيلة. فعلى صعيد استنزاف العقول، يمكننا تصور خطورة الموقف من خلال قائمة نشرتها إحدى المنظمات الأوروبية غير الحكومية، "برسلس ترايبيونال" (The Brussels Tribunal)، تحتوي على أسماء الأساتذة الجامعيين العراقيين والخبراء الأكاديميين الذين قتلوا خلال العامين الماضيين فقط. وتظهر المأساة بشكل جلي من خلال حجم هذه القائمة، والتي تزيد عن خمس عشرة صفحة، تحتوي جميعها على أسماء مرموقة في عالم الطب والعلوم والفنون.

ورغم كون ظاهرة استنزاف أو هجرة العقول (Brain Drain)، ظاهرة معروفة وموثقة في العديد من مناطق العالم، إلا أن ما تتعرض له حالياً العقول العراقية يأخذ شكلين مختلفين في نفس الوقت؛ الشكل الدموي المتمثل في مقتل رئيس جامعة بغداد أثناء تواجده داخل عيادته في الجامعة، والشكل السلمي المتمثل في هجرة الكثيرين من الأكاديميين والمهنيين إلى الدول المجاورة. ومما فاقم من المشكلة، أن نسبة الأكاديميين العراقيين الذين يتعرضون للقتل، أو لجأوا للهجرة، هي أعلى من نسبتهم في المجتمع ككل. ويعود السبب في ذلك، في حالة الشكل الدموي، إلى تعمد المليشيات المسلحة استنزاف عقول الطوائف الأخرى لإحداث أكبر قدر من الضرر النفسي والمعنوي. أما في الشكل السلمي، فنجد أن الأطباء والأساتذة الجامعيين تتوفر لهم العلاقات الخارجية والمصادر المالية بشكل أكبر من بقية أفراد المجتمع، مما يسهل خروجهم وهجرتهم للدول المجاورة والبعيدة.

وبوجه عام تقدر المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، وجود أربعة ملايين لاجئ عراقي، مليونان منهم نزحوا داخلياً، ومليونان آخران نزحوا إلى الخارج على النحو التالي: 1.2 مليون إلى سوريا، 750 ألفاً إلى الأردن، 200 ألف إلى السعودية وبقية دول الخليج، 100 ألف إلى مصر، 54 ألفاً إلى إيران، 40 ألفاً إلى لبنان، 10 آلاف إلى تركيا. ومثل هذه الأرقام تجعل نزوح العراقيين حالياً، هو الأكبر في تاريخ المنطقة منذ عام 1948.

فهؤلاء الملايين يتضمنون عدداً كبيراً من الأطباء العراقيين الذين فروا من البلاد، بسبب سوء أحوال المستشفيات ونقص الأدوية والمعدات، بالإضافة إلى أعداد مماثلة من المهن الحيوية الأخرى في المجتمع العراقي، تتضمن أساتذة الجامعات، ومهندسي الطرق والمواصلات والكهرباء، وغيرهم من الكوادر الذين تعتمد عليهم المجتمعات في إدارة شؤونها الفنية وبخلاف التبعات الفورية لنزوح العقول العراقية، تحمل هذه الظاهرة في طياتها آثاراً مستقبلية خطيرة، من خلال مفهوم الجيل المفقود (Lost Generation). وهذا المفهوم يعتمد على أن التواصل والاستمرارية الثقافية والعلمية والتكنولوجية، تتطلب تسليم الإرث الحضاري من جيل إلى آخر تباعاً. وما يحدث في حالة استنزاف بهذا الحجم، كما هو الحال في العراق، أن جيلاً بأكمله يفقد من هذه السلسلة الحضارية، بحيث يضيع على الأجيال القادمة التوجيه والتعليم والقيادة التي كان يفترض في الجيل السابق أن ينقلها للجيل الحالي. وهو ما يعني أن خسارة العراق من الاعتداء الأميركي، لا يمكن قياسها على الصعيدين العسكري والمادي فقط، بل يجب أن تضاف إليهما أيضاً الخسارة الاجتماعية المتمثلة في هروب رأس المال البشري (Human Capital Flight)، والمماثل لهروب رأس المال المادي المعروف في عالم الأعمال والاقتصاد.

ولذا وبناء على هذه التبعات الحالية والمستقبلية لاستنزاف العقول العراقية، يرى البعض أن الغزو الأميركي للأراضي العراقية، تحت ستار البحث عن أسلحة الدمار الشامل، قد تمكن من تحقيق هدفه الأساسي، المتمثل في حماية العمق الاستراتيجي للدولة الصهيونية، من خلال تدمير العراق مادياً ومعنوياً وبشرياً، ومن ثم الارتداد بمؤسساته العلمية والثقافية والاجتماعية إلى زمن العصور الوسطى.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihad-22-12-2007