طهران وواشنطن والبرادعي: حرب أم لا حرب؟

 

عطاء الله مهاجراني

 

 

كان تقرير الاستخبارات الاميركية صدمة للجميع، وما جاء فيه لم يكن متوقعا كما انه اوجد عقبات أمام إدارة الرئيس جورج بوش.

بوش أعرب يوم الثلاثاء 4 ديسمبر (كانون الاول) عن اعتقاده بان إيران كانت تشكل خطورة قبل التقرير ولا تزال تشكل خطورة بعد التقرير. إلا أن الأمر الواضح هو أن التقرير يعتبر عقبة كبيرة في طريقه إذا اضطر لشن حرب على إيران.

ليس من التفاؤل في شيء، من وجهة نظري، الاعتقاد بأن مثل هذا التقرير يمكن أن يمنع شن حرب على إيران. أود أن ادرس هذا التقرير مع التركيز على ما يمكن ان يحدث بعده.

نتذكر ان تقرير الاستخبارات الوطنية الاميركية حول العراق كان بمثابة الوثيقة الرئيسية التي استغلتها إدارة بوش في تبرير وتنظيم حربها على العراق في الصفحة 24 من التقرير حول العراق هناك بعض المسائل «البالغة السرية» فيما يتعلق بوضع العراق:

ـ «لا يزال العراق يتوسع في العمل ببرنامجه الخاص لإنتاج اسلحة كيماوية وبيولوجية ونووية وصواريخ مخالفا قرارات الأمم المتحدة».

ـ «بوسع العراق إنتاج سلاح نووي خلال فترة تتراوح بين شهور وعام في حال حصوله على مواد قابلة للانشطار تدخل في إنتاج الأسلحة».

احتلت الولايات المتحدة، وقوات التحالف العراق، على أساس هذا التقرير.

في 18 يوليو 2003، على سبيل المثال، قال مسؤول رفيع في البيت الأبيض في معرض تنوير حول الحرب في العراق:

«أمامنا الآن تقرير الاستخبارات الوطنية الاميركية بعنوان (العراق يواصل العمل في برامجه الخاصة بإنتاج اسلحة الدمار الشامل)».

جرى إعداد ذلك التقرير اعتمادا على آلاف الصفحات من المعلومات الاستخباراتية...

جمعينا يدرك ما حدث في العراق، ونشعر بآلام وكوارث العراق كشعب ودولة. يزعم التقرير ان العراق كان على وشك إنتاج سلاح نووي. وهذا زيف مطلق. ولكن بناء على ذلك الادعاء جرى احتلال العراق.

جدير بالذكر ان تقريرا استخباراتيا اميركيا آخر كان قد صدر عام 2005 حول إيران، وهو تقرير يصلح لأن يكون أساسا لنزاعات أخرى في منطقتنا. جاء في ذلك التقرير:

ـ «إيران مصممة حاليا على تطوير اسلحة نووية على الرغم من التزاماتها الدولية وضغوط الدول عليها، لكننا لا نفترض ان إيران ثابتة».

ـ «من المحتمل ان تنتج إيران مواد انشطارية كافية لإنتاج سلاح بنهاية العقد الحالي إذا تمكنت من إحراز تقدم ونجاح بوتيرة أكثر سرعة مما رأيناه حتى الآن».

يبدو ان ذلك التقرير مشابه للتقرير الذي أعد حول العراق. انه وثيقة أخرى لتبرير حرب جديدة. فبعد هذا التقرير قال بوش مكررا إن كل الخيارات على الطاولة، وهذا يعني انه يفكر في حرب جديدة. لا يتحدث بوش عن حرب ضد إيران فحسب، وإنما تحدث حول حرب عالمية ثالثة عندما قال: «تحول إيران إلى دولة نووية من الممكن ان يقود إلى حرب عالمية ثالثة بسبب تصميم الدولة الإسلامية على تدمير إسرائيل» وكتب تشاك فريلش، وهو نائب سابق لرئيس مجلس الأمن القومي، في مقال تحت عنوان Speaking about the Unspeakable: «يجب ان تبدأ إسرائيل والولايات المتحدة حوارا مكثفا حول السبل اللازمة للتعامل مع خطط إيران النووية ويجب عليهما النظر في وسائل شن هجوم على منشآت إيران النووية» وفيما يتعلق بتقرير الاستخبارات الاميركية الاخير كتب مستشار الرئيس بوش لشؤون الأمن القومي، ستيفن هادلي: «سياستنا تسير إلى الأمام. استراتيجيتنا صحيحة».

من الناحية الأخرى قال السناتور جوزيف بيدن، الذي يرأس لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ، إن تقرير الاستخبارات وضع حدا لهاجس الإدارة الاميركية بتغيير النظام والحديث غير المسؤول حول حرب عالمية ثالثة. وقال الرئيس بوش الشهر الماضي ان سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران تهدف إلى تجنب اندلاع حرب عالمية ثالثة.

والآن يعترف التقرير صراحة بأن إيران أوقفت برنامجها النووي عام 2003. وتتضمن الصفحات الأخيرة من التقرير الفوارق الأساسية بين تقريري عام 2005 و2007 .

إيران والبرادعي رحبا بالتقرير الاخير. وقالت إيران من جانبها إن التقرير جاء دليلا على انها لم تعمل على حيازة سلاح نووي. من الناحية الأخرى لدى إسرائيل مشاكل كثيرة وتجد صعوبة في فهم التقرير. كما ان واشنطن فعلت ما في وسعها لتبرير موقف إسرائيل، وقال إيهود اولمرت إنه ووزيرة خارجيته ووزير الدفاع ناقشوا التقرير مع مسؤولي الإدارة الاميركية في أنابوليس. قال باراك أيضا انه اطلع على التقرير وأن وزير الدفاع الاميركي، روبرت غيتس، أطلعه عليه خلال قمة أنابوليس للسلام.

قال باراك: «لا يمكن ان نسمح لأنفسنا بالركون إلى الراحة فقط بسبب تقرير استخباراتي من الجانب الآخر للكرة الأرضية، حتى إذا كان من أعظم الأصدقاء».

أما موردخاي كيدار، الذي عمل في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لمدة 25 عاما، ويعمل حاليا باحثا في مركز السادات ـ بيغن للدراسات الاستراتيجية بتل أبيب، فقد قال إن دوائر الاستخبارات الإسرائيلية تختلف مع ما جاء في التقرير الإستخباراتي الأخير، وقال في هذا السياق: «هذه مسألة تفسير للمعلومات، واعتقد ان الولايات المتحدة وإسرائيل لديهما نفس المعلومات، إلا ان الخلاف ينصب حول تفسير المعلومات. الأعمى فقط هو الذي لا يمكن ان يرى مساعي إيران لوضع يدها على سلاح نووي، إنهم يهددون العالم». هذا هو لب الحرب السيكولوجية الإسرائيلية ضد إيران، فقد قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني: «الكل يتفق حول ان العالم لا يمكن ان يتعامل مع إيران نووية» (جيروزاليم بوست، 4 ديسمبر 2007).

الآن الكل يدرك أن إيران ليس لديها سلاح نووي بناء على ما جاء من البرادعي وتقرير الاستخبارات الاميركية إذاً، لماذا الغضب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران؟ بسبب جملة رئيسية في الفقرة الأخيرة من التقرير: «توصلنا بقدر كبير من الثقة إلى ان لدى إيران إمكانيات فنية وصناعية تمكنها من إنتاج سلاح نووي إن أرادت ذلك».

هذه هي مشكلتهم الرئيسية، انهم يفضلون ألا تتطور الدول المسلمة في أي مجال. فقد قال ناتانياهو في كتابه Somewhere Under the Sun: «نحن مستعدون كي يتعلم المسلمون والعرب من الخبراء الإسرائيليين كل شيء... كيفية استخدام الأرض والزراعة والصناعة...الخ».

الطاقة النووية هي العلم الأكثر أهمية وتقدما. هذا العلم مناسب للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وإسرائيل، لكنه غير مقبول لإيران. من الذي يمكن ان يقبل هذا النوع من المنطق؟ قال الشاعر الإيراني فردوسي قبل ألف عام: «العلم قوة».

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aawsat-18-12-2007