نصف خطوة إلى الوراء في المواجهة مع إيران

 

محمود عوض

 

 

جاء الإعلان الأميركي في الثالث من هذا الشهر عن التقييم الاستخباراتي الجديد بشأن إيران بمثابة مفاجأة كاملة بالنسبة للبعض، ونصف مفاجأة بالنسبة لبعض آخر، وانقلاباً بالنسبة لبعض ثالث، وخديعة بالنسبة لبعض رابع. ما أذيع في واشنطن هو نسخة مختصرة غير سرية من تقييم سري مشترك اتفق عليه 16 جهازاً استخباراتياً أميركياً وعنوانه العريض الذي لفت أنظار العالم هو: ان أجهزة الاستخبارات الأميركية - مجتمعة - أصبحت متأكدة الآن في 2007 من أن إيران أوقفت برنامجها لتطوير أسلحة نووية منذ العام 2003.

للوهلة الأولى بدا هذا مفاجئاً للبعض، حيث أن آخر تقرير معروف لتلك الأجهزة الاستخباراتية نفسها كان صدر في سنة 2005 حيث حكمت على إيران وقتها بأنها «مصممة على تطوير أسلحة نووية». الآن في التقرير الجديد يقول كاتبوه: «نحن نحكم بثقة عالية أن إيران في خريف 2003 أوقفت برنامجها للأسلحة النووية» بسبب الضغط الدولي. أحد أوجه المفاجأة هنا هو أن الرئيس جورج بوش نفسه كان هو الذي أدهش العالم قبل أسابيع قليلة بقوله علنا إنه يحذر من أنه: «إذا كان يهمكم تجنب حرب عالمية ثالثة فإذن يصبح واجباً عليكم منع إيران من حيازة المعرفة اللازمة لصناعة سلاح نووي».

أكثر من ذلك مضت أميركا قدماً في حضّ باقي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا على الاتفاق على مسودة قرار جديد بعقوبات جديدة ضد إيران تحت ضغط الإلحاح عليها بمعلومات تملكها اميركا عن مشروع إيران النووي العسكري. وبرغم أن روسيا والصين لديهما معلومات عكسية إلا أنهما أعطيتا موافقتهما المبدئية على مسودة المشروع الأميركي قبل يومين فقط من نشر هذا التقرير الاستخباراتي في واشنطن.

التقرير الجديد جاء ليؤكد بعض ما كانت واشنطن ترفض سماعه من موسكو وبكين طوال سنوات. وفي اليوم التالي لنشر التقرير الأميركي الجديد أجرى الرئيس جورج بوش مكالمة استمرت 40 دقيقة مع الرئيس الروسي ومكالمة مماثلة مع الرئيس الصيني، ليلح عليهما بفكرة أن صدور التقرير الجديد لا يجب أن يعطل المضي قدما في عقوبات جديدة ضد إيران في مجلس الأمن. بالطبع كان ذلك الإلحاح بلا جدوى، برغم أن وزيرة الخارجية الأميركية حضّت الحلفاء الأوروبيين في منظمة حلف شمال الأطلسي على الاستمرار في تصعيد الضغوط الدولية ضد إيران. بعضهم وافق، وبعضهم تردد، وبعضهم رفض. والتقدير السليم الآن هو أن العالم بعد 3/12/2007 ربما يكون مختلفا عنه قبل ذلك التاريخ، مع تراجع شبح الحرب الأميركية ضد إيران.

بعض المحافظين الجدد الذين كانوا من الأصل قوة دافعة وراء مشروع الحرب لهم قراءة مختلفة. إنها قراءة يبدأونها من الجملة الأخيرة في التقرير الاستخباراتي التي جاء فيها: «نحن نعتقد بدرجة عالية من الثقة أن إيران تملك القدرة العلمية والتكنولوجية والصناعية التى تجعلها قادرة بالتدريج على إنتاج أسلحة نووية لو أرادت ذلك». كلمة «بالتدريج» هنا يقصدون بها أن الاحتمال ضعيف بأن يتحقق لإيران هذا بحلول سنة 2009 ولكن بدرجة تأكد أكبر يمكن أن تصل إيران إلى مثل تلك القدرة بحلول سنة 2015. من هذا الخيط يقول بعض هؤلاء المحافظين الجدد ان إيران، كما أوقفت برنامجها النووي العسكري في سنة 2003 حتى الآن، فإنها تستطيع أن تستأنفه سرا في أي وقت. وفي هذه الحالة يمكن لأحهزة الاستخبارات الأميركية نفسها أن تفاجئ العالم بتقرير جديد يمهد لضربة عسكرية أميركية ضد إيران يتم خلالها تدمير كل منشآتها النووية، مدنية أو غير مدنية.

روسيا من ناحيتها رحبت بالتقرير الاستخباراتي الأميركي الجديد، فبعض ما ورد فيه كانت موسكو تقوله لواشنطن منذ سنوات وواشنطن ترفض الاستماع. وحتى لا يعتبر أحد أن التقرير الأميركي الجديد يمثل تراجعا كاملا وعودة إلى الحقائق المجردة، مضت موسكو في تعليقها خطوة أوضح. من ذلك ما أعلنه سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي في السابع من هذا الشهر من أن المعلومات المؤكدة لدى روسيا هي أن إيران لم يكن لديها أصلا برنامج نووي عسكري، لا في العام 2003 ولا قبلها ولا بعدها. بالطبع لم يجئ هذا بالمرة على هوى الإدارة الأميركية ولا وزيرة خارجيتها المستمرة في التعبئة الدولية باتجاه المزيد من الضغوط ضد إيران فقالت: «لا أرى أن تقديرات الاستخبارات تغير المسار الذي كنا نسلكه» فما ورد في التقرير يظهر أن إيران «استجابت للضغوط وهذا سبب لمواصلة فرض العزلة عليها». وأضافت: «لم يستيقظ الإيرانيون ذات صباح ليقولوا: سنوقف برنامجنا. بل إن الضغوط الدولية والتدقيق الدولي دفعا ايران إلى وقف البرنامج» معتبرة أن «الضغط والتدقيق الدوليين يمكن أن يدفعاها إلى اتخاذ الخيارات السليمة».

التقييم الاستخباراتي الروسي هنا في ما يتعلق بالنشاط النووي الإيراني له مصداقية عملية أكثر من أي تقييم آخر. أولا لأن روسيا هي الطرف الدولي المتعاون مع إيران في برنامجها النووي السلمي. وثانيا لأن روسيا بدورها هي صاحبة المصلحة الأكبر في ألا يكون لإيران - بحكم الجغرافيا - أي توجه نووي عسكري. وروسيا جزء من تلك المنطقة بينما أميركا طارئة عليها. ومع تأكد روسيا من عدم صحة الحجج الأميركية ضد إيران إلا أنها، وضد مصالحها التجارية المباشرة، سايرت أميركا مرتين في العقوبات ضد إيران. وأكثر من ذلك تعمدت روسيا تأخير الوفاء بالتزاماتها التعاقدية نحو إيران لسنوات، وبحجج شتى، سعيا إلى طمأنة أميركا، فكان ثوابها هو سعي أميركا لإحاطة روسيا بحزام صاروخي من أراضي تشيكيا وبولندا، وهما دولتان كانتا حليفتين لروسيا سابقاً في الحقبة السوفياتية.

وسط هذا الجدل لم يتذكر أحد محمد البرادعي ووكالة الطاقة النووية، والحملة الشرسة التي قادتها واشنطن ضد البرادعي شخصيا قبل شهور قليلة في محاولة لابتزازه هو والوكالة الدولية لكي تلوي الوكالة تقاريرها في متابعة الشأن الإيراني وتعطي لهذه الإدارة الأميركية الغطاء الدولي الذي كانت تريده. حملة وصلت حد مطالبة إسرائيل صراحة وعلنا بطرد البرادعي من منصبه. وفي أعقاب نشر التقرير الاستخباراتي الأميركي الجديد كان ملفتا أن التعليق الوحيد من البرادعي في اليوم التالي هو أن النتائج التي انتهى إليها التقرير الأميركي تتفق مع التقييم السابق للوكالة (الذي رفضته أميركا في حينها)، مشيرا إلى عدم توافر أدلة لدى الوكالة حول وجود أسلحة أو منشآت نووية غير معلن عنها في إيران، ومعربا عن اعتقاده بإمكانية أن يساعد التقرير الأميركي الأخير في نزع فتيل الأزمة الراهنة حول إيران وقدراتها النووية.

أما المعارضون للتقرير الاستخباراتي الأميركي الأخير، وهم أساسا من «المحافظين الجدد»، فقد هاجموا التقرير بشدة ما جعل المندوب الأميركي السابق في الأمم المتحدة جون بولتون مثلا يصف التقرير بأنه «انقلاب» من جانب أجهزة الاستخبارات على الرئيس جورج بوش، وان ما جاء في التقرير كان بمثابة محاولة للتأثير على عملية صنع القرار داخل الإدارة الأميركية إزاء طهران.

هذه الكلمة الغليظة - «انقلاب» - هي نفسها التى استخدمتها جريدة «هآرتس» الإسرائلية في أحد تعليقاتها قائلة ان الرئيس الأميركي ونائبه كانا قررا خوض الحرب ضد إيران وكل ما كانا ينتظرانه هو قليل من المعلومات التي تسوغ قرارهما لكن: «جاء الرد انقلابا على بوش، ومماشاة لخصومه في الكونغرس وللمرشحين المعتدلين وغير المتشددين إلى الرئاسة من الديموقراطيين». وبشكل صريح وضمني رفضت إسرائيل التقرير الاستخباراتي الأميركي الجديد وأعلن رئيس وزرائها أن إسرائيل ستواصل جهودها مع واشنطن لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي.

الأمر الملفت هنا هو أن توماس فينجيز نائب رئيس الاستخبارات الإسرائيلية كان ذهب إلى الكونغرس في 11 تموز (يوليو) الماضي ليعرض وثيقة موضوعها «التقديرات الأمنية الدولية» تقرر فيها إسرائيل ان إيران لا تزال ماضية في إنتاج مستلزمات السلاح النووي بالرغم من الضغوط الدولية. يضاف إلى ذلك ان إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل قال أخيراً لإذاعة الجيش الإسرائيلي: «كنت على علم بهذا التقرير الأميركي. ولقد بحثته في الأسبوع الماضي مع الإدارة الأميركية. من الضروري أن نواصل جهودنا مع الأصدقاء الأميركيين لمنع إيران من حيازة أسلحة غير تقليدية».

ذلك «الأسبوع الماضي» الذي يشير إليه أولمرت هو فترة وجوده لحضور مؤتمر أنابوليس الذي عقد في 27 من الشهر الماضي وهندسته أميركا للجمع بين إسرائيل والفلسطينيين بحضور 16 دولة عربية زائداً دول أخرى ووكالات دولية مختارة. هذا فتح الباب أمام شعور دول عربية حضرت مؤتمر أنابوليس بالانزعاج من عدم إطلاع وزراء خارجيتها على التقديرات الأميركية الجديدة في وقت حرص فيه المسؤولون الأميركيون على إبلاغ حلفائهم الإسرائيليين قبل إذاعة التقرير. وحسب ما نقلته وكالة «يونايتد برس» عن دبلوماسي عربي مقرب من أحد الوفود التي شاركت في اجتماع أنابوليس فإن حكومته تشعر بـ «الخديعة والتلاعب من قبل الأميركيين الذين صوروا المؤتمر دائما بأنه تحالف معتدلين ضد المتطرفين الذين تقودهم إيران في المنطقة». وأضاف: «هذه لعبة. فلا يمكن أن يأخذوا العرب إلى أنابوليس لمواجهة إيران ثم يقولون لنا إن إيران أوقفت مسعاها لإنتاج السلاح النووي منذ أربع سنوات».

في الواقع ان الأكذوبة التى رددتها الإدارة الأميركية طوال سنوات عن مشروع نووي عسكري تقوم به إيران كانت دائما هي «السر الذائع» في كواليس السياسات الدولية. فالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك مثلا كان يرفض من الأصل مسايرة تلك المزاعم الأميركية. وحينما صارح بذلك مندوبي صحيفتين أميركيتين قبل سنتين ونشرت الصحيفتان ذلك التقييم الفرنسي ثار مسؤولو الإدارة الأميركية على الرئيس الفرنسي بما جعل قصر الرئاسة في باريس يصدر توضيحا بأن تلك التصريحات لم تكن للنشر. شيراك راح وخلفه نيكولا ساركوزي لكي يقلب هذه السياسة ويزايد على الإدارة الأميركية في التصعيد ضد إيران. والآن ربما يكون هو الآخر فوجئ بالتقرير الأخير من 16 وكالة استخبارات أميركية.

هناك تعليقات - بعضها من أميركيين - في مقدمهم ويليام فاف تقول إنه: «يبدو أن الاستخبارات الوطنية الأميركية كانت مستعدة لنشر التقرير وتفجير الحقائق التى تضمنها منذ الصيف الماضي. لكن معركة شرسة دارت في دهاليز صنع القرار في واشنطن وقادتها إدارة الرئيس بوش وبعض المحافظين الجدد ممن لا يزالون في السلطة لوأد التقرير، أو على الأقل لحذف الأجزاء التي لا تنسجم مع رؤيتهم السياسية». بالتالي - وهذا ما كتبه جيم هوغلاند في «الواشنطن بوست» - فإن «البيت الأبيض كان عاجزاً عن منع نشر الوثيقة التي جعلت مساعدي بوش ساخطين ومتضايقين. وتماشت إدارة بوش معه لأنها تعرف أن الوثيقة في حالة سعيها لمنع نشرها ستتسرب مباشرة».

الصعوبة في قبول هذا التفسير الأخير تكمن في أن أجهزة الاستخبارات، سواء في دولة كبرى أو صغرى، تتبع رئيس الدولة مباشرة. وفي الحالة الأميركية تحديدا فإن من تابع مذكرات رؤساء وكالة الاستخبارات المركزية مثلاً - وآخرهم جورج تينيت - يدرك أن مسؤولي الاستخبارات قد لا يسايرون أحيانا متطلبات الإدارة لكنهم قطعا لا يتمردون عليها. بل حدث في حالات عديدة أنهم كذبوا على الكونغرس تنفيذا لتوجيهات رئاسية. الآن نحن بصدد تقرير لم تكتبه وكالة واحدة وإنما كل الوكالات الاستخباراتية الأميركية الست عشرة. وبينما يعتبر هذا التقرير نصف خطوة إلى الوراء فإنه يترك الباب مفتوحا لتقرير آخر مستقبلا يمكن أن يكون بدوره انقلاباً على «الانقلاب» إذا رأت الإدارة في ذلك ما يناسبها.

لقد تابعنا أصواتا أميركية بارزة في الشهور الأخيرة، في طليعتها زبغنيو بريجينسكي المستشار الأسبق للأمن القومي، وهي تحذر من السلوك المحتمل لهذه الإدارة في سنتها الأخيرة، وتحديدا في اتجاه استدراج إيران أو التحرش بها للدفع نحو سيناريو يقود إلى ضربة عسكرية أميركية ضدها. التقرير الاستخباراتي الأخير في خلاصته يغير اللهجة، ولكنه ما زال بعيدا عن تغيير اللغة.

في الخلاصة فإن مسألة التوجه النووي العسكري الإيراني لم تكن في أي وقت أكثر من غطاء أميركي لأهداف أخرى غير معلنة، بالضبط كما الدور الذي استخدمت فيه هذه الإدارة الأميركية نفسها حجة وجود أسلحة دمار شامل في العراق. وأهمية هذا التقرير الاستخباراتي الجديد وعلاقته بالإدارة الأميركية الراهنة في سنتها الأخيرة ستتوقف على السؤال التالي: هل سيفتح التقرير نقاشاً جاداً وحقيقياً داخل الطبقة السياسية الأميركية حول مجمل السياسات التي مارستها هذه الإدارة في الشرق الأوسط طوال السنوات السبع الأخيرة، أو أنه سيتم التعامل معه كمجرد تقرير بيروقراطي آخر تعود بعده الأمور إلى ما كانت عليه؟

الإجابة هذا السؤال مهمة لأميركا ومهمة للعالم.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-16-12-2007