معادلات الشرق الأوسط: ماذا يتغير؟

 

د. وحيد عبد المجيد 

 

 

هل تغيرت السياسة الأميركية تجاه سوريا سعياً إلى كسبها، وتجاه إيران بحثاً عن وسائل غير عسكرية للجم مشروعها النووي في ضوء تقرير المجلس القومي للاستخبارات، الذي أفاد أنها أوقفت برنامجها للتسلح النووي في نهاية 2003؟ وهل تعني مشاركة سوريا في مؤتمر أنابوليس، والاتصالات التي قد تحمل مبعوثاً منها إلى الرياض قريباً، تغيراً في سياستها ينأى بها جزئياً عن إيران وحلفائها الراديكاليين؟ وهل يوجد أي أساس للحديث عن مساومات كبيرة بين دمشق وواشنطن أقله بشأن لبنان وفق ما أسماه الزعيم اللبناني وليد جنبلاط بازار سوري - أميركي؟ وهل ثمة بداية ما لشرخ في العلاقة الإيرانية - السورية لمجرد أن طهران انتقدت مؤتمر أنابوليس الذي شاركت فيه دمشق؟

هذه، وغيرها، أسئلة تثير بعض الجدل، وكثير من الحيرة، في شأن ما يحدث الآن على خريطة التفاعلات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط. غير أن هذا الذي يحدث قد لا يكون مفاجئاً إذا ربطنا بين أحداث معظمها صغير تراكمت خلال الشهور الثلاثة، وربما الأربعة الأخيرة، ودلت في مجملها على إدراك متنام لدى معظم أطراف الصراع على الشرق الأوسط بأنه لا مصلحة لها في استمرار تسخين الأزمات الأكثر حدة من العراق إلى لبنان وفلسطين.

فهناك ما يدل، أقله منذ أغسطس الماضي على أن الأميركيين والفرنسيين، كما السوريين والإيرانيين صاروا أكثر إدراكاً لأخطار إشعال الساحة اللبنانية، بعد تفجير الساحة الفلسطينية في يونيو، وفى ظل استمرار النيران المشتعلة في العراق. وأتاح ذلك، تدريجياً، للعرب المعتدلين الذين كانوا الأكثر قلقاً من الصراع المحتدم على الشرق الأوسط فرصة للتحرك من أجل تجنب استقطاب قد يشعل المنطقة بأكملها ويمكن أن نعيد ارهاصات ملامح التغير، الذي يحدث الآن، إلى شهر أغسطس الماضي.

تدخل التفاعلات الشرق أوسطية - الدولية مرحلة انتقالية سمتها الأساسية مزيد من السيولة وقليل من الاستقطاب وهي مرحلة قابلة للاستمرار إلى بداية عهد الإدارة الأميركية المقبلة.

في ذلك الوقت كان الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي قد نجح في إقناع نظيره الأميركي بفتح جسر مع سوريا سعياً إلى ايجاد ثغرة في الباب المغلق أمام استحقاق رئاسي كان موعده يقترب. وتزامن ذلك مع تفاهم ملموس شهده الاجتماع الأميركي - الإيراني في بغداد في 6 أغسطس فقد تم الاتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة، وعقد اجتماعات دورية لتجنب سوء الفهم وتقويم التقدم الحاصل في عمل هذه اللجنة. وكانت هذه بداية تهدئة في الساحتين الرئيسيتين اللتين شهدتا أهم التفاعلات الناجمة عن الصراع بين أميركا والغرب من ناحية والمحور الإيراني - السوري من ناحية أخرى.

لبنانياًٍ، كانت باريس قد بدأت مسعى إلى جمع أطراف تحالف 14 آذار و8 آذار الذين (لا يتكلمون مع بعضهم البعض) حسب تعبير وزير خارجيتها برنار كوشنير في ذلك الوقت، وفتح خطين مع طهران ودمشق عبر زيارة مبعوثها جان كلود كوسران إلى كل من العاصمتين خلال الثلث الثاني من يوليو الماضي.

وعندما التقى الفرقاء اللبنانيون المتخاصمون تحت الرعاية الفرنسية في سان كلو، كانت هذه بداية الطريق إلى استئناف اللقاء بين نبيه بري وسعد الحريري ممثلين عن التحالفين المتصارعين. وحين حط المبعوث الفرنسي في باريس في 18 من الشهر نفسه، بدا أن شيئاً ما يلوح في الأفق. فقد أعلن كوشنير أن إرسال كوسران إلى دمشق يعتبر (مبادرة على طريق التهدئة شرعنا فيها استجابة لإشارات إيجابية من سوريا بشأن لبنان). وإذ جاء إعلانه هذا في ختام محادثات أجراها مع نظيره البريطاني ديفيد ميليباندان، فقد بدا الجسر الذي فتحته باريس مع دمشق موضع تفاهم غربي.

وكان استمرار الاتصالات الفرنسية - السورية، وعدم دخول واشنطن على الخط بمواقف تصعيدية ضد دمشق، بالرغم من أن الأمور لم تسر في الاتجاه الذي تطلعت إليه باريس، مؤشراً على أن ساركوزي استطاع تليين الموقف الأميركي الذي بدا- في بعض اللحظات - مندفعاً باتجاه تشجيع بعض قوى 14 آذار على التصعيد.

غير أن الأمر لم يكن مجرد نجاح فرنسي في التأثير على هذا الموقف. فالتفاهم الأمني الذي توصل إليه الأميركيون مع إيران في العراق بدأ يؤتي ثماره على الأرض وإن ببطء. وقبل أن ينتهي سبتمبر، كان هناك ما يدل على أن تقدير الجانب العراقي لنتائج الاجتماع الأميركي - الإيراني في 6 من الشهر السابق لم يكن مبالغاً كثيراً وساهم التعاون الإيراني بالفعل في حدوث تحسن في الوضع الأمني في عدد من المناطق العراقية الحيوية للمرة الأولى منذ أن تدهور هذا الوضع في العام 2004. وأقر الأميركيون بجانب رئيسي من هذا التعاون، وهو تراجع تدفق الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود وشمل هذا الإقرار، الذي صدر عن الجنرال، ريموند أوديرنو نائب القائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق، الحدود السورية أيضاً. وعاد أوديرنو قبل أيام (3 الجاري) فعبر عن (سرور الجيش الأميركي للتحسن والتطور اللذين أظهرتهما سوريا)، في الوقت الذي صدر عن الجانبين الأميركي والإيراني ما يفيد الإعداد لعقد جولة حوار جديدة حول العراق قبل نهاية الشهر الجاري.

ويصعب فصل التغير الذي حدث في موقف التيار الصدري، في أغسطس باتجاه وقف نشاطات "جيش المهدي"، عن التطور الذي تشهده العلاقات الأميركية - الإيرانية منذ ذلك الوقت. وإذا كان إقدام كل من طهران ودمشق على إشارات إيجابية ملموسة فعلاً، وليس فقط قولاً قد دفع واشنطن إلى إبداء مرونة تشي ببوادر تحول عن سياسة المواجهة والصدام معهما، فقد ساهم في ذلك أيضاً إدراكها صعوبة توفير مستلزمات هذه السياسة، وأهمها بناء تحالف عربي معتدل في مواجهة المحور الإيراني - السوري.

فلم تجد وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس استعداداً لدى مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي للانضواء في تحالف يدعم سياسة واشنطن لمواجهة إيران ومحاصرة سوريا (1+ 2+ 6). فلا مصلحة لهذه الدول العربية في تحالف قد لا يُحصد منه إلا الخسائر داخلياً وإقليمياً وكانت رسالة هذه الدول إلى الأميركيين واضحة، وهي أن التحرك لتسوية القضية الفلسطينية هو الطريق لإضعاف دور المحور الراديكالي، الذي يتغذى عليها، وبالتالي تحجيم نفوذه في المنطقة. وعندما دعا الرئيس بوش، في هذا السياق، إلى مؤتمر أنابوليس في 16 يوليو الماضي، كان على السعودية ومصر والأردن أن تبذل جهداً كبيراً لاقناعه بأن استبعاد سوريا منه يجعله مؤتمر مواجهة ضدها وإيران وليس مؤتمر سلام. وأثمر هذا الجهد، في النهاية، دعوة سوريا إلى المؤتمر بعد أن كان بوش قد أعلن أن حضورها مشروط بنبذ العنف والإرهاب. وهذا شرط ينطبق على سوريا وفق المعايير الأميركية الخاصة وهكذا كان لحضور سوريا مؤتمر أنابوليس مقدمات تتجاوز بكثير قضية الجولان والصراع العربي - الإسرائيلي في مجمله، وتنسحب على إيران بالرغم من رفضها هذا المؤتمر وتنطوي هذه المقدمات على بوادر تغير في التفاعلات الإقليمية باتجاه تجنب الاستقطاب بين محور إيراني- سوري راديكالي وآخر عربي معتدل، حاولت واشنطن من دون نجاح أن تضعه تحت قيادتها.

غير أن هذه المقدمات لن تسفر غالباً عن نتائج محددة في المدى القصير، الذي قد يمتد حتى انتهاء فترة إدارة بوش الثانية. فالأرجح أن سوريا وإيران ستواصلان تقديم الإشارات الإيجابية بحذر، وربما بطريقة خطوة أو خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء ولكن لأهداف مختلفة. تريد إيران، في المقام الأول، تكريس التحول الذي بدأ في التعاطي مع برنامجها النووي بمنأى عن الخيار العسكري، الذي صار موقف المطالبين به أضعف من أي وقت مضى.

ولذلك ستسعى طهران إلى شراء وقت، حتى في مقابل مزيد من العقوبات، حتى منتصف العام المقبل حين تبدأ إدارة بوش في لملمة أوراقها. أما سوريا فهي ستنزع إلى وضع قدم مع المعتدلين العرب، وإبقاء الأخرى التي ستظل هي محور الارتكاز مع إيران وباقي حلفائها.

وهكذا تدخل التفاعلات الشرق أوسطية - الدولية مرحلة انتقالية سمتها الأساسية مزيد من السيولة وقليل من الاستقطاب وهي مرحلة قابلة للاستمرار إلى بداية عهد الإدارة الأميركية المقبلة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihad