ضباب المال وأزمة الائتمان والسيولة !!

 

جون بول فيتوسي

 

 

كثيراً ما يتحدث القادة العسكريون عن "ضباب الحرب" ـ أو حالة عدم اليقين التي تتسم بها ساحة القتال. ولقد كشفت أزمة الائتمان والسيولة الأخيرة عن حالة مماثلة في أسواق المال، فمن الواضح أن لا أحد، ولا حتى البنوك المركزية، يفهم طبيعة هذه الأزمة أو مدى خطرها وكثيراً ما يقال إن ما يسمى أزمة "الرهن العقاري الثانوي" كانت نتيجة للسياسات النقدية الرخوة التي أدت إلى سيولة فائضة في أسواق المال. إلا أن هذا ينطوي على تناقض واضح، فكيف من الممكن أن تؤدي السيولة الفائضة في النهاية إلى عجز في السيولة يضطر البنوك المركزية إلى التعويض عنه؟

الحقيقة أن الاسترخاء النقدي قد يكون عرضاً، ليس للسيولة الفائضة، بل لفرط الادخار. وهذا ينعكس على هيئة ارتفاع في معدلات التفاوت في الدخول في العديد من بلدان العالم النامي، علاوة على الفوائض المتقلبة لدى الدول المنتجة للنفط والدول الآسيوية ولم يكن ظهور صناديق الثروة السيادية، كتلك في الصين ودول الخليج، لاستثمار المدخرات الناتجة عن الفوائض في الميزانية لدى مثل هذه الدول، إلا بمثابة قمة جبل جليد تخمة الادخار العالمية.

وبينما تتسبب السيولة الفائضة في التضخم وتدعو إلى رفع أسعار الفائدة، فإن فرط الادخار يؤدي إلى الانكماش ويدعو إلى تخفيض أسعار الفائدة. ويأخذنا هذا إلى المعضلة التي تواجهها البنوك المركزية. فحين يعجز محافظو البنوك المركزية عن تجنب أزمة ما ـ أو حين يساهمون في خلق أزمة ما - تتخلص مهمتهم الأساسية في بذل قصارى جهدهم لاحتواء التأثيرات الناجمة عن تلك الأزمة.

وهنا تكتسب كل تصرفاتهم، وكل كلمة تنطق بها ألسنتهم، وكل إيماءة تصدر عنهم قدراً عظيماً من الأهمية. ذلك أن البنوك المركزية ليست مجرد الملاذ الأخير للإقراض فحسب، بل إنها أيضاً متحدث الملاذ الأخير. وفي كلٍ من الحالين كان أداء بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة أفضل كثيراً من أداء البنك المركزي الأوروبي في التعامل مع الأزمة الأخيرة.

إذا كانت المشكلة تكمن في فرط الادخار، وإذا ما تسببت حالة عدم اليقين في تراجع الثقة، فقد يكون من الضروري ضخ كمية هائلة من السيولة إلى الأسواق كما فعل البنك المركزي الأوروبي في مواجهة أزمة الرهن العقاري الثانوي، إلا أن هذا ليس بالعلاج الشافي. فقد يكون من الضروري أيضاً تخفيض أسعار الفائدة من أجل استعادة الثقة. ولقد استوعب بنك الاحتياطي الفيدرالي هذه الرسالة. والآن تريد أوروبا أن تعرف لماذا لم يستوعب البنك المركزي الأوروبي الرسالة نفسها.

فضلاً عن ذلك فقد أدت جهود بنك الاحتياطي الفيدرالي في النهاية إلى الاستقرار، وذلك لأنه أفصح عن نواياه بوضوح قبل تنفيذ أي خطوة. أما البنك المركزي الأوروبي، فقد أشار رئيسه جون كلود تريشيه، في أواخر آب (أغسطس) الماضي، إلى القرار الخاص بالسياسة النقدية الذي اتخذ قبل الأزمة لتبرير إمكانية رفع أسعار الفائدة، ثم ترك أسعار الفائدة بلا تغيير. وفي السادس من أيلول (سبتمبر) أعلن تريشيه أن البنك المركزي الأوروبي قرر الحفاظ على الوضع الراهن، دون أن يفسر ماذا يعني بذلك ورغم قبول البنك المركزي الأوروبي ضمناً لهدف النمو الاقتصادي، إلا أنه استمر في السير على الخط المتشدد نفسه في مواجهة التضخم في الرابع من تشرين الأول ( أكتوبر).

إن السبب وراء جمود البنك المركزي الأوروبي وتقاعسه عن العمل وغموضه في غاية البساطة: فهو مسؤول بشكل عرضي فقط عن النمو الاقتصادي في منطقة اليورو؛ وهذا يعني أن هدفه الأساسي يتلخص في "استقرار الأسعار". إلا أن الأزمة الحالية، مثلها كمثل الأزمات التي سبقتها، تؤكد أن السياسة النقدية تحكم التوقعات وتقيدها، ليس فقط فيما يتصل بالتضخم، بل أيضاً بالنسبة للنمو، سواء شاءت البنوك المركزية أم أبت.

ما دام البنك المركزي الأوروبي مصراً على عدم الاعتراف بالشكوك التي تحيط بالاقتصاد الأوروبي الآن، فلسوف يظل خطر الانهيار قائماً. إن البنك المركزي الأوروبي يؤمن بأن الإهمال الحميد يشكل السياسة السليمة في التعامل مع أسعار الصرف، وأن قمم مجموعة السبعة الكبار هي المكان المناسب للتعامل مع التقلب النقدي. بيد أن اليورو يشكل شأناً أوروبياً خالصاً. فما السبب الذي يدعو إذاً إلى علاج موقف تتحمل فيه أوروبا عبء العملات الضعيفة في الولايات المتحدة وآسيا، في منتدى عالمي كهذا؟ حين تستحكم الأزمات فإن الشيمة الوحيدة الأسوأ من الشك هي اليقين الزائف.

إن المفارقة العجيبة هنا أن البنك المركزي الأوروبي كان بوسعه أن يؤمن استقلاله عن طريق تخفيض أسعار الفائدة في السادس من أيلول (سبتمبر)، ثم في الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) والآن سيضطر إلى هذا مكرهاً. لقد اختار البنك المركزي الأوروبي، الذي وقع ضحية لنظرته الرجعية، أن ينتظر وقوع الأسوأ بدلاً من منعه ونتيجة لهذا فليس من المرجح أن يؤدي تخفيض أسعار الفائدة الأوروبية، حين يحدث، إلى التأثير المطلوب منه فيما يتصل بتحقيق الاستقرار.

جون بول فيتوسي أستاذ علوم الاقتصاد لدى معهد باريس للدراسات السياسية، ورئيس مركز الدراسات الاقتصادية التابع لمعهد باريس للدراسات السياسية OFCE. إيلوا لورين كبير زملاء البحث لدى مركز الدراسات الاقتصادية في باريس.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqtesadya