خريطة التعصب الأميركي ضد «الخطر» الإسلامي!

 

السيد يسين

 

 

حين عرضنا في المقال الماضي للتحديات الثقافية للأمن القومي العربي، قررنا أن أبرز مصادر التهديد الثقافي للأمن القومي العربي تتحدد أولاً في الصور النمطية الثابتة عن العرب والمسلمين التي ذاعت على وجه الخصوص بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، والضربات الإرهابية التي تم توجيهها للولايات المتحدة، وتتعلق ثانيا بأطروحة صراع الحضارات. وفي إطار تجوالي المنظم على شبكة الانترنت فوجئت بوثيقة أميركية خطيرة صادرة عن جمعية أميركية أهلية اسمها «جمعية الأميركيين من أجل الوجود القومي» (SANE)، ولها موقع على الشبكة هو mapping sharia .us أي «رسم خريطة للشريعة»، ويدير هذه الجمعية ديف غوباتز، ونشر مقالة على الشبكة بعنوان «جواب من المدير: لماذا تتخصص الجمعية بموقعها الإلكتروني في رسم خرائط دقيقة لأماكن وجود المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية»؟

ويقول إنه سئل من قبل عديد من الأميركيين لماذا من الضروري رسم خرائط لكل جامع ولكل مدرسة إسلامية في الولايات المتحدة الأميركية، وبناء مقياس لتقدير درجة تهديد الشريعة الإسلامية للمجتمع الأميركي؟ ويتساءلون أيضاً لماذا تقوم الجمعية بهذا الجهد البحثي الشامل، بدلاً من سلطات تطبيق القانون المكلفة بالدفاع عن البلاد منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر)؟

ويجيب مدير الجمعية على ذلك أن خبرته العملية امتدت لعشرين عاماً، إذ عمل في السلاح الجوي الأميركي في مكتب التحقيقات الخاصة، وفي أجهزة الدولة الفيديرالية باعتباره متخصصاً في الاستخبارات والجهود المضادة للإرهاب، وخصوصاً الإرهاب الإسلامي، ودفعه ذلك لتعلم اللغة العربية وللخدمة لسنوات في الشرق الأوسط، وكان الغرض هو معرفة لماذا يريد الإرهابيون قتل الأميركيين وتدمير أمتهم، وكيف سيفعلون ذلك؟

حين قرأت هذا النص لمدير هذه الجمعية الأميركية الأهلية، التي لا تهدف الربح، عن تخصصها الدقيق في تحديد مواقع كل مسجد في أميركا وكل مدرسة إسلامية لتقدير مدى ما تمثله الشريعة من خطر على المجتمع الأميركي، أيقنت أن ما سبق أن أكدته من سيادة الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين باعتبارهم خطراً يهدد الأمن القومي العربي، تحول إلى حملة عداء واستعداء صريحة ضد الوجود الإسلامي نفسه في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا يفترض ابتداء اعتبار كل مسلم مقيم في أميركا وكل مسجد وكل مدرسة إسلامية، خطراً محتملاً على الأمن القومي الأميركي.

ويقرر مدير الجمعية ديف غوباتز أنه تعلم - من بين ما تعلمه - أن الايديولوجية السياسية التي تهدف إلى الانتصار على الغرب والعالم من أجل إنشاء خلافة إسلامية، ليست وقفاً على بعض الجماعات المتطرفة من المسلمين، بل إن هذا هو التيار الإسلامي الرئيسي الذي يمثل جوهر الشريعة. ويزعم أن القانون الإسلامي تاريخياً وتقليدياً ورسمياً يطلب من كل مسلم أن يسعى لتحقيق هذا الهدف من خلال جهاد النفس وعن طريق الدعوة، والجهاد الخارجي أي الحرب.

ويقرر أنه إذا كان صحيحاً أن كل المسلمين لن يتبعوا هذه التوجيهات، غير أن أي مسلم يقبل الشريعة باعتبارها جديرة بالتطبيق، يرنو أو يحلم على الأقل باليوم الذي ستطبق الشريعة الاسلامية في بلده وفي العالم كله.

هذه الأهداف الإسلامية يمكن في رأي مدير الجمعية تحقيقها بوسائل شتى، منها الدعوة الهادئة، والدعاية والعلاقات العامة، والحوارات الفكرية، وعن طريق استخدام السلطة المعنوية، أو اللجوء إلى التهديدات المبطنة، أو التهديدات الفعلية، واستخدام القوة السياسية، وأخيراً استخدام العنف.

ومهما تعددت الوسائل فالهدف واحد، وهو إخضاع العالم الإسلامي كله للشريعة الإسلامية، ومن لا يوافق على ذلك - كما يقول هذا الناشط أو بمعنى أدق هذا المتعصب الأميركي - يقتل! وهذا في رأيه هو الحكم القانوني الذي تنص عليه كل مذاهب الفقه الإسلامي. أما بالنسبة الى غير المسلمين من اليهود والمسيحيين، فإنه سيتاح لهم أن يعيشوا في الدولة الإسلامية كمواطنين من الدرجة الثانية، وعليهم أن يدفعوا الجزية رمزاً لخضوعهم للدولة الإسلامية وفي إجابة المدير عن السبب وراء قيام جمعيته ببذل كل هذا الجهد لرسم خرائط تفصيلية للوجود الإسلامي في أميركا، يقول إنه يوجد هناك على الأقل ثلاثة ملايين مسلم يتغلغلون في كل مكان، بل إن هناك تقديرات أخرى ترفع عددهم إلى ستة ملايين. ويقول إنه بناء على الإحصاءات الرسمية للحكومة الأميركية فإن هناك بيانات ديموغرافية تثير القلق الشديد.

على سبيل الدقة هناك في أميركا 1209 مساجد، وعدد المسلمين المرتبطين بهذه المساجد يصل إلى مليوني نسمة. ونسبة الزيادة في عدد المساجد منذ عام 1994 هي 25 في المئة. ونسبة المساجد التي بنيت منذ عام 1980 هي 62 في المئة ومتوسط عدد المسلمين المرتبطين بالمسجد الواحد 1625 مسلماً. ونسبة المتحولين إلى الإسلام 30 في المئة. ومن ناحية أخرى فإن عدد الأميركيين المسلمين الذين يوافقون بشدة على أهمية اشتراكهم في المؤسسات الأميركية وفي العملية السياسية 70 في المئة.

في ضوء هذه الإحصاءات يرى ديف غوباتز مدير هذه الجمعية التي تدافع عن الوجود القومي الأميركي، أن بلاده تواجه مشكلة حقيقية. ويبدو الخطر الماثل في أن أشد التيارات السلفية تشدداً هو الذي يموّل هذه المساجد والمدارس الإسلامية ويحاول مدير الجمعية أن يخفف من غلواء هجومه على الإسلام والمسلمين، فيقرر أن التيار الأساسي للإسلام ليس فيه عدوان أو عنف ضد الآخر، غير أن هذا التيار اختطفته مجموعة من المتطرفين الذين يدعون الى العنف كأساس للتعامل مع غير المسلمين وأياً كان الأمر فيبقى السؤال: ما هو الهدف الرئيسي لجهود «جمعية الأميركيين من أجل الوجود القومي»؟

تجيب الوثيقة التي نعرضها أن هذا الهدف هو رسم خريطة دقيقة للوجود الإسلامي في المجتمع الأميركي عنوانها «إعرف عدوك» ووسيلة ذلك هي إنتاج خريطة رقمية تفاعلية تسمح لك بأن تضغط على شاشة الكومبيوتر على أي منطقة في أميركا في أي ولاية، لتحدد لك مكان المساجد والمدارس الإسلامية، وأي منها يوجد بجوار محطة مياه أو كهرباء، وما هو نوع الدعوة السائدة في المساجد، ومن يقوم بها، وبناء على ذلك سيصمم مقياس يسمح لك أيها المواطن الأميركي غير المسلم بتقدير مستوى الخطر الإسلامي الذي يتهددك! ومعنى ذلك أننا انتقلنا من مجرد تبني بعض الغربيين لصور نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين، إلى استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة للرصد الدقيق لمواقع وجود المسلمين في كل ولاية أميركية.

إن لم يكن هذا تحريضا سافراً للأميركيين للاعتداء على المسلمين الأميركيين فماذا يكون؟ والسؤال الأهم: ما الذي يمكن أن تفعله قانونياً الدول العربية والإسلامية لوقف هذه المشاريع العنصرية التي تهدد بالفعل الأمن القومي العربي؟

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat