بوتين...الرئيس الروسي القادم من التاريخ

 

ليون آرون

 

 

مستمدا قوته من فوهات البنادق وبراميل النفط

ورد في حديث الرئيس بوش الأسبوع الماضي تعليق على نظيره الروسي جاء فيه: ''لست أدري ما الذي سيفعله في العام المقبل''. والملاحظة هنا أن بوش ليس وحده فيما يتصل بهذا الاعتقاد، إذ لا يزال يجهل الجميع ـ عدا فلاديمير بوتين ـ ما إذا كان سيتخلى عن منصبه الرئاسي في العام المقبل أم لا. ورغم الإعلان المنسوب له مؤخراً عن عدم ملاءمته لتولي منصب رئيس الوزراء المقبل، فإن الحدس الروسي العام لا يزال يشير إلى احتمال إمساكه بخيوط الرئاسة في ظل وجود رئيس جديد عقب انتخابات الثاني من مارس المقبل المرتقبة. وعليه فإن من الضروري أن نفحص هذا الاحتمال جدياً، قبل أن يشرع المرشحون الرئاسيون الأميركيون في صياغة سياسات خارجية روسية تقوم عليه.

وفي ضوء ما نعلمه حتى الآن عن شخصية ''بوتين'' وطبيعة النظام السياسي الاقتصادي الذي أنشأه، فإنه يرجح أن يجد طريقة ما، تمكنه من مواصلة دوره الرئاسي أياً كانت التسمية أو الصفة التي تتم من خلالها ممارسة هذا الدور، فالمهم هو الإبقاء على لقب ''الرئيس بوتين'' هذا الذي بات من الصعب جداً عليه التخلي عنه. وفي معرض هذا الفحص يمكن القول ابتداءً إن ''بوتين'' قد فعل عكس ما صرح به علناً بشأن بعض القضايا السياسية الرئيسية؛ ففي شهر نوفمبر من عام ،2003 على سبيل المثال، أعلن ''بوتين'' أنه لا ينبغي للدولة أن تسعى لإلحاق الدمار بشركة ''يوكوس'' التي كانت تعد حينها، أكبر وأحدث الشركات الخاصة الروسية، بل أكثرها شفافية أيضاً، غير أن الذي حدث على صعيد الممارسة أنه فعل تماماً عكس ما صرح به، عبر سلسلة منظمة من الإجراءات والتهم الملفقة بحق الشركة. وكثيراً ما ردد ''بوتين'' الحديث عن مدى حاجة روسيا إلى نظام سياسي تعددي قوي، أما ما فعله عملياً فهو التخطيط المنظم لجعل المشاركة في الانتخابات البرلمانية أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد بالنسبة لأعدائه ومنتقديه، مستخدماً في ذلك لجنة انتخابية عرفت بولائها الشديد للكرملين، مع العلم أنها الهيئة الوحيدة القائمة على إدارة الحملات الانتخابية الروسية، وبالتالي فما من حزب واحد في البلاد يستطيع المشاركة في الحملات الانتخابية دون الموافقة المسبقة من الكرملين.

كما يلاحظ أيضاً أنه لم يخل خطاب واحد من خطابات ''حالة روسيا'' السنوية التي ظل يلقيها بوتين منذ عام ،2000 من مدح النظام الديمقراطي والتشديد على أهمية تعزيزه وبنائه، ولكنه ترك تلك الخطابات جانباً ليقرر إلغاء انتخاب الحكام الإقليميين، الذين يتم تعيينهم الآن مباشرة من موسكو. كما أصاب بوتين في تعريفه للصحافة الحرة المستقلة، باعتبارها الضمانة الوحيدة لفضح الفساد ومحاربته، غير أن الذي حدث عملياً، هو فرض سيطرة الكرملين وقبضته على كافة الصحف والقنوات الإذاعية والتلفزيونية المنتشرة على امتداد روسيا كلها.

ومن هنا نمضي إلى القول إن فكرة تولي ''بوتين'' لمنصب رئيس الوزراء، لن تبدو في نظره مجرد تنح عن عليائه الرئاسي فحسب، وإنما سينظر إليها بما لا يقل عن ''إنكار الذات''؛ كيف لا وقد كان ''بوتين'' هو من تولى تعيين رئيس الوزراء دائماً وجعل منه مطية لأهوائه ورغباته.

وبهذا المعنى فإن حال رئيس الوزراء الروسي ـ في ظل إدارة بوتين الحالية ـ لم يكن بأفضل من قطعة شطرنج صغيرة يحركها ''بوتين'' وقتما وكيفما شاء، ولكي لا نشتط في إلقاء التهم بحق ''بوتين''، فلنذكر أنه جرد رئيس الوزراء خلال العام الحالي من سلطة الإشراف على ما يسمى بالشركات والمؤسسات الحكومية، التي عمدت إدارة ''بوتين'' إلى دمج بعض أهم الصناعات والشركات الروسية الأعلى ربحية فيها، كصناعات الصواريخ ومنشآت الطاقة النووية. وبالطبع فإن من المؤكد أن يحتفظ حزب ''روسيا المتحدة'' -الذي يتزعمه ''بوتين''، ويتوقع له الحصول على ثلثي المقاعد البرلمانية في الانتخابات المقبلة - بانفراده بالمصادقة على التعديلات الدستورية المتوقع لها إضعاف المنصب الرئاسي في مقابل إعطاء قدر أكبر من الصلاحيات والسلطات التنفيذية لرئيس الوزراء، وليس في هذا ثمة اختلاف عن استئثار الكرملين وحده بسلطة المصادقة الدستورية على ثلثي مقاعد البرلمانات الإقليمية.

وفي الوقت الذي أفادت فيه جمهورية أوكرانيا كثيراً من إضعاف سلطات المنصب الرئاسي فيها، فإن من المتوقع أن تمضي موسكو شوطاً أبعد من ذلك بجعل منصب رئيس الوزراء أحلى وأشهى مذاقاً لـ''بوتين'' إذا ما أراد توليه؛ فإلى جانب منح البرلمان وليس الرئيس، حق تشكيل الحكومة الروسية، فإنه ربما أجريت إصلاحات دستورية تلزم رئيس الوزراء بتولي منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

والذي تجب ملاحظته عند النظر إلى القوة في روسيا، أنها لا تنبع من فوهات البنادق فحسب، وإنما من براميل النفط أيضاً؛ واستناداً الى هذه الحقيقة فقد جرى التأكد جيداً من أن يشرف المكتب الرئاسي ـ وليس مكتب رئيس الوزراء ـ على عمليات تصدير ما يقدر بنحو سبعة ملايين برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية الأخرى يومياً إلى خارج البلاد، وحين تضاف هذه الصادرات النفطية الضخمة إلى جانب صادرات الغاز الطبيعي، فربما تصل قيمتها الإجمالية إلى حوالي 190 مليار دولار سنوياً، كما حدث بالفعل في العام الماضي.

والذي يجب تقريره هنا، أنه لم يحدث أن سيطرت قلة بهذا الحجم على مجمل الثروات الاقتصادية الهائلة والمتنوعة لروسيا، مثل ما يحدث الآن على امتداد التاريخ الروسي كله. ولما كانت هذه هي الحقيقة وواقع الحال، فإن في تخلي ''بوتين'' عن سلطات منصبه الرئاسي ما يحمل الكثير من المخاطر ويكلفه من الأعباء ما لا يطيق. فإذا ما أصبح لزاماً عليه التنحي من منصبه، فإنه سوف يلزم إجراء ترتيبات واسعة وفي غاية التعقيد والسعة، بحيث يتم تفكيك تلك الشبكة المعقدة من الترتيبات السابقة التي أبقت كافة العمليات الإدارية المسؤولة عن إدارة أكثر موارد الثروة الروسية ربحية ومبيعاً تحت سلطات الرئيس ورقابته المباشرة سابقاً، وتحويل هذه السلطات إلى رئيس الوزراء، في حال تولي ''بوتين'' للمنصب الأخير.

لكن وعلى رغم كل هذه الاحتياطات، فليس مستبعداً ألا يكون منصب رئاسة الوزراء بما يكفي من البريق والإغراء، بالنسبة لرجل أعلن صراحة أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان بمثابة الكارثة الجيوسياسية العظمى للقرن الحادي والعشرين. وفيما يبدو فإنه لا فكاك للروس من شبح ''بوتين'' باعتباره طاغية من طراز طغاة التاريخ الشمولي الروسي الممتد.

*مدير الدراسات الروسية بمعهد أميركان إنتربرايز

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز-1-11-2007