هل كان "غيفارا" بطلاً ؟

 

خليل علي حيدر

 

 

في الثامن من أكتوبر عام 1967 قتل "غيفارا" في بوليفيا، وهو الرجل الذي قائد الحروب في الثورة الكوبية، ومحرك الثورات في أماكن أخرى، وبعد مقتله عمت العالم ردود فعل مختلفة، من مظاهرات وقصائد وتصريحات ومقالات، بما في ذلك العالم العربي، حيث اشتهرت قصيدة أحمد فؤاد نجم "جيفارا مات" وفي فرنسا منح الفيلسوف الفرنسي "غيفارا" صفة "أكمل إنسان في عصرنا"..

ولم يقتصر الإعجاب به على الثوريين و"اليساريين"، بل شارك في ذلك الكثير من الليبراليين ممن لم يكونوا متعاطفين مع مُثُله الثورية وأهدافه الاشتراكية، بل أعجبوا مع الآخرين بتضحيته الفردية وتساميه على الحياة الناعمة المرفهة التي كان باستطاعته أن ينعم بها، من أجل الدفاع عن حقوق الفقراء والمظلومين في أميركا اللاتينية وأفريقيا ودول العالم الثالث وسرعان ما ظهرت صور غيفارا في كل مكان وموضع، وطبعت على الأماكن اللائقة والمحرجة... على حد سواء.

ولا تزال ابنته "أليدا" تشتكي اليوم من هذا الاستغلال التجاري الذي لا يعرف الرحمة لصورة والدها، وتقول: "إنها يمكن أن تستوعب موضوع المنتجات التي تظهر عليها صورة غيفارا من قمصان وحلقات المفاتيح والبطاقات البريدية والرسوم، ولكنها لا تفهم أن تظهر صوره في قطع الملابس الداخلية للنساء". (الشرق الأوسط، 10/10/2007).

كان غيفارا أسطورة "الزمن الاشتراكي" بحق، فقد وُلد في أسرة ميسورة الحال عام 1928، من أصول إسبانية- أيرلندية، وأكمل دراسة الطب في زمن قياسي عام 1953 في الأرجنتين. ورغم معاناته من نوبات داء الربو على امتداد حياته، فقد انطلق يزور خلال عطلاته مختلف دول أميركا الجنوبية، مشاهداً بشكل مباشر أوضاعها البائسة وتعاسة سكانها الفقراء. وهكذا اقتنع بأن هذه القارة بحاجة إلى ثورة شاملة لتعديل أحوالها، ثورة تعيد ترتيب كل أميركا اللاتينية !

كانت تجربة غيفارا الأولى في "غواتيمالا" عام 1953، حيث نجح مع "جاكوبو آربنز" في إقامة نظام ثوري، باشر عملية واسعة في توزيع الأراضي والإصلاح الزراعي. غير أن التدخل الأميركي أطاح بنظام "آربنز" عام 1954، مما أقنع غيفارا بأن الولايات المتحدة ستقف دائماً ضد أي حركة تقدمية "يسارية"، وشكلت هذه القناعة الركن الأساسي في فكر غيفارا ومحاولاته الثورية اللاحقة.

ترك غيفارا غواتيمالا باتجاه المكسيك، وهناك التقى بالاثنين كاسترو وراؤول... وفي 25 نوفمبر 1956 ترك الثلاثة المكسيك بحراً، مع 81 من الثوار ورجال حرب العصابات، للإطاحة بالديكتاتور الكوبي "باتيستا".

وما إن ترجلوا على الساحل الكوبي حتى كانت لهم قوى الديكتاتور بالمرصاد، بل كادت تفنيهم عن بكرة أبيهم، وجرح غيفارا نفسه في المحاولة. ولكن الثوار الناجين، لجأوا إلى الجبال لينطلقوا منها، بعد طول إعداد وتدريب وكسب لتعاطف السكان، لإسقاط النظام. وبعد نجاح الثورة، تم تعيين غيفارا قائداً للفيلق الثاني في الجيش الثوري، وقد رصد غيفارا هذه التجربة بأدق تفاصيلها في مذكراته عن الثورة الكوبية.

وبعد قيام كوبا الثورية في يناير 1959 وتأسيس نظامها الماركسي، أُسندت لغيفارا مناصب عديدة في الدولة، بعد أن مُنح الجنسية الكوبية. وقد طلق في هذه الأثناء زوجته البيروفية، وتزوج إحدى رفيقاته الثوريات في هافانا.

برز غيفارا في هذه المرحلة من خلال مناصبه الرسمية في الحكومة الجديدة، وتولى هيئة الإصلاح الزراعي ووزارة الصناعة ورئاسة بنك كوبا الوطني، وسافر إلى الكثير من الدول الاشتراكية ودول العالم الثالث ضمن الوفود الرسمية، كما عرف بآرائه الثورية المعادية للولايات المتحدة والامبريالية والاستعمار الجديد، وقد كتب الكثير من المقالات وألقى الكثير من الخطب في هذا المجال، وقد جمع أهمها في كتاب "الإنسان والاشتراكية في كوبا".

اختفى غيفارا من المسرح السياسي الكوبي بعد أبريل 1965، وقيل إن من أسباب ذلك فشل خطته في تصنيع كوبا، واختلافه مع كاسترو في عدة سياسات كوبية، وتفضيله للنهج الاشتراكي الصيني الذي كان يتبعه قائدها "ماو تسي تونغ"، على النهج السوفييتي. غير أن كاسترو كشف النقاب في أكتوبر من ذلك العام، عن رسالة قال إن غيفارا كان قد أرسلها له، يعلن فيها "تضامنه مع الثورة الكوبية"، ولكن "ثمة شعوباً أخرى بحاجة إلى جهدي المتواضع"، وأنه غادر كوبا للاشتراك في حروب التحرير الجارية في مختلف دول العالم! ويبدو أن غيفارا كان قد زار خلال هذه الفترة فيتنام الشمالية والعديد من أقطار أميركا الجنوبية وكذلك الكونغو للإشراف مع بقية الكوبيين على بناء "كتيبة لومومبا" الثورية هناك. وفي أبريل 1967، تليت في هافانا رسالته الثورية الموجهة إلى "ندوة تضامن القارات الثلاث"، والتي حلل فيها الوضع الدولي، وطالب بثورة شاملة ضد الإمبريالية والقوى الرجعية.

وأخيراً، في خريف عام 1966، كان قد اتجه إلى "بوليفيا" ليشعل فيها الثورة ويقود هناك حرب عصابات تستهدف النظام، وأمضى نحو أحد عشر شهراً يدرب أفراده بدقة وإتقان، مسجلاً كل الخطوات والتجارب والنتائج في يومياته التي عُثر عليها بعد مقتله ونُشرت فيما بعد. وقد تولت فرقة من الجيش البوليفي، أُعدت تحت إشراف الاستخبارات الأميركية ملاحقته، حيث تم سحق المتمردين الثوريين، وإلقاء القبض على غيفارا، وتم إعدامه في نفس المنطقة، عام 1967.

انظر: Britannica, v.8) - 1980)

ارتبط اسم غيفارا بالثورة من أجل الحرية وليس فقط ضد الاستعمار، ولعل هذا ما جعل منه رمزاً لدى الكثيرين وخاصة شباب السبعينات من القرن العشرين وما عرف عنهم آنذاك من تمرد على القيم السائدة. "يُعتبر غيفارا قديساً"، هكذا تقول "سوزانا أوسيناغا"، وكانت بين الممرضات اللائي كن آخر من رأين جثته بعد إعدامه. وتضيف: "ما أصابنا بالصدمة، نحن الممرضات، كانت عيناه، كانتا مفتوحتين على اتساع، كان شعره طويلاً ولحيته مُرسلة، كان يشبه المسيح، كنا نقلبه على جنب، فتنظر عيناه إلينا، ونقلبه على جنب آخر، وتظل عيناه مثبتتين علينا، كان ذلك صادماً لنا" ستحل في يونيو 2008 المقبل الذكرى الثمانين لميلاد "ارنستو تشي غيفارا". وستقام في كوبا ودول أميركية جنوبية أخرى احتفالات كبرى بهذه المناسبة.

عدد من الذين عرفوا غيفارا وكاسترو في سنوات النضال والثورة، بدأوا بسرد ذكرياتهم، وبعض ما يقولونه مدمر لسمعة وصورة البطل الثوري الإنساني.. غيفارا!

من بين هؤلاء "أوغستان سوبرورون"، وهو صحفي كوبي الأصل يعمل حالياً في ميامي بفلوريدا، وقد قابل غيفارا في مارس 1958 في جبال "لاسييرا مياسترا" الكوبية. ويقول أوغستان إن أهالي كوبا هم ربما الأقل حماسة لتقبل صورة غيفارا الأسطورية لأنهم يعرفونه على حقيقته، وما زال الجيل الثالث منهم يتذكر كل التفاصيل، وهو واحد منهم!

يبلغ اليوم "أوغستان" 81 عاماً، ويتذكر الأشهر الطويلة التي كان خلالها على احتكاك يومي بغيفارا وكاسترو، حيث كان يغطي الأخبار لمجلة "بوهيميا" الكوبية، ويقول إن غيفارا كان "متعجرفاً قاسياً ولا يفهم شيئاً من الشخصية الكوبية الطيبة والعاطفية نسبياً، وحين قطف كاسترو الانتصار وكان يلقي الخطابات الثورية، كان غيفارا في المعسكرات والسجون، يتفقد المعتقلين، ويقتل منهم كل يوم العشرات وأحياناً المئات".

ويقول "أرماندو لاغو"، وهو رئيس سابق لمعهد الأبحاث الكوبية للتوثيق: إنه في هذا السجن الذي يشير إليه أوغستان، أمر غيفارا بإعدام ما لا يقل عن 216 معتقلاً وسجيناً، ولم يأخذ بعين الاعتبار كل التوصيات التي وصلت لإنقاذ العديد منهم وخاصة الذين لا دخل لهم مباشرة بالثورة، لكنه -أي غيفارا- كان يرد بازدراء: "كلهم يلبسون قميصاً أزرق -أي قميص السجن - وبالتالي فسيموتون".

أما "لوسيا نوميدينا"، وعمره اليوم 81 عاماً، وكان ساعي البريد الخاص بغيفارا في "السييرا مايسترا" ما بين 1957 و1958، وكان ينقل القرارات العسكرية ما بينه وبين القادة العسكريين الآخرين، فيقول عنه: "كان غيفارا قاسياً، عنيفاً، وقتل كما يشرب الماء".

ويتابع "مدينا" شهادته فيقول: إن جرائم شبيهة بتلك الجريمة وقعت أمام عينيه وهو يرافق "ارنستو غيفارا" في تلك السنة، "ووصلت إلى حدود الـ15 جريمة، قَتَلَ خلالها 15 خائناً، كما كان يسميهم، وكانوا مجرد فلاحين ومزارعين بسطاء وفقراء". (عن موقع إيلاف، 4/10/2007). وربما كانت هذه الشهادات أول الغيث، وقد يظهر المزيد منها إذا تغيرت الأوضاع في كوبا!

تنتشر صور غيفارا اليوم على القمصان وأغطية الرأس وغيرها من مستلزمات الشباب، وتَلْحظُ في شوارع المدن العربية، يقول تقرير للـ (B.B.C)، شباباً وشابات يرتدون صورة غيفارا، وربما لا يعرفون ما يرتدون أو يخلطون بين صاحب الصورة ونجوم موسيقى البوب والسينما. (القبس، 8/10/2007).

وتقول ابنة غيفارا نفسها "أليدا"، التي تسافر في مختلف أنحاء العالم لتتحدث في مؤتمرات ذات علاقة بوالدها، إنها في أحد المؤتمرات في ايطاليا، علمت بعد توقيعها على قمصان "تي شيرت" لبعض الشباب أنهم فاشيون، وقالت "أليدا" بحسرة: "إنهم لا يعرفون شيئاً عنه"!

ويرى الكاتب والروائي الأردني "قاسم توفيق أفضل"، أن فكرة الفردية كان لها الأثر الأكبر في تقبل العقل العربي لرمزية تشي غيفارا. ويضيف: "نحن نفكر دائماً بأن مخرجنا من أي أزمة نواجهها هو بوجود شخصية قيادية ولا نفكر كثيراً بمفهوم العمل النضالي الجماعي" والآن وقد قيل كل هذا، وظهرت بعض الجوانب الخفية من حياة غيفارا، هل ستنتهي أسطورته؟ الأرجح لا!

أحد المعقبين في موقع "إيلاف" الإلكتروني يدافع عن غيفارا بحرارة فيقول: "رمز مقاومة الظلم والاستغلال والتنازل عن كل غاية أو طموح شخصي، كل من يصفه بغير ذلك فهو عدو للإنسانية التي نذر غيفارا حياته لها". معقب آخر يعارضه قائلاً: "أعطني مشنقة أعطك بطلاً... سهلة ولا تحتاج إلى جهد وفكر... القتل يخلق الأبطال مهما كانوا مزيفين، وتاريخ المنطقة يعرف وحشية غيفارا.. ولكن الآن الرجل هو أيقونة حية، تجسيد لكل بطولة وشهادة". "عربي ثوري" يقول في تعقيبه، كما سمى نفسه: "كلها حملات تشويه إمبريالية ضد مناضلي العالم"... ما رأي القارئ؟

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-28-10-2007