هكذا بضاعتهم ردت إليهم

 

نصيف فلك

 

من صحا من نومه فوجد نفسه ارهابيا؟

بعد التطور المذهل لعلوم الاتصال والتجارة العالمية صارت الحدود بين الدول وهمية اكثر مما هي واقعية ويكاد ان يتحد الزمن العالمي على الارض ويتساوى المركز مع الهامش عندها شعرت القوى المتخلفة من عروبيين وقوميين وغيرهم ان الزمن العالمي يطردهم خارج التاريخ والتاريخ بدوره يطردهم خارج المعنى، هذا التطور المذهل رفع السقف الايديولوجي من فوق رؤوسهم وسحب الارض من تحت اقدامهم فباتوا بلا ارض ولا تاريخ ولا معنى لذلك وكرد فعل عاصف هربوا الى اعمق جحر من الماضي للخلاص من ورطة التشابك مع التاريخ الفاعل والمتحرك للحاضر واذن لابد من ارتداء قناع من وجوه الماضي لتبرير وجودهم الآن في هذا العصر فكان القناع الذي يختبئون خلفه هو الاسلام بعدما اصبحوا مهددين بزوال وجودهم المتطفل على ثدي الحياة ومهددين بحرمانهم من سعادة التخلف وجنة الجهل.

كيف اذن يدافعون عن معنى وجودهم ازاء هذا التهديد العالمي الذي يزحف نحوهم مكتسحا جميع المتطفلين على ثدي الحياة؟ لابد انهم اختاروا ان يدافعوا كمنتحرين دفاعا عن عقيدة التطفل وسعادة التخلف حيث لجأوا الى اكثر الاماكن وعورة وتخلفا في تضاريس الكرة الارضية اختبأوا في جبال افغانستان ومنطقة القبائل المتاخمة لحدود باكستان بحماية سلطة طالبان والقبائل الاشد تخلفا في العالم وقد عثروا على عقيدة انتزعوها من رحم مذهب ملتبس موضوع لغاية سياسية مناطقية لا دينية ولا انسانية، مذهب يشبه لاعب السيرك الذي يسير على حبل التكفير والتطرف وشطب وكره الاخر ولابد انهم ايضا فكروا بعالمية الرد على عالمية التطور الذي يحاول كنسهم مع قمامات العقائد القومية والديكتاتورية وحكومات السلاطين الى مزابل الماضي والعصور الهمجية والوحشية فكان ردهم العالمي بتفجير هنا وهناك وسط مدن العالم المتمدن واغراق البشرية في الذهول والحيرة والتساؤل: من هؤلاء؟ ماذا يريدون؟ لماذا يحملون كل هذا الحقد على الانسانية؟ طبعا لم تظهر فجأة نبتة الشر هذه من دون وجود بذرة وارض خصبة وماء مهرب من انظمة وحكومات هي الاخرى مهددة بسيل الحضارة الجارف كذلك توفر المناخ الملائم الذي تراكم من اخطاء الدول العظمى مناخ الحرب الباردة ومزاج الغرب المتقلب وانهيار العقيدة القومية والعروبية والعزلة العقلية المضروبة على شعوب متخلفة ساذجة تتدهور اقتصاديا وروحيا ونفسيا، المجتمع العربي والاسلامي جسد مريض بمختلف الامراض العضوية والنفسية والروحية والمصيبة الكبرى حين تم علاجه بواسطة امراض جديدة بمصاحبة علاج المقابر الجماعية والاعدامات والسجون فتفاقمت الامراض وتشابكت وتناغلت جراثيمها ليتمخض مرض جديد يسمونه الارهاب تزامن مع امراض الايدز وجنون البقر انتشر وباء الارهاب بسرعة مذهلة في المنطقة العربية والاسلامية وامتد الى جميع قارات العالم على شكل انفجارات محددة ومؤقتة وسيارات مفخخة وعمليات ذبح وفتن طائفية ومناطقية الارهاب الآن اخطر مرض يواجه البشرية. لقد تناغلت جراثيم صور (المجاهدين) ليتمخض طراز نادر وجديد لم تعرفه الذاكرة البشرية طراز مجرمين يعتنقون عقيدة الانتحار بقتل اكبر عدد من البشر وكانت حصة العراق من هذه الجرائم هي الاكبر والاخطر كما هو حظ العراق دائما.

فور سقوط صدام سقط معه التاريخ الى كتل وشظايا ايقظت خلايا سرطانية كانت نائمة بدأت تنشط حين راحت تغذيها دول الجوار وكانت السعودية هي الرحم الاول والمرضعة الاولى لعقيدة الانتحار وتكفير الاخرين فقد اهدرت مليارات الدولارات في مصر (اخوان المسلمين) وفي افغانستان (طالبان) وفي باكستان(فقهاء التكفير) وفي الجزائر ولبنان والعراق ودول جنوب شرق اسيا الاسلامية وكما هو متوقع فان بضاعتها ردت اليها هذه الحكومات(دول جوار العراق) تخشى خطر الارهاب ولكنها تحتاجه بالوقت نفسه هي تخشاه داخل حدودها لذلك تساهم وتسهل عمليات دخوله الى العراق كي تتخلص منهم وكي تغذيهم بالسلاح والاموال والحواضن داخل مدن العراق لكنها ترتعب من خطره لو استشرى في مدنهم كما حدثت المفارقة القاتلة لمفتي الديار السعودية الذي كان يحث ويحرض ويحض في خطبه على الانخراط في صفوف (المجاهدين) داخل العراق لكن المفتي تفاجأ بغياب ابنه عن البيت وعندما سأل وتقصى اخباره اعلموه ان ابنه انخرط مع (المجاهدين) داخل العراق فصعقه الخبر وابلغ المخابرات السعودية وخلايا امراء (المجاهدين) بالبحث عن ابنه في العراق واحضاره باقصى ســــرعة الى السعودية والى بيته، انما هي بضاعتهم ردت اليهم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح