الدول المهددة بالفشل

 

د. عبدالله جمعة الحاج 

 

 

عند ولوج القرن الحادي والعشرين، اعتقد الكثيرون بأنه سيكون ذا فأل حسن على أمم الأرض، ولكن يلاحظ حتى الآن وجود مؤشرات قليلة تدل على أن العالم يسير نحو المزيد من السلام والاستقرار، وأن البشرية تتجه نحو مزيد من الحرية والعدل والمساواة، وأن الدول تحقق مزيداً من التنمية العادلة والمستدامة واستقرار النظم الحاكمة التي تزيد من قدرة هذه الدول على البقاء والاستمرار مستقلة ومتماسكة.

لقد بدأ القرن الجديد بانفجار المزيد من القلاقل خاصة في دول العالم النامي، وزاد الطين بلة عندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، فعلى إثرها احتلت أفغانستان وأسقطت حكومة "طالبان"، وبعدها بسنتين تم غزو العراق وبالتأكيد فإن الدخول في تفاصيل الأحداث التي وقعت وهددت، أو لا زالت تهدد، بانفراط عقد هذه الدولة أو تلك أو بفشلها، تحتاج إلى مجلدات للحديث عنهاولكن ما يهمنا قوله هو أن ما يجعل مؤشراتِ الخطر التي تواجه دول العالم النامي مثيرةً للقلق بل ومخيفة، هو أن جذور هذه المشاكل تقبع ضمن حدود الدول الفقيرة منها.

إن دول العالم التي تعيش في بحبوحة، ورؤساء المنظمات والمؤسسات العالمية المهتمة بالدعم والإغاثة وقضايا التنمية الأخرى، تحاول في أوقات الأزمات والكوارث أن تساعد تلك الدول وأن تنتشلها مما هي فيه في تلك اللحظات، ولكن من الصعب عليها أن تحوّل عمليات الإغاثة إلى حلول جذرية مستديمة من شأنها أن تصحح من أوضاع الدول الضعيفة والآئلة للسقوط، وعادة ما يتم صرف المعونات المقدمة بطرق خاطئة، والإصلاحات التي تجري تتم في غير محلها، بالإضافة إلى أن أحجامها لا تفي بالغرض.

ما يحير في أمر الدول النامية، أن الحديث عن تعقد ظاهرة الدول الفاشلة والآئلة للسقوط ضمنها يمكن أن يطول ويتشعب وتجرى حوله مناظرات وتطرح مقولات، ولكن الواقع العملي يؤكد أنه بالرغم من تلك النقاشات، أضحت الظاهرة ذاتها صعبة الفهم وتزداد تعقيداً يوماً بعد يوم وتنتج عنها تساؤلات تصعب الإجابة عليها.

المشاكل التي تبتلى بها الدول الفاشلة تكاد تكون متشابهة، ولكن لا يجب أن يفهم من ذلك أن حلولها تتشابه أيضاً، فالدول الفاشلة هي عبارة عن كتلة كبرى ولكنها متنوعة ولكل واحدة منها خصوصيتها، فالصومال وأفغانستان تقطع أوصالها انقسامات حادة، والعراق على شفا حرب أهلية، وبورما وهاييتي من أكثر دول العالم ابتلاءً بالفساد المالي والإداري، بالإضافة إلى أن بورما تحكمها طغمة عسكرية قمعية متسلطة، وهاييتي تقع تحت وطأة فقر مدقع وغياب تام لحكم القانون وعنف دموي عارم.

حديثنا عن الدول الفقيرة في العالم النامي لا يعني أنها هي وحدها الآئلة للسقوط أو السائرة نحو الفشل، فهناك دول غنية (بالمعنى المجازي لمصلطح غنى)، تواجه نفس المصير أيضاً وغير قادرة على الوقوف على أقدامها لتحقيق التنمية والاستقرار.

فلعقود طويلة تحقق غينيا الاستوائية واحداً من أعلى معدلات النمو الاقتصادي على مستوى دول جنوب الصحراء، ولكن غناها يذهب إلى جيوب قلة من رموز نخبها السياسية والاقتصادية، ولم يعم لكي يطال بقية الجماهير، وإن حدث شيء من ذلك فهو بشق الأنفس، وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية أدى عدم قدرة الحكومة المركزية على حماية حدودها وعلى إدارة ثرواتها الطبيعية الضخمة إلى أن تتحول من قطر غني بثرواته إلى معتمدٍ على المعونات الخارجية لإطعام شعبه,والمضحك المبكي، هو أن بعضاً من دول العالم النامي التي تبدو من مسيرتها أنها آئلة إلى الفشل والسقوط والتفكك، هو أن البعض منها بات يملك أسلحة نووية، أو هو ساعٍ إلى امتلاكها، وهذا في تقديري، أمر مثير للقلق. إن ملفات هذا النمط من الدول غير متشابهة، فكوريا الشمالية تواجه خطر الانهيار الاقتصادي إلى جانب محاولات مواطنيها الهجرة إلى الخارج، أو حراكهم الداخلي بحثاً عما يسد الرمق وهرباً من الموت جوعاً، في حين أن باكستان تواجه مخاطر انفراط عقد القانون إلى جانب المعارضة الشديدة لنظام الحكم العسكري القائم، مما ينبئ بحرب أهلية هوجاء قد تؤدي إلى تقطيع أوصال القطر رغم محاولات التهدئة التي تقوم بها الحكومة.

خلاصة القول هو أنه في الوقت الذي ربما يكون فيه فشل هذه الدول مادة دسمة للعناوين البارزة لوسائل الإعلام المختلفة على مدار العالم، إلا أنه من المؤكد أنه لا توجد حلول سريعة وسهلة لمشاكلها العويصة والمتفاقمة.

وربما تكون الخطوة الأولى لحل تلك المشاكل هي تحديد أي من تلك الدول تقع في دائرة خطر الفشل والانهيار المباشر، ومن ثم تحديد مشاكلها وفقاً لأوليات متدرجة وسيراً على مبدأ "الأهم فالمهم"، ثم تشخيص تلك المشاكل بدقة لمعرفة أسبابها وتأثيراتها توخياً لإيجاد الحلول المناسبة لها.

أكثر مشاكل دول العالم النامي حدة هي سوء توزيع الثروة، وهذه المشكلة هي التي تتسبب حالياً في نقمة جماهيرها على نخبها، فلو حدثت عودة إيجابية للثروة الوطنية إلى متناول الجميع، فإن ذلك قد يحمي الدول الفاشلة من خطر الانهيار، ويفتح مجالاً لتحقيق الرفاهية والأمن والعدالة للجميع.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

الإتحاد الإماراتية-27-10-2007