فريد زكريا :لم نعد استثنائيين !!

 

فريد زكريا

 

ثمانية من بين أغنى 10 أشخاص في العالم ليسوا أمريكيين

بقية دول العالم تلعب لعبتنا بإتقان

الأخبار الجيدة لا تحقق مبيعات كبيرة. فمن غير المحتمل أن تقرأ خبرا صحافيا عنوانه: "لم تقع حرائق في نيويورك الليلة الماضية". لكن تجدر الإشارة إلى أن هناك نزعات إيجابية مهمة تنتشر في العالم. فالأغلبية الساحقة في بلدان وثقافات كثيرة تؤيد الديموقراطية والأسواق الحرة والتبادل التجاري والثقافي.

هذا تغير كبير، مقارنة بما كانت عليه الحال قبل جيل في منتصف ثمانينات القرن الماضي. فاستطلاع الآراء الذي نشره مركز بيو للمواقف العالمية الأسبوع الماضي هو خير دليل على إجماع عالمي جديد. لكنه ـــ وهذا هو الخبر السيئ ـــ يظهر أن الولايات المتحدة أصبحت تشذ عن النزعة السائدة.

أكثر الإحصاءات اللافتة في الاستطلاع تتعلق بالتجارة. فقد قالت الأكثرية الساحقة في كل مكان إن تزايد العلاقات التجارية بين البلدان أمر "جيد جدا" أو "جيد"، 91 بالمائة في الصين، و85 بالمائة في ألمانيا، و88 بالمائة في بلغاريا، و87 بالمائة في جنوب أفريقيا، و93 بالمائة في كينيا، إلى ما هنالك. ومن بين البلدان الـ47 التي شملها الاستطلاع، البلد الذي أتى في المرتبة الأخيرة هو ... أمريكا، حيث بلغت النسبة 59 بالمائة. والبلد الأقرب إلينا بفارق 10 نقاط هو مصر.

لنأخذ على سبيل المثال أيضا المواقف تجاه الشركات الأجنبية. عندما سئل الناس إن كانت تأثيراتها إيجابية، أجاب عدد كبير منهم بـ"نعم"، وهو أمر مفاجئ. من المثير للاهتمام بشكل خاص أن نرى هذا الرأي سائدا في بلدان مثل البرازيل ونيجيريا والهند وبنغلادش، التي لطالما كانت ترتاب في الشركات الدولية الغربية. (يمكن تفهم الارتياب في جنوب آسيا» فبلدانها كانت مستعمرة من قبل شركات دولية) ومع ذلك، فإن 73 بالمائة من الناس في الهند، و75 بالمائة في بنغلادش، و70 بالمائة في البرازيل و82 بالمائة في نيجيريا يؤيدون وجود هذه الشركات. لكن النسبة في أمريكا تصل إلى 45 بالمائة، وهو ما يجعلنا بين البلدان الخمسة ذات النسبة الأدنى. نحن نتوقع من العالم أن يرحب بالشركات الأمريكية لكننا لا نبادله هذا الترحاب.

لطالما اعتبرت الولايات المتحدة نفسها استثنائية. لكن في هذه الأيام، نحن استثنائيون في الأمور الخاطئة. لقد كان العالم ينظر إلى أمريكا على أنها المكان الذي تؤخذ فيه الحرية الفردية إلى أقصى حدودها، وحيث انبثقت حرية المرأة، وتم تقبل أسلوب الحياة الغريب والصرعات الجديدة بأكبر حماسة. فبالنسبة إلى الكثير من بلدان العالم، كانت أمريكا رمزا للمستقبل. هذا ليس الاستنتاج الذي نتوصل إليه عند النظر إلى استطلاع الرأي هذا فالآراء في أمريكا رجعية مثلا بشكل غير اعتيادي فيما يتعلق بـ"تقبل" المثلية الجنسية، وهذا سؤال غير مثير للجدل بقدر ما إذا كان يجب السماح بالزيجات المدنية أو بين المثليين جنسيا: فـ 49 بالمائة من الأمريكيين يجيبون بـ"نعم" و41 بالمائة بـ"لا". في مسألة أصبحت معيارا أساسيا للانصهار وتقبل الفئات المختلفة في المجتمع، تتخلف الولايات المتحدة إلى حد كبير عن كل بلدان أوروبا الغربية، إضافة إلى الكثير من بلدان أوروبا الشرقية ومعظم بلدان أمريكا اللاتينية. المكسيك الكاثوليكية أكثر تقبلا بكثير، حيث أجاب 60 بالمائة بـ"نعم"، و31 بالمائة فقط بـ"لا".

لقد أصبحت الولايات المتحدة غير استثنائية في مسألة أخرى أيضا، وهي الهجرة. ليس بالخبر الجديد أن الأغلبية في كل مكان تريد ضبط مسألة الهجرة. لكن الغريب في الأمر أن هذه المشاعر قوية بالقدر نفسه في أكثر بلد يضم مهاجرين. فعدد الأمريكيين الذين يعارضون استقبال المهاجرين يفوق عدد الفرنسيين والألمان.

هناك نواح حيث الأمريكيون ـــ أو على الأقل الأمريكيون المحافظون ـــ يعتزون بفكرة أننا استثنائيون. في بعض الاحيان نظن أننا وحدنا نعتقد أن "استعمال القوة العسكرية ضروري أحيانا للحفاظ على النظام في العالم". نحو 77 بالمائة من الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع يوافقون على ذلك. وكذلك 90 بالمائة من الهنود و74 بالمائة من الأتراك والإندونيسيين، و80 بالمائة من الكويتيين، و75 بالمائة من السويديين، و73 بالمائة من الإيطاليين. تشكيكنا في الحكومة فريد من نوعه، أليس كذلك؟ في الحقيقة، الكثيرون غيرنا أصبحوا يشككون بها أيضا: 65 بالمائة من الأمريكيين يقولون إن للحكومة سلطة أكثر مما يجب، وهذا ما تقوله النسبة نفسها من الفرنسيين ونسبة أكبر بكثير من الألمان. وثلثا الأمريكيين يؤيدون حماية البيئة حتى وإن أدى ذلك إلى إبطاء النمو الاقتصادي. وهذه النسبة هي نفسها لدى الفرنسيين واليابانيين.

الأمر المذهل هنا هو النزعة. لقد شهدت الولايات المتحدة أكبر انخفاض في تأييد التجارة بين كل البلدان التي شملها الاستطلاع منذ عام 2002. في بعض المسائل الأخرى مثل الهجرة، تشير البيانات إلى أن المواقف الأمريكية تغيرت بشكل أكبر. وكل هذا يدل على افتقار البلد للقيادة السياسية.

سوف تلعب الشركات الأجنبية والأجانب ـــ إضافة إلى نمو التجارة والسفر والأسواق ـــ دورا أساسيا في القرن الـ21. لننظر من حولنا. إن راجعنا اللائحة الجديدة لأغنى 10 أشخاص في العالم، نجد أن ثمانية منهم ليسوا أمريكيين، وجميعهم من أصحاب المبادرات التجارية. لقد أصبــح الأجانب يتقــنون الإستـفادة من الرأسمالية.

مهمــة قادتنا السيـاسيين هي تعريف الأمريكيين إلى هـذا العالم الجـــديد، والشـرح لهم كيف ازدهــرت الولايات المتحــدة وستستمر في الازدهار فيه. عليهم أن يهــيئوا الأمريكيين للتنافس في العـالم بدلا من إلقـاء اللوم على الآخرين والانعزال. فالمرشحون الرئاسيون الجمهوريون يؤججون المخاوف بشأن الأجانب والمهاجرين. والديموقراطيون يشجبون التجارة الحرة. والشعب الأمريكي يزداد خوفا فيما يقل استعداده لمواجهة عالمنا المتغير.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:مجلة نيوزويك -23-10-2007