حرب العراق... النفط ليس دائما الهدف

 

 

غال لوفت

 

لطالما شكلت الادعاءات القائلة بأن ''دافع بوش إلى غزو العراق هو طمع إدارته في نفطها'' جزء من خطاب الحركات المناهضة للحرب حتى قبل اندلاعها. وهكذا، انتشرت في الأذهان صورة البيت الأبيض المختطَف من قبل زمرة من مدراء ورؤساء الشركات النفطية السابقين الذين يوجهون السياسة الخارجية وفق مصالح قطاع النفط في الولايات المتحدة، وذلك بموازاة ازدياد مشاعر الاستياء من الحرب. وقد عزز هذه الفكرة الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي ''ألان جرينسبان'' -الملقب بـ''وسيط الوحي''- في مذكراته بقوله: ''أنا حزين لأنه من غير اللائق سياسيا الاعتراف بما يعرفه الجميع، ألا وهو أن الدافع الرئيسي إلى حرب العراق هو النفط''.

يحتاج هذا الاعتراف -من أحد أكثر شخصيات واشنطن نفوذا وأقلها إثارة للجدل- إلى تدقيق وقراءة خاصة؛ وباعتباري مدير منظمة نذرت نفسها للنضال من أجل تقليص اعتماد الولايات المتحدة على النفط، فأنا لا أنفي التأثير الضار للاعتماد على النفط في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وسلوكها الدولي واختيارها لأصدقائها وحلفائها في الشرق الأوسط؛ فما من شك أن أميركا التزمت عسكريا باستقرار منطقة الخليج العربي منذ عام ،1945 ومن أجل ذلك استعملت عضلاتها مرارا وتكرارا ضمانا لاستمرار تدفق نفط المنطقة.

غير أنه إذا كان غنيا عن البيان القول إن أميركا تعتمد على النفط، فإن تفسير كل نشاط أميركي في الخليج العربي بالنفط إنما يجانب الحقيقة؛ وإذا كان القائلون بأن النفط هو الذي يقف وراء قرار الحرب لا يقدمون ما يدعمون به مزاعمهم، فإن الأدلة والقرائن التي تفند هذا الطرح كثيرة ومتعددة ولنأخذ على سبيل المثال تقرير ''مجموعة تطوير سياسة الطاقة الوطنية'' لعام 2000 -المعروف أيضا بـ''تقرير تشيني''- الذي يعكس الموقف الذي كان سائدا في فترة ما قبل الحادي عشر من سبتمبر داخل البيت الأبيض بخصوص سبل تحقيق الأمن الطاقي، ولا يتضمن أي إشارة تقريبا إلى العراق واحتياطه النفطي. والواقع أن العكس هو الصحيح، إذ يحذر التقرير من تركز إنتاج النفط العالمي في منطقة واحدة، ويدعو أميركا إلى تنويع وارداتها من الطاقة في مناطق أخرى من العالم.

ثم إنه على الرغم من تورط مواطنين سعوديين في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن فريق بوش لم يفكر في غزو السعودية الغنية بالنفط، وبدلا من ذلك، قرر غزو أفغانستان، البلد الذي يتوفر على أقل كمية من النفط في آسيا الوسطى. كما قررت الإدارة الأميركية إنهاء عقود من الحضور العسكري الأميركي في السعودية، رغم انتاجها ضعف ما ينتجه العراق من النفط بخمس مرات؛ ونقل القواعد الأميركية إلى مناطق أقل أنتاجا، وهي خطوة تطرح علامات استفهام بالنسبة لبلد يفترض أن محركه الرئيسي هو النفط. إلى ذلك، تطرح أفعال الإدارة الأميركية قبل غزو العراق في 2003 سؤالا آخر؛ ففي تلك الفترة، لم يكن العراق يصدر أي نفط إلى الخارج تقريبا، وكان تحت وطأة نظام عقوبات صارم منع الشركات الدولية من الاستثمار في قطاعه النفطي المعتل. وقد شكلت هذه العقوبات بالنسبة للشركات التي تسعى وراء الربح من قبيل ''إكسون'' و''هاليبيرتون عقبات أمام التجارة وإبرام الصفقات، فمارست ضغوطها على الإدارة من أجل مراجعتها. والواقع أن آخر ما كانت ترغب فيه هذه الشركات هي حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب. إلا أن بوش، ومنذ تنصيبه في أوائل 2001 وحتى بداية الحرب في مارس ،2003 لم يتراجع قيد أنملة عن نظام العقوبات، مانحا بذلك الشركات غير الأميركية الساعية وراء النفط امتيازا تنافسيا. وبالتالي، فإن قرار بوش بالذهاب إلى الحرب، وما ينطوي عليه ذلك من تعارض مع مصلحة القطاع النفطي في الولايات المتحدة، إنما يُحدث ثغرة في خطاب القائلين بأن الدافع إلى الحرب هو النفط.

قبل الحرب، كانت الولايات المتحدة تستورد القليل من النفط من العراق، وكان سعر النفط حينها يقارب 30 دولارا للبرميل. أما اليوم، فإن 4 في المائة فقط من واردات الولايات المتحدة من النفط تأتي من العراق، وسعر البرميل يناهز 80 دولارا. ثم إنه رغم أن الولايات المتحدة تسيطر على 160 ألف جندي في العراق، فإنه لا يلاحَظ أي وجود لشركاتها النفطية هناك. وبدلا من ذلك، يلاحَظ أن الشركات الروسية والصينية المستفردة بغنائم الحرب، وليس الأميركيين.

والحال أنه ليس كذلك. ففي أفضل الأحوال، يمكن القول إن النفط ربما يكون قد لعب دورا ثانويا في عملية صنع القرار التي اختارت الحرب؛ أما الفكرة التي تقول بأن دافع بوش هو النفط، فينبغي أن نهيل عليها التراب، وما قاله ''جرينسبان'' له أهمية واحدة لا غير، كونه بمثابة تذكير مؤلم بفشل الإدارة الأميركية في توفير شرحٍ لأسباب ودواعي وجودنا في العراق؛ وفي غياب هذا الشرح، فإن حتى ''وسطاء الوحي'' ليسوا منزَّهين عن الخطأ.

*المدير التنفيذي لـ معهد تحليلات الأمن العالمي ورئيس منظمة Set America Free ، وهي ائتلاف يناضل لتقليص اعتماد الولايات المتحدة على النفط

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست-10-10-2007