إيران:

                 متى تنتهي مفاجآت جربتها...

 

ثريا الشهري

 

في خطوة أولى بعد تصريحي توني بلير والرئيس بوش بصدد سياسة تضييق الخناق الدولي تجاه إيران، اتخذ المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خأمنئي قراراً بتفويض رافسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، جزءاً من سلطاته الرقابية على حكومة أحمدي نجاد والبرلمان الذي يسيطر عليه المحافظون، إذ وتطبيقاً لسياسة احتواء فجوة الخلاف الإيراني ـ الغربي، وخاصة بعد خطاب نجاد في الأمم المتحدة الذي قضى فيه على دبلوماسية فن السياسة، واستخدمه الأميركان للضغط على مجلس وكالة الطاقة الذرية لتحويل ملف طهران إلى مجلس الأمن، أعلنت إيران كخطوة ثانية بعد التدخل الرافسنجاني ترحيبها بالاستثمار الأجنبي على أرضها في قطاع الطاقة النووية، كدليل على حسن خبايا الملف النووي، الذي تصر إيران بتصريح من وزير خارجيتها مانوشهر متقي على حصره بالمجالات السلمية لا أكثر.

بمراجعة المادة 110 من الدستور الإيراني لعام 1989، نجد أن صلاحيات المرشد الأعلى قد تحددت في احدى عشرة مسؤولية من ضمنها وأقواها عزل رئيس الجمهورية نفسه، فالتغيير الحقيقي في السياسات الداخلية والخارجية للبلاد إنما يخضع للدور الكبير والمتمثل بعامل التفاهم وقوة المساندة من قبل المرشد للرئيس، وهو ما يفسر نجاح رئاسة رافسنجاني في تحقيق معظم بنود أجندتها الإصلاحية المؤسساتية، والأخرى المتعلقة بالعلاقات الخارجية، الأمر الذي لم يتسن لخاتمي أثناء فترتي حكمه لإيران، فقد عمل التيار المحافظ بكل جهده على إبطال محاولات خاتمي للإصلاح وإحلال الديمقراطية التي أمن بها كمثقف، عاشر الخبرات وأقام في الخارج محتكاً بمصادر فكر متنوعة، وسعّها إلمامه باللغتين الإنجليزية والألمانية، إلا أنه، وبالرغم من الصدمات التقليدية وافتعال الأزمات التي تعرض لها خاتمي بالقضاء على أكبر معاونيه إما بالاستقالة أو المحاكمة، لم يراجع أحد ولاءه للثورة ونظامها، فسواء ارتبطت الرئاسة بخاتمي أو بغيره، يظل رئيس الجمهورية جزءاً من النظام القائم على الأفكار الثورية الدينية، ومهما اختلف مع فقهاء النظام ورموزه أو اختلفوا معه يبقى الأمر في حدود معينة لا تخرج المختلفين عن قواعد اللعبة، وهو ما يوضح أكثر فحوى الرسالة التي حيّدت بعضاً من صلاحيات نجاد لصالح رافسنجاني.

لقد سمح الإنجاز الرافسنجاني في إعادة بناء الدولة واقتصادها المتهاوي بعد حربها مع صدام، بوجود مساحة أوسع للعمل السياسي وحريته (حركة الصحف وانتشارها على سبيل المثال)، مما ساهم في وصول خاتمي والمحسوب على التيار الإصلاحي إلى السلطة، فالقاعدة الشعبية التي انتخبته عام 1997 كانت من فئة الشباب، أي بعد 18 عاماً على قيام الثورة (السن القانونية للانتخاب في إيران تبدأ من السادسة عشرة)، بعبارة أخرى، جيل المعلومات والعولمة الثقافية وليس الثورة وشعاراتها التي لم تفِ بوعودها، وبالذات ما تعلق وضعه بالاقتصاد وتطوير التراث الثقافي الفارسي، وعليه، فهو جيل توسم في خاتمي انفتاحه على الغرب ورغبته في التقدم والتحديث.

وعلى العموم، وحتى مع حرص خاتمي على العمل جاهداً لانتهاج سياسة متوازنة بين المحافظين والإصلاحيين خلال فترة رئاسته الثانية، في محاولة منه لكسب دعم المرشد الأعلى، إلاّ أن الظروف الدولية قد تمادت في تعسير الأمور عليه، فبعد أقل من ثلاثة أشهر من انتخابه في2001 وقع هجوم الحادي عشرة من سبتمبر، ليخلفه ضرب أفغانستان وسقوط بغداد، وتبعات إستراتيجية وجيوسياسية عمّقت من إحساس إيران بالعزلة، ومن تكثيف تحركاتها لمواجهة التحديات الأميركية للمنطقة، ومن هنا كان التوقع بفوز رافسنجاني بالانتخابات الرئاسية الأخيرة، نظراً لحاجة النظام إلى حنكة سياسية تعرف كيف تبحر بالقارب الإيراني وسط تلاطم الأمواج العالمية، إلا أن لقمة العيش كانت هي الفيصل في تحديد الرئيس المنتخب كما اتضح فيما بعد.

فالشعب الإيراني على ما يبدو لم يعد يحمل في صدره ذلك الرضا المشهود له تجاه مؤسساته الدينية، التي رأى أن استئثارها بالفطيرة من دونه قد وصل به إلى حالة من الفقر والبطالة قلصت اختياراته، فاختصرتها في شخص أحمدي نجاد، ابن الطبقة الوسطى المحروقة، الذي وعد أولاً بتحسين أوضاعها الحياتية، وهكذا كان، إلا أن الشعب المتألم وفي زحمة تذمره من الاحتكار النخبوي، وخيبة أمله من مخلّفات خاتمي، لم يضع في اعتباره عند توجهه للانتخاب قلة خبرة مرشحه في أمور الدهاء السياسي، والخارجي منها تحديداً، فرافسنجاني، من بدأ عمليات البناء وإعلاء صوت البراجماتية انفتاحاً على دول أوروبا وأفريقيا والخليج العربي، ليستلمها من بعده خاتمي، ورافسنجاني من تمتع بموافقة المرجعية الدينية، وبالانسجام مع المرشد الأعلى والقوى الاقتصادية (تجّار البازار)، كانت معظم تحليلات الرأي تشير إلى أنه الشخص المؤهل لمهمة قيادة إيران للخروج من نفقها الطويل المعتم، فالأوضاع الداخلية الاقتصادية المتناحرة والمستمرة بين التيارات السياسية الإيرانية، قد تولد بيئة خصبة للتدخل الأميركي في الشؤون الإيرانية بعبورها جسر التأليب الداخلي، كما أن سياسة الطموح الإيراني النووي التي صرفت العالم إلى التركيز على كرْتها غير المعلن وإن ادعت كشفه، وحلقة النفوذ التمكّني في جنوب العراق لخلق سلسلة تهديد تقف في وجه الدبابة الأميركية والتي جاءت على حساب شعب، نهش الجميع في لحمه سبيلاً لمصلحته، هذا غير المخطط الكبير بتحويل حزب الله إلى آخر سياسي إرضاء لإسرائيل في صراعها مع مطامعها التوسعية.

كل ما سبق يحمل معه سؤالاً صعباً يرى بأنه مع ضرورة الإقرار بأهمية رئيس الجمهورية في إدارة علاقاته مع مؤسسات صنع القرار في بلاده على اختلافها، وقدراته الاتصالية والسياسية على الصعيد الدولي، فإن مستقبل النظام ككل في مواجهة التغيرات القريبة والبعيدة، يحوم حول قدرات شخصية هذا الرئيس ومدى توظيفها، فهل سيمضي نجاد بالقافلة الإيرانية قدماً متفوقاً على نفسه وعلى المشكّكين به! أم أن خأمنئي سيوقع قراراً آخر!

المصدر : الشرق الأوسط - تشرين الأول -2005