مقالات و محاضرات

 

 

لبنان والطاقة النووية الطائفية

 

هاني فحص

 

في لبنان، هناك من أبناء الطوائف من لا ينكر طائفته ولا يهجرها ولا يتنكر لها، ووفاء لها وحباً ينكر الطائفية ويدعو الى الخلاص منها بروية وصدق وصبر وعمق، لأنه يرى خلاص طائفته باللاطائفية، وخلاص وطنه بمجموع طوائفه لا بطائفيته أو طائفياته أو طائفييه.

وهناك في لبنان من أدعياء الطوائف من يحتقر طائفته ويتنكر لها، ولكنه لا يكف عن الغزل بها والمطالبة بحقوقها التي تضيق حتى تصبح حقوقه الشخصية ذات الأفق الفئوي تستيراً وتمويهاً ليس إلا... وهذا هو الذي يتمسك بالطائفية لأنها تؤمن له نظام مصالحه غير المشروعة دائما وعلى حساب طائفته اولا والطوائف الاخرى ثانيا وعلى حساب الوطن دائما ومن حساب الدولة التي كلما شارفت أن تصبح دولة لمجموع مواطنيها آخذة في اعتبارها مجموع الطوائف كمتحدات اجتماعية وثقافية، يجب دائما وضعها في التاريخ وفي سياق التطور من الداخل وبقوانين الداخل، هجمت عليها الطائفية لتمنع الطائفة من التطور وتمنع الدولة من التبلور.

إن أكثر الناس اندماجاً في طوائفهم هم أكثرهم إيماناً وعملاً على مشروع وطني يمر بالطوائف ويتجاوزها، وهم أكثر الناس حرصاً على أفراد طوائفهم الذين لا تمكن حمايتهم إلا بتحطيم القياسات والمعايير الطائفية في السياسة والادارة والعمل، والارتقاء بهذه المعايير الى مستوى المواطنة التي تعني الكفاءة والاستقامة والأمانة.

وأكثر الناس انفصالاً عن طوائفهم هم أكثرهم حرصاً على الفساد والخراب والصراع، وأحب الناس الى قلوبهم هم الأشد طائفية واستهتاراً بالمواطنة والمعايير في الطوائف الاخرى.

وكأن هناك حلفاً معطلاً بين الأوفياء لطوائفهم الذين يرون في الطائفية آكلة تأكل الوطن والمواطن وتسترق الطوائف وأبناءها، كما ان هناك حلفاً شيطانياً بين الأعداء الاخوة، بين أهل العصبيات التي ترجع الى نبع واحد ونظام حكيم واحد.

بلى هناك حلف سري حيناً ومعلن حيناً آخر بين غلاة الطائفية الذين يبرر كل منهم طائفيته بطائفية الآخر.

وفي السياسة يلعب الطائفيون بطوائفهم ويوجهونها ذات الشمال ليلا وذات اليمين نهارا، فإذا ما استشعروا قوة في مواقعهم مالوا بطوائفهم في اتجاه، وإذا ما استشعروا ضعفاً في هذه المواقع مالوا بها في اتجاه آخر.

فالطائفي الدرزي يميل بطائفته الى الاسلام أو العروبة عندما يستشعر ضعفاً، ثم يميل بها الى الكيانية والدرزية اذا آنس في حاله قوة. ولا تستطيع الطائفة أن تفلت من شبكته لأنها استقرت على ضرورة الاذعان حفظاً لما تبقى من أمور حياتها، والالتزام بعدم المبادرة الى ارتكاب أي قول أو فعل تغييري.

وما يصدق على الموحدين الدروز من تقييدهم وتكبيلهم بأمور حياتهم ومعاشهم يصدق على كل الطوائف، والشيعة خاصة.

ولننظر معاً الى كل التعيينات الادارية في الدولة، وليس بعيداً عنها التعيينات الاخيرة. وحيث كان الجميع قد اتفقوا على تعطيل التعيينات لأسباب طائفية، فإن هذه الاسباب لو كانت عائدة، ولو خطأ لمصلحة الطائفة، لكان الواجب أن تتم على أساس الاهلية والكفاءة، فهل حصل ذلك؟ بالتدقيق يثبت أن ذلك لم يحصل، واذا كان هناك من مثال أو اثنين فإن القاعدة هي القاعدة، ولكن هذا لا يعني أن أياً من المعينين عديم الكفاءة، ولكن بناء الدولة في هذه الظروف الصعبة لا يحسن معه تقديم الكفء على الأكفاء، فضلاً عن تقديم قليل الكفاءة على الكفء.

ولنعد الى ما افترضناه من تحويل الطوائف الى ملاعب أو كرات لعب في ملاعب الغولف أو ملاعب القدم السياسية... فالاخوة الموارنة عندما يستشعرون الضعف ترتفع نبرتهم الوحدوية الوطنية، وعندما يستشعرون القوة، أعني زعماءهم، يعودون الى خطاب الشعب المسيحي، والاخوة الشيعة عندما يستشعرون القوة يصبحون عابرين للأوطان والكيانات، وعندما يستشعرون الضعف، أعني زعماءهم، يكتشفون أن هناك وطناً وأن هناك دولة تقتضي مشاركة. والسنة عندما يستشعرون القوة، وأعني زعماءهم، وكان رفيق الحريري استثناء، لأنه يأتي من ذاكرة اخرى ويذهب الى أفق آخر، ولذلك ربما قتل... عندما يستشعرون زعماء السنة القوة ينسون أن في لبنان غيرهم، وعندما يستشعرون الضعف يستقوون بعمقهم العربي، وكأنه شأن حصري.

أستخلص من هذا كله أن قوة كل طائفة لبنانية في معزل عن الاخرى، هي بمثابة طاقة نووية، أي انها رادع لا بد من أن يبقى معنوياً، فإذا ما استخدم بسبب الطيش قتل صاحبه أولا، وغير صاحبه ثانيا... والافضل أن تتحول معامل التخصيب النووي الطائفي الى برنامج سلمي، الى كهرباء تضيء الوطن وتخلصنا من الحكم الأعمى والحكام العمي... وأقترح هنا أن نخترع نظاماً سياسياً واجتماعياً وإدارياً يقوي كل الطوائف حتى تتوازن نووياً أسوة بما حصل بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وعطل استخدام السلاح النووي، الذي يمكن أن يستخدم احتمالا، ولكنه احتمال بعيد وأخير... لقد تم ذلك بناء على أن ما حصل من تقدم صناعي وعمراني في كل من الطرفين لا يجوز التفريط به بسهولة وخفة. اذاً نريد قانوناً وحقاً وتنمية شاملة ولا مركزية وقضاء وإنماء متوازناً وقانون انتخاب يتيح مساحة أوسع لحرية الاختيار ووضع حد للاختزال والمصادرة على أساس التجييش الطائفي الذي تستفيد منه دائماً الاطراف الطائفية المتعادية ظاهراً المتحالفة واقعاً حتى العظم... إما هذا... وإما العمل الدؤوب على إضعاف كل الطوائف الى حد أن تقر كل منها بأنها مهزومة ولا قيامة لها إلا بتعطيل الطائفية ونهضة الطوائف الى وطن واحد ودولة واحدة، وتعدد مستقطب بالتواصل بدل الوحدة المهددة دائما بالانكسار. ولم يعد مجدياً ان نعالج أمراضنا الطائفوطنية بشرش الزلوع الدرزي وإكليل الجبل الماروني، والكورتيزون الشيعي والمنوّم السني، والبابونج الكاثوليكي والعيزقان الارثوذكسي. وتبقى الطوائف عبوات ذات صواعق هشة.

المصدر : السفير اللبنانية - 17-10-2005