منْ يصنع الطغاة ؟

 

محمد صادق دياب

 

يشير الدكتور زكي نجيب محمود إلى ملامح القيادة الفكرية لدى الأمم، ويرى أن في انجلترا وفرنسا تكون القيادة للمفكرين من رجال الأدب والفن والثقافة والفلسفة، وفي ألمانيا تترك القيادة الفكرية في أيدي أساتذة الجامعات، فالناس هناك يثقون بأصحاب التخصصات العلمية، وفي أميركا تكون قيادة الفكر للخبراء، أولئك الذين مارسوا العلم تطبيقا. ووفق هذا المعيار رحت أسأل نفسي: هل العرب يدركون الفارق بين القيادة السياسية والقيادة الفكرية؟... وباستثناءات محدودة يمكن للمتأمل أن يكتشف أن القيادة الفكرية العربية ـ في الغالب ـ قد سرقها الانقلابيون العسكر منذ عقود ماضية، فجمعوا القيادتين السياسية والفكرية معا، وغدا الفكر رهنا لحالة السياسة يتحرك في كنفها، ويستظل بظلها، ويتلون بألوانها، وأصبح المفكر يدور في فلك «المتعسكر» السياسي، ويأتمر بأمره. وبالتالي لم نستغرب حينما تحول بعض هؤلاء العسكر و«المتعسكرين» إلى أدباء ومفكرين يؤلفون الروايات ويصـدرون الكتب، كما فعل صدام وغيره، فالطغيان لا يمكن أن يرتاح لصوت يعلو على صوت أحادية غروره.

وأتذكر هنا إجابة لأرسطو حينما دلق أحدهم على مسامعه السؤال:

ـ من يصنع الطغاة؟

فرد أرسطو على الفور قائلا:

ـ «ضعف المظلومين».

وأنا أعتقد أن ليس ثمة أمة من الأمم أجادت صناعة الطغاة في العصر الحديث بقدر ما فعلت أمتنا العربية، فنحن الأمة الوحيدة التي تدير رؤوس الطغاة غرورا بخضوعها وتبعيتها وهوانها، فترسل بهم إلى الهاوية عبر زفة من هتاف ساذج ومتشنج وغوغائي.. أمة لا تتعلم من أخطائها، ولا تتعظ بتجاربها، ولا تحفل بظلمها.

بالأمس وأنا أشاهد محاكمة صدام، كنت أتمنى أن تحاكم الأمة العربية نفسها أيضا بدلا من أن يحاكمها التاريخ وتقسو عليها الأزمنة، فصدام صناعة عربية، نحن الذين شكلنا جنونه وغطرسته وغروره، وهذه الأمة التي اعتادت المشي في أعراس الطغاة ليس من حقها اليوم أن ترقص على قبورهم.

واليوم، وبعد كل مهرجانات الإذلال العربي التي توالت عبر العقود الأخيرة من الزمن، أشعر أنه قد آن الأوان للإنسان العربي أن تتشكل لديه مناعة من حالة الاستهواء التي اعتاد أن ينساق عبرها مسلوب الإرادة إلى أعراس الطغاة وهم يزفون كل ليلة لاغتيال أحلأمنا العربية حلما بعد حلم بعد حلم، وقنواتنا العربية الفضائية ـ شهرزاد عصرنا ـ تقص كل ليلة حكايات مسكونة بالأشباح والكوابيس والهزيمة، وتستودعنا الله على أمل اللقاء بنا في صباح الغد من أجل تقديم المزيد من النكد والهم وخور العزيمة. وكل ذلك بحسب رأي كاتب المقال .

المصدر : الشرق الأوسط - 24- 11- 2005