مقالات و محاضرات

 

 

مكافحة الهجرة... بالهجرة

 

عبدالله اسكندر

 

العالم وقف مشدوهاً أمام تلك الصور القادمة من محيط الجيبين الاسبانيين سبتة ومليلية، في شمال المغرب. لقد شاهد كل من تابع الأنباء المئات من فقراء افريقيا يندفعون لعبور السياجات الشائكة، ولو تحت نيران الشرطة، من أجل الوصول الى «الفردوس» الارضي الذي يمثله الجيبان في نظرهم. حصيلة هذه «الهجمات» خلال الاسبوعين الماضيين وصلت الى 11 قتيلاً وعشرات الجرحى. لكن ما لم يره العالم هو المئات من الفقراء القادمين من البلدان الافريقية نفسها والذين يقضون غرقاً في زوارق متهالكة يحاولون الوصول فيها، عبر البحر المتوسط، الى «الفردوس» الاوروبي.

قصص عشرات الآلاف من الافارقة الذين يحاولون الهجرة سراً الى أوروبا سنوياً متشابهة، ورحلات كل منهم قد تكون متماثلة: شبان في مقتبل العمر فاقدون لأي أمل بمستقبلهم في بلدهم. يدخرون، بأي وسيلة كانت، مبلغاً يراوح بين 500 و2500 دولار يدفعونه لشبكات تهريب متخصصة تتولى نقلهم الى اوروبا حيث يأملون بعمل منتظم وحياة طبيعية واستقرار. وكثيراً ما تنتهي المغامرة بإعادة المهاجر الى بلده، اذا لم يقض على الطريق جوعاً أو عطشاً أو غرقاُ أو بالرصاص أو في أحد السجون. والمحظوظ بين المهاجرين السريين يقضي في اوروبا سنوات طويلة في انتظار إصدار قرار يشرع وجوده، لتبدأ رحلة اخرى من البحث عن عمل والاستقرار والمعاناة من المشاعر العنصرية. 

الإغراء لدى المهاجرين السريين، خصوصاً من افريقيا، يظل الاتحاد الاوروبي شمالا، ومعابره السهلة (الشواطىء القريبة في ايطاليا واسبانيا، والحدود البرية الوحيدة المتمثلة بالجيبين الاسبانيين في شمال المغرب). وتعيش اجهزة الشرطة الحدودية وخفر السواحل في الدول الاوروبية الجنوبية حال استنفار قصوى خصوصاً في فصل الصيف عندما تتيح الأحوال الجوية عبوراً آمناً نسبياً. وتكلف هذه الاجراءات أموالاً طائلة بهدف منع المهاجرين السريين من الوصول الى البر الاوروبي، ومن اجل دراسة كيفية توفير ظروف العيش لهؤلاء المهاجرين في بلدانهم الاصلية. لكن لا الاجراءات الأمنية ولا الدراسات الكثيرة ادت الغرض منها. وتبدو البلدان الاوروبية مصابة بحال من الذعر الشديد ازاء حملات «غزو» المهاجرين. ولطمأنة الشرائح المذعورة من السكان تلجأ الحكومات الى تشديد الاجراءات ضد الهجرة، وتزداد معها المحاولات اليائسة للمهاجرين.

وفي الوقت الذي تتقاذف بلدان العبور في المغرب العربي (تونس، ليبيا، الجزائر، المغرب) وبلدان الاستقبال في الاتحاد الاوروبي (خصوصاً ايطاليا واسبانيا) المسؤولية عن التساهل في مكافحة الظاهرة وعدم تنفيذ الاتفاقات المعقودة في هذا الشأن، اوصت المفوضية الاوروبية، في مواجهة القوانين والاجراءات الردعية في دول الاتحاد، بضرورة وضع سياسة مشتركة تسهل الهجرة المشروعة بدل المكافحة غير المشروعة. فاذا كان من حق كل دولة ان تضع الشروط المناسبة لاستقبال المهاجرين، فإن المفوضية توقعت ان ينخفض عدد العمال في دول الاتحاد الـ25، في افق السنة 2030، نحو 20 مليوناً، بسبب هبوط النمو الديموغرافي وتقدم العمر. 

توصية مماثلة اطلقتها المفوضية العالمية حول الهجرات الدولية، اذ لاحظت ان عدد المهاجرين السريين وصل الى نحو 200 مليون في العالم، لان امكانات الهجرة الشرعية تقلصت الى حدود دنيا، وذلك في الوقت الذي تحتاج فيه الدول المتقدمة الى أيد عاملة. وحذرت المفوضية من ان الاستمرار في اغلاق ابواب الهجرة الشرعية التي تحتاج اليها الدول المتقدمة سيزيد عدد طالبي الهجرة السرية، مع كل ما تستتبعه الظاهرة من مشكلات في البلد المضيف ومن مآس للمهاجرين.

واستناداً الى هذا التقرير، وصف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الظاهرة بأنها «مشكلة خطيرة جداً وموضوعاً ساخناً». وهو سيقدم خلاصات التقرير قريباً الى الجمعية العمومية من أجل استصدار قرارات تحض على اعتماد سياسة اكثر عقلانية ومتناسقة في مجال الهجرة، خصوصاً لجهة تسهيل الشرعية منها وتوفير افضل ظروف العيش للمستفيدين منها ولجهة اعتماد خطط معونات ومساعدات مالية وتقنية للبلدان المصدرة للهجرة وتوفير ظروف سياسية واجتماعية ملائمة للعيش الطبيعي والكريم فيها.

المصدر : الحياة اللندنية - 8-10-2005