مقالات و محاضرات

 

 

حرب حتى النصر على الإرهاب

 

أحمد الجارالله

 

انها حرب الارهاب على العالم الحر, تماما كما كانت حرب النازية والفاشية.. وخطاب الرئيس الاميركي بوش لم يخرج عن هذا المعنى, بل رسم حدود الخنادق في هذه الحرب, واعلن ان الارهابيين يريدون قتل الحرية التي تعتبر من ضرورات تقدم الانسان وتطوره. وفي الخطاب ايضا ان المحاربين ضد الارهاب لن يقبلوا بغير الانتصار النهائي. وبأن العراق أصبح الآن الجبهة المتقدمة في هذه الحرب, وان لا تمييز بين الارهاب وبين الدول التي تدعمه, وقد اسمى منها ايران وسورية.

نيران الحرب مشتعلة, وهي عالمية بكل معنى الكلمة, وان كانت ادواتها سرية ومتوحشة, وخططها مطبوخة في دهاليز الدول الشريرة التي جعلت من هذا الارهاب وسيلة مشروعة في السياسة, وتحاول استثمارها في ابتزاز الولايات المتحدة والعالم الحر, ليس من اجل انتصار مستحيل, بل من اجل بقاء ممكن يجعل من انظمة الشر المستبدة بعيدة عن العقاب.

العالم العربي والاسلامي جله منخرط في هذه الحرب, ويقاتل الارهاب, ويعتقد ان هذا العدو الجديد لا يمثل خطرا عليه لوحده بل خطرا على العالم كله, وبالذات على الولايات المتحدة وسائر دول العالم الحر.

وكل ما كان يخشاه العالم العربي والاسلامي في ظروف هذه الحرب, ان تنسحب اميركا من هذه المنطقة كما انسحبت من فييتنام, تحت ضغوط عوامل داخلية اميركية, مع الادراك انه كان على اميركا الانسحاب من فييتنام لان استمرار الحرب فيها يهدد الداخل الاميركي, ولان الشيوعيين في ذلك الوقت لم يكونوا يشكلون خطرا على الامن الوطني لاميركا, لكن خشية العالم العربي والاسلامي, بهذه المقاربة, سرعان ما تبددت لان الارهاب, غير الشيوعية, يهدد الولايات المتحدة في الصميم, ولابد للدولة العظمى ان تستمر في الحرب ضده حتى النهاية من اجل سلامتها.

خطاب الرئيس بوش اكد هذه الحقيقة, وان لا مجال للانسحاب من ارض المعارك الا بعد تحقيق الانتصارالنهائي... لقد اعلن الرئيس الاميركي هذه المواقف الحادة, وحصر الارهاب في منطقة معينة لانه يعرف ان الارهابيين قلة لا يمثلون الاسلام ولا يمثلون العرب, ولا يحرصون على بناء علاقات بناءة مع العالم الحر. وفي هذه الاشارة تأكيد ان الحرب ضد الارهاب تحظى بمظلة العروبة والاسلام وبتأييد العالم العربي والاسلامي الذي لن يكون قادرا لوحده على مواجهة الارهاب في هذه الحرب وبالتالي لا توجد مبررات لوقفها الا بتحقيق الانتصار الاخير.

في ظن الارهابيين ان بامكانهم ان يحكموا العالم استنادا الى وعود إلهية, واعتقادا منهم انهم هم جند الله, او الفئة القليلة التي ستغلب الفئة الكثيرة بإذن الله من دون ان يعلموا ان هذا التوصيف الايماني لا ينطبق عليهم كون تصرفاتهم وجرائمهم تنافي روح الدين وتخالف تعاليم العقيدة, ناهيك عن انتهازهم للآيات القرآنية الشريفة لاحلال دماء الابرياء, وممتلكاتهم, والتي لا يوافقهم عليها احد.

لقد جاء خطاب بوش, في جانب آخر منه, موجها نحو ظروف الداخل الاميركي, والتكوينات السياسية للمجتمع الاميركي, وهذا التوجه مقصود منه اقناع الداخل هذا بأن الارهاب خطر عليه بالدرجة الاولى, وهذه حقيقة وليست افتراضا, كما هو خطر على المجتمعات العربية والاسلامية, وكذلك مقصود منه انتزاع الحرب على الارهاب من سوق التداول السياسي الاميركي, الذي يتنافس فيه الديمقراطيون والجمهوريون بمقاييس ضيقة, هي اقرب الى النظرة القصيرة منها الى المستقبل المهدد, هنا بإمكان المتنافسين ان يعيدوا حساباتهم وان يفكروا بان الانسحاب الاميركي من الحرب سيؤدي الى انتصار الارهاب, وان خضوع الرئيس بوش لتظاهرات المعادين لهذه الحرب ودعاوى المعارضين لها, سيؤدي ايضا الى انتصار الارهاب, وجعل اميركا كلها في فوهة التهديد, وقد تتعرض الى افظع مما جرى لها في 11 سبتمبر 2001 .

ان خطاب الرئيس بوش بشقيه الداخلي والخارجي, اثار ارتياح العالم العربي والاسلامي بان اميركا ستظل على رأس المحاربين للارهاب وفي خنادقهم الامامية, لان هذا العالم ليس مع ارهاب يهدد العالم الحر, وان كان هذا الارهاب قد تكون في بلدان العرب والمسلمين. وان ظروف تكوينه وظهوره عائدة الى ان المجتمع الدولي كان بعيدا عن هذه المنطقة وعن قضاياها الامنية, وعن صراعاتها المصيرية مع اسرائيل. وفي ازمنة قريبة كانت اميركا لاتبدو مهتمة بمنطقة الشرق الاوسط الكبير, ولا تشعر بالخطر الآتي إليها جراء هذا الاهمال, على الرغم ان الارهابيين كانوا يعيشون في احشاء مدنها, ومدن اوروبا, ويتواجدون بكل الصفات.

نحن الآن في زمن متغير, وخطاب الرئيس بوش يجب ان يكون منهجا لعدم الرضوخ لضغوط القلة, اينما تواجدت, حتى وان كانت هذه القلة, في اجواء الحرية والديمقراطية, تتمتع بالصوت المرتفع, والحناجر الصارخة.

المصدر :  السياسة الكويتية - 8-10-2005