لا لبننة...ولابلقنة في العراق،فالعراق لايقبل الا النموذج العراقي التعددي الديقراطي ...إ نها امانيهم

 

 

نشرت البيان الاماراتية مقالا للدكتور محمد عاكف جمال بعنوان العراق والنموذج اللبناني :

البلقنة، مصطلح معروف في المعجم السياسي، يستخدم للتعبير عن حالات الاحتراب الداخلي، في منطقة معينة، أو ضمن البلد الواحد، وذلك لأن منطقة البلقان، من أكثر مناطق العالم، تنوعاً في الانتماء الإثني والديني، وأصبح لها عبر التاريخ، سجل طويل من الاقتتال. ولكن مصطلح «اللبننة »، لا يقل دلالة في معناه، عن المصطلح الأول، فلبنان هو الآخر بلد فسيفسائي، فيه طيف واسع من الألوان، وفيه كذلك الكثير من بؤر الصراعات.

دخلت معظم الأطراف اللبنانية، في منتصف سبعينات القرن المنصرم، ولمدة استمرت خمسة عشر عاماً، في حرب أهلية مدمرةً، لتلتقي في مؤتمر الطائف، دون أن تحقق لللبنانيين، تعديلاً ملموساً في دستورهم، أو في أعرافهم، يبعد حوارهم عن الخنادق الإثنية والدينية والمذهبية. كل ذلك قد جرى، في ظل وجود القوات السورية، التي دخلت لبنان، محررة في نظر البعض، ومحتلة في نظر آخرين.

كانت الحرب في لبنان، فرصة للصراع بين المصالح والإرادات المختلفة في منطقة الشرق الأوسط، العربية بشكل خاص، دفع اللبنانيون ثمن حسمها، إن كان هنالك ثمة حسم. فالميليشيات التي خاضت الحرب، واحتفظت بخطوط التماس التي قسمت العاصمة الجميلة بيروت، إلى مناطق عسكرية، يسود في كل منها تقاليد وأعراف خاصة، لم تستطع، في مؤتمر الطائف، أن تزيل خطوط التماس في الأعراف، التي تحكم المعادلة السياسية اللبنانية.

وإذا كان سهلاً من الناحية اللغوية اشتقاق «البلقنة» أو «اللبننة» من اسم البلقان أو اسم لبنان، فإن من الصعب اشتقاق مصطلح مماثل من اسم «العراق». فالساحة العراقية مرشحة، أكثر من أي وقت مضى، للبلقنة أو اللبننة، لخدمة مصالح آخرين، يلعبون بحرية فيها.

لم يحدث لبلد، في الفترات الحديثة، أن لحق به تدمير منظم ومبرمج، كما لحق ويلحق بالعراق، وإذا تناسينا ما جرّت عليه، ثلاث حروب مدمرة وحصار ظالم وقاس، على مدى ثلاث وعشرين سنة، من خراب ودمار، وركزنا فقط على الفترة التي أعقبت الاحتلال الأميركي، في التاسع من أبريل 2003، لوجدنا بأن الحرب، لم تنته بسقوط النظام السابق، بل كانت مقدمة لحروب تدميرية أخرى.

أصبح العراق، ومنذ الساعات الأولى، لدخول القوات الأميركية، بلداً مستباحاً، تنشط فيه جهات متعددة، لها أهداف مختلفة، إلا أنها تفرز نتيجة واحدة، وهي إحداث المزيد من التدمير للبلد. وتشهد ساحاته تصفية حسابات كثيرة، وتستوفى فيها ديون قديمة، وتجري فيها دماء غزيرة. فقد خلق النظام الجائر السابق، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، شروخاً خطيرة في العقل العراقي، وخلق الكثير جداً من الأعداء، داخل العراق، وفي الوطن العربي، وفي غيره.

كما تتقاطع في العراق، مصالح أطراف إقليمية عديدة، تنظر بعين الريبة، إلى ما يجري فيه، وتسعى لوقاية نفسها، عن طريق ملء فراغ في ساحته المفتوحة، وإغراق الولايات المتحدة، في المزيد من الوحل، وذلك بتسهيل دخول العناصر التخريبية، من وراء الحدود، لقيادة السيارات المفخخة، أو لارتداء الأحزمة الناسفة، لخلق مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار. وخلق المزيد من الصعوبات، أمام انسحاب القوات الأميركية، أو التقليص من حجمها، والأهم من ذلك، خلق أسس موضوعية لاندلاع حرب أهلية.

ويمكن تقسيم الحروب، التي تجري في العراق حالياً، إلى أربعة أنواع:

1- حرب أميركية على الإرهاب، حيث اختارت الولايات المتحدة العراق، ليكون ساحة لها، مبعدة بذلك الإرهابيين عن الأراضي الأميركية والأوروبية. 

2- حرب سرية تشنها بعض دول الجوار، على الولايات المتحدة، بغية إشغالها وتقليل فرص تدخلها في شؤونها الداخلية.

3- حرب سرية تخوضها جهات مجهولة، تُستهدف فيها الكفاءات العراقية.

4- حرب تخوضها، بين الحين والآخر، المليشيات المسلحة، التابعة للتنظيمات السياسية المختلفة، مع بعضها البعض.

ويستهدف في هذه الحروب:

1- قطاع الخدمات، الكهرباء والماء والصرف الصحي.

2- قطاع النفط، مما قلص الإنتاج والتصدير، إلى مستويات دون ما كانت عليه قبل الاحتلال.

3- القطاعات الحيوية الإنتاجية.

4- دور العبادة، وخاصة الحسينيات، وقد إمتد الاستهداف إلى بعض الكنائس كذلك.

5- أساتذة الجامعات والخبراء التقنيين وكبار الأطباء، فقد قتل المئات منهم، وأرغم عدد كبير منهم، على مغادرة العراق تحت التهديد بالقتل.

6- الطيارون العسكريون، الذين اشتركوا في الحرب العراقية الإيرانية، وكبار ضباط الجيش السابق.

7- رجال الشرطة والحرس الوطني.

8- كبار المسؤولين الحكومين.

9- التجمعات البشرية، لإيقاع أكبر عدد من الضحايا عشوائياً.

10- القوات الأميركية وحلفاؤها.

وكل ذلك يجري، في ظل وجود القوات الأميركية، التي دخلت العراق، محررة بنظر البعض، ومحتلة بنظر البعض الآخر. من الصعب أن نلقي بالتهم جزافاً، إلا أن من الواضح، أن هنالك دولتين تتهمهما الولايات المتحدة دوماً التدخل بالشأن العراقي، الذي يتم من خلالهما، سواء بعلمهما أم بدون ذلك، وهما سوريا وإيران.

فقد أعلن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في السادس عشر من أغسطس المنصرم، عن العثور على أسلحة ز جاءت بشكل غامض من إيران «إلى العراق. أعقبه تصريح مسؤول استخباراتي، ليزيل الغموض الذي أشار إليه الوزير، مفاده «نعتقد أن القنابل التي تم العثور عليها، قبل أسبوعين، هربت إلى العراق بواسطة الحرس الثوري الإيراني».

كما أعلن السفير الأميركي في بغداد، في مقابلات، مع قنوات فضائية أميركية، بأن سوريا، هي أكثر بلد، يتسبب بالمشكلات في العراق، وتتبعها إيران. فمعظم الانتحاريين، وهم من جنسيات مختلفة، يتسللون ـ حسب للاتهامات الأميركية ـ إلى الأراضي العراقية، عبر الحدود السورية، أما بالنسبة لطبيعة التدخل الإيراني، فهو بالنسبة للأميركيين مختلف، ففي الوقت الذي تبدي فيه إيران، ظاهرياً على الأقل، حرصها على دعم النظام الجديد في العراق، خاصة وأن قياداته، في الحكومة الانتقالية الحالية، كانوا لفترة طويلة، ضيوفاً لديها، ويرتبطون معها بعلاقات وثيقة، نراها تنشط مخابراتياً، في محافظات العراق الجنوبية، مستغلة الاحتقانات العرقية والمذهبية الشديدة، التي تشهدها الساحة العراقية، وتعزز من وجودها، من خلال منظمات صنعتها، تحت مسميات مختلفة، سياسية أو دينية أو إنسانية، إلى درجة بات سكان هذه المحافظات، يرون إيران هي الحاكم الفعلي.

يدرك الساسة الإيرانيون، حجم المخاطر التي تنظرهم، فوجود القوات الأميركية، على حدودهم الشرقية في أفغانستان، أكثر خطراً على أمنهم الوطني، من دولة طالبان التي أسقطت. كما أن الوجود المكثف لهذه القوات، على حدودهم الغربية في العراق، مصدر قلق أكبر.

وإذا أضفنا، إلى ذلك، وجود القواعد الجوية الأميركية في بعض دول وسط آسيا، التي كانت جزءاً من الإتحاد السوفييتي، وقيادة الأسطول الأميركي الخامس، على مرمى حجر من شواطئهم، أدركنا درجة الاختناق التي يستشعرونها، في ظل الأزمة التي تمر بها، العلاقات الأميركية الإيرانية، بسبب البرنامج النووي الإيراني.

فهل التدخلات الإيرانية، في الشؤون الداخلية العراقية، تسهم في تخفيف المخاطر التي تحيق بإيران؟، قد يكون ذلك كذلك، من وجهة نظرهم، ولكن قد نخرج باستنتاجات أخرى، إذا نظرنا إلى المشهد من الزوايا التالية:

1- تدرك المؤسسة المحافظة الحاكمة في طهران، بأن لا مكان لها في برنامج الشرق الأوسط الكبير، الذي تقوم الولايات المتحدة بتسويقه في المنطقة، حتى لو لزم الأمر استخدام القوة.

2- إن إيران، في سعيها الطموح، لامتلاك ناصية التكنولوجيا النووية، يهمها بالدرجة الأولى، ضمان سلامة برنامجها النووي، ووضع العراقيل، أمام خطط الولايات المتحدة لإجهاضه، بزيادة إشغالها في الساحة العراقية.

3- وفي هذا السياق، قد تعمد إيران إلى طرح مقايضة نفوذها في العراق، مقابل السكوت الأميركي، عن برنامجها النووي، وهو أمر يستبعد أن يلقى قبولاً لدى الولايات المتحدة. فتورطها في العراق، لا يمنعها من شن حرب أخرى، عند الضرورة، فقد أعد البنتاغون، ومنذ مطلع التسعينات، من القرن المنصرم، سيناريو دخول الولايات المتحدة، في حربين كبيرتين، في آن واحد.

وكلّ ذلك حسب راي كاتب المقال .

* كاتب عراقي

 المصدر : البيان الاماراتية - 7 - 10 - 2005